موجة لجوء جديدة للسوريين.. هل تُلغي احتمالات العودة للوطن؟

موجة لجوء جديدة للسوريين.. هل تُلغي احتمالات العودة للوطن؟
اجتماعي | 23 سبتمبر 2021 | مالك الحافظ

آلاف من السوريين بين المقيمين في الداخل ودول اللجوء من جوار سوريا، بدأوا رحلة جديدة في حياتهم من خلال شق طريقهم نحو أوروبا عبر بيلاروسيا، رغم عمليات النصب والاحتيال التي تعرض لها بعضهم مؤخراً، إلا أن الضائقة الاقتصادية وسوء الأوضاع المعيشية وغياب الأمل بحياة أفضل في المواقع التي خرجوا منها تدفع إلى المغامرة والسير وراء أحلام التغيير.    
 
كل الطرق تؤدي إلى بيلاروسيا؟
 
رغم تعدد أشكال التدهور المعيشي للاجئين السوريين في دول الجوار، إلا أن الأوضاع الاقتصادية لسوريي الداخل تبقى الأشد والأصعب، غير أنهم اشتركوا جميعاً في وحدة المصير في البحث عن مستقبل أفضل. 
 
باسل ريحان (اسم مستعار لمهندس سوري، 35 عاماً) وصل إلى بيلاروسيا من دمشق منذ حوالي 10 أيام، يقول لـ"روزنة" إنه استطاع الدخول بشكل رسمي وسلس بحسب تعبيره، بعد رحلة طيران جوي أقلته إلى مينسك (عاصمة بيلاروسيا) بمبلغ وصل إلى 400 دولار، مقابل تأشيرة سياحية ودعوة من جهة بيلاروسية إلى جانب حجز فندقي ونقل جوي. بينما علق أكثر من 100 سوري الأسبوع الفائت، وصلوا إلى مينسك من جهات مختلفة بينها دمشق وأخرى عبر بيروت واسطنبول، فكان انتظارهم لأخذ التأشيرة داخل المطار (تُكلّف حوالي 100 دولار) أمراً دون جدوى. 
 
ريحان أضاف بأنه حصل على تأشيرة نظامية ودعوى حقيقية حقيقي من المكتب الذي تعامل معه، وهو مكتب من ضمن مكاتب قليلة تعمل بمصداقية مع المهاجرين السوريين الذين لا يزالون محتجزين في مطار مينسك بسبب حصولهم على دعاوى وهمية لدخول البلاد، أملاً بمغادرتها إلى دول اللجوء الأوروبية (على رأسها ألمانيا).
 
تختلف أماني البعض من السوريين عن أقرانهم الساعين للوصول إلى أوروبا، لا سيما المتواجدين في الداخل السوري والذين عقد أغلبهم العزم التوجه نحو دول عربية كـ الإمارات ومصر، وإن كانت الأخيرة تمثل الوجهة الأكثر قصداً للسوريين في مناطق سيطرة حكومة دمشق. 
 
19 ألف صناعي غادروا مدينة حلب، و28 ألفا غادروا مدينة دمشق خلال الأسبوعين الماضيين، بحسب ما أفادت به مصادر صحفية محلية اليوم، مبينة بأن واقع الكهرباء وارتفاع أسعار المحروقات والعوامل الأخرى التي ترفع كلفة الإنتاج والصعوبة بتأهيل المعامل، ساهمت بأعباء كبيرة وأثرت في تنافسية المنتج السوري خارجيا، وهي من العوامل التي ساهمت في هجرة الصناعيين.
 قد يهمك: طرق جديدة لتحقيق حلم السوريين باللجوء إلى أوروبا 


وأضافت التقارير أن رؤوس الأموال وأصحاب المشاريع في حلب ودمشق فقدوا الأمل من انتظار تحسن الأوضاع، لذا بدأ بعضهم بالمغادرة لا سيما مع توافر فرص استثمارية جيدة في أماكن أخرى كمصر والإمارات وحتى كردستان العراق.
 
ولعل اختيار العديد من الصناعيين السوريين مصر كوجهة رئيسية لهم، جاء بسبب حرية الأسواق والحركة والعمل والتصدير المفتوح إلى كل دول العالم.
 
محمد وكيل، (اسم مستعار لصناعي من مدينة حلب، 58 عاماً) كان من أوائل الصناعيين الجدد الواصلين من حلب إلى مصر أواخر شهر آب الماضي، تحدث لـ"روزنة" أن عدم توفر العوامل المساعدة لتعزيز حضور الصناعة والتجارة السورية من جديد في البلاد هو الذي يدفع العديد من الصناعيين للهجرة "كل حسب مشروعه وميزانيته، فمنهم من يتجه إلى مصر ومنهم إلى العراق ولو بنسبة قليلة بالتوازي مع من ذهب إلى الإمارات ذات الأعباء المالية الأكبر". 
 
وبيّن أن تكلفة انتقاله لمصر لم تتجاوز الألف دولار، بين الفيزا والنقل الشخصي ونقل الأمتعة والمعدات كاملة.
 
الهموم مختلفة والنتيجة واحدة
 
تساؤل بارز تطرحه الموجة الجديدة من هجرة السوريين، ويتمثل بمدى إمكانية التفعيل الجدي لإيجاد سبل عودة للاجئين السوريين في بلاد اللجوء الإقليمية والأوروبية إلى بلدهم التي غادروها تباعاً منذ عشر سنوات. 
 
هذا التساؤل توجه به موقع "روزنة" إلى "مفوضية شؤون اللاجئين"، فيما إذا كانت الأوضاع غير المستقرة ستزداد سوءا خلال الفترة المقبلة على اللاجئين السوريين القدامى الذين اندفع البعض منهم لتغيير مكان إقامته بعد تراجع الدعم المالي المقدم له، وسوء الأوضاع المعيشية فيها كلبنان والأردن وتركيا، إلا أننا لم نلقى رداً على ذلك. 
 
مصادر متطابقة في المنظمات الدولية غير الحكومية العاملة في مشاريع مشتركة مع الأمم المتحدة، لتقديم العون إلى اللاجئين السوريين في دول الجوار، أوضحت لـ"روزنة" أن عدم إيفاء الدول المانحة بالتزاماتها المالية للأمم المتحدة وشركائها، في ظل جائحة كورونا، وطول أمد الأزمة السورية، أدى إلى تراجع الخدمات ونقص المساعدات المالية والغذائية الممنوحة للسوريين بالتوازي مع تراجع فرص العمل للسوريين هناك، مثل فصل آلاف المدرسين السوريين في تركيا، إضافة إلى استمرار تراجع الاقتصاد اللبناني، وصعوبة الوضع المعيشي لنسبة لا بأس بها من السوريين في الأردن.
 اقرأ أيضاً: سوريون يعتزمون السفر إلى أبخازيا و هذه متطلبات السفر إليها


في لبنان تستمر معاناة السوريين هناك من سوء الأوضاع المعيشية في ظل التدهور الاقتصادي الخانق الذي تعيشه البلاد وعجز شبه كلي لمفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة في توفير موارد مالية وفرص عمل تسد رمق الكثير من السوريين هناك. 
 
ولعل ما يعيد تسليط الضوء من جديد على الوضع المقلق للاجئين السوريين هناك، هي التصريحات المنسوبة لغبطة البطريرك بشارة الراعي، التي أدلى بها لإذاعة الفاتيكان في بودابست، الأسبوع الماضي، ودعا فيها إلى ترحيل اللاجئين السوريين من لبنان قسرا، ولتضاف إلى قائمة ما يتعرض له السوريون من تضييقات متزايدة.
 
بينما فوجئ لاجئون سوريون في الأردن، بقرار برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة بوقف المساعدات الغذائية عنهم أو تخفيضها، اعتباراً من شهر تموز الماضي. 
 
فرص عمل غائبة ووضع معيشي سيء
 
تلك الرسائل كانت أثارت غضب السوريين، بخاصة وأنها جاءت في ظل توقف الكثير منهم عن العمل جراء آثار جائحة كورونا، التي ما زالت تعصف بهم. 
 
يعيش إبراهيم أبو جود، مع زوجته وأطفاله الاثنين في محافظة اربد (شمالي الأردن)، حيث يعمل كمتطوع مع منظمات المجتمع المدني العاملة هناك، بأجر شهري، يحسب بنظام المياومة، ولا يتجاوز 225 ديناراً (315 دولاراً)، إضافة إلى 60 ديناراً (85 دولاراً)، مساعدة شهرية من برنامج الأغذية العالمية، التي يستطيع صرفها نقدياً من خلال الصراف الآلي، حسب ما تحدث به لـ"روزنة". 
 
ويضيف أنه طلب منذ نحو ست سنوات زيارات من "المفوضية السامية لشؤون اللاجئين" لإعادة تقييم وضع عائلته من أجل مراجعة وضعهم المعيشي وإعادة تقييم المساعدات المالية الممنوحة؛ لهم دون استجابة، مؤكداً عدم تلقيه أي اتصال من برنامج الأغذية العالمية، ومتسائلا عن آلية تقييمه.
 
يضع قطع المساعدات وتخفيضها السوريين أمام خيارات صعبة ومحدودة في ظل الأوضاع الاقتصادية الحالية، إذ أكد أبو جود لـ"روزنة" أن التفكير بالعودة إلى سوريا أصبح يراود الكثيرين من السوريين في بعض الدول العربية، أو الاتجاه للهجرة غير الشرعية عبر الدول الأوروبية المحيطة بالبلاد التي استقبلت السوريين خلال السنوات الماضية.
 
سواء بسبب التراجع الكبير للدعم المقدم للسوريين في دول الجوار، أو لأسباب تتعلق بشكل مباشر بأوضاع عملهم كحال آلاف المعلمين السوريين الذين فصلوا من المدارس التركية، تتلاقى أهداف العديد من السوريين هناك للوصول إلى أوروبا عن طريق بيلاروسيا، والانتقال منها نحو بولندا براً ومنها إلى ألمانيا، أو عبر ليتوانيا والانتقال بحراً والمخاطرة الكبيرة بحياتهم للوصول إلى دول أوروبا الغربية سعيا وراء حياة كريمة تؤمن لهم تقدير مستواه التعليمي والإمكانات التي يمكن أن يقدمونها للمجتمعات الأوروبية التي يسعون للاندماج معها، بدلا من التواجد في أماكن لا تقدم لهم أي تقدير أو اهتمام بكفاءات العديد منهم، بحسب ممن التقى بهم موقع "روزنة" من بعض السوريين في تركيا ولبنان والأردن. 
 قد يهمك: تشديد إجراءات التنقل عبر الدول الأوروبية لوقف وصول المهاجرين


ووفق تقارير صحفية، فإن أكثر من 9 آلاف عائلة سورية بتركيا (يعيلها معلمون سوريون مفصلون)، باتت اليوم مهددة بالجوع والتشرّد، وتهديد سلامتها وأمنها بعد أن بات التفكير بالعودة إلى مناطقهم التي تسيطر عليها حكومة دمشق، أحد خياراتها المطروحة للاستمرار بالعيش ضمن أدنى المتطلبات، أو اللجوء للهجرة نحو بيلاروسيا ومواجهتهم خطر التعرض للسجن 5 سنوات إلى جانب غرامة مالية كبيرة إذا ما تم اعتقالهم عند الحدود البولندية- البيلاروسية.
 
بصدور قرار فصل الآلاف من المعلمين السوريين مطلع الشهر الجاري، تكون منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) قد أعلنت عن انتهاء برنامجها في دعم المعلمين السوريين العاملين في تركيا، وذلك بعد نحو 5 سنوات من بدء عمل مشروع "دمج الطلاب السوريين في المنهاج الوطني التركي"، المدعوم من قبل مفوضية الاتحاد الأوروبي تحت إشراف "اليونيسف" ووزارة التربية التركية.


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق