في دمشق.. ربع مليون ليرة كلفة حفاضات الأطفال الشهرية

في دمشق.. ربع مليون ليرة كلفة حفاضات الأطفال الشهرية
التقارير | 21 يوليو 2021 | يارا أحمد

ستة أشهر من المعاناة والألم وزيارات للأطباء عانى منها طفل علاء وميادة قبل أن يكمل عامه الأول بسبب نوعية حفاضات سيئة وما نجم عن استخدامها من حساسية والتهابات جلدية. 


هذه المعاناة لم تكن نتاج تقصير الأهل وإنما هي مسؤولية القدرة الشرائية حسب دخل المواطن السوري الذي لم يعد ليتجاوز الـ20 دولار.

سلمى، ربّة منزل، عانت أيضاً من غلاء أسعار الفوط الأجنبي وسوء تصنيع الوطنية منها، حتى أنها استبعدت فكرة استبدالهما بالفوط القماشية. فهي ليست بأقل تكلفة من الفوط الصناعية حيث تحتاج الغسيل والتعقيم. وتضيف: "مع غلاء مواد التنظيف وغياب الكهرباء والوقود التي تحتاج لتنظيفها حرارة، أصبح أمر الاستبدال صعباً بل ويحمل أعباء أكبر من غلاء الفوط المصنعة". كما أن أغلب الأمهات موظفات وليس لديهم الوقت لإجراء هذه العملية بحسب سلمى.

من 12 ألف إلى ١٠٠ ألف ليرة سورية... فمن المشتري؟

قد يتفاجئ البعض أن العائلة من ذوي الدخل المحدود قد تضطر للاستغناء عن شراء كنبة أو طاولة للمنزل مقابل أن يشتروا علبة حفاضات. فهي بحاجة إلى نحو 3 علب تقريبا كل اسبوع، وعليها دفع ما يقارب الـ 150-200 ألف ليرة سورية.

هذه الأرقام المرتفعة مقارنة مع مداخيل السوريين تجعل الجميع يتساءل، كيف يمكن للوالدين تدبّر أمور حياتهم المعيشية الأخرى في حال قرروا اختيار الأنواع الجيدة والصحية لطفلهم؟

"الغالي حقو فيه"... والبدائل انقرضت

"الغالي حقو معو… انا باستخدم الأجنبي لأبني" هكذا علقت السيدة ماجدة (تصف وضعها المالي بالميسور) ونوعيته وفاعليته جيدة إضافة إلى توفره الدائم في المحال التجارية الكبرى.

بدورها تقول ماجدة بضحكة ممازحة: "كل شي عم يدخل على البلد وقفت على فوط الأطفال". وتضيف: "هناك نوعيات فوط تأتي بالوزن أي بالكيلو غير معلبة، لكن هذه النوعيات تشكل خطراً على الأطفال بسبب التحسس الكبير الذي يتعرض له الطفل بسببها، أما أسعارها مقبولة حيث يصل سعر الكيلو حوالي 5 آلاف أي لـ 15 قطعة، لذلك لجأ الأهل إلى المغلف، خوفاً على أطفالهم".

العودة إلى استخدام حلول الجدات والأمهات في استخدام الحفاضات القماشية لمواجهة الغلاء يبدو أنه ليس حلا عملياً ونحن في عام 2021.                                                                                                                                                                                                                                                                            اقرأ أيضاً: طفلك متنمر أو تعرض للتنمر؟ هذه المعلومات تهمك


                              
تقول فاطمة وهي معلمة: كان الأهالي يعتمدون سابقاّ على "الخرق" والتي يتم تصنيعها من أكياس الطحين القماشية حيث يتم شراء هذه الأكياس فارغة ويتم غسلها وخياطها لتصبح مناسبة للطفل. وتستطرد بالشرح: "وحينما لا تكون القطعة مناسبة لحجم الطفل صحياً كان الأهل يعمدون لشراء قماش مناسب للطفل".

 لكن اليوم لم يعد هناك قدرة على شراء القماش وخياطته حيث يصل سعر متر القماش إلى 7000 ليرة سورية، وحتى أكياس الطحين لم تعد متوفرة في الأسواق حيث يتم إعادة استخدامها للتعبئة مرات عدة، "وهذا بحسب فاطمة".

"غير مطابقة للمواصفات"

عملنا أثناء إعداد هذا التحقيق على إجراء تشريح لتركيبة نوعين من فوط الأطفال الأكثر استخداماً في سوريا. الأول وطني يباع بالوزن والثاني نوعية جيدة حسب ما رصدته من الأمهات.

عند تشريح الحفاضات تبين لنا أن النوعين يحتويان القطن والحبيبات، لكن الفروق تكمن في نوعية القطن و الحبيبات المستخدمين و الذي يظهر جلياً عند التعرض للبلل، حيث يبقى النوع الوطني محافظا على البلل بدل أن يمتص السوائل.
صورة توضح التجربة التي قامت بها روزنة

تنوع المصدر لنفس الماركة 

لاحظنا أثناء إجراء التحقيق اختلاف نوعية الإنتاج لذات الماركة من الفوط الصحية حسب نوع المنشأ. والاختلاف حسب ما رصدته روزنة لا يتوقف عند الفروق بين المنتج الأجنبي والوطني وإنما يتعداه إلى منشأ البضاعة. 

ويبدو هذا الأمر واضحاً عند المقارنة ما بين نفس فوط الأطفال من ذات الماركة التجارية الاجنبية ولكن مختلفة المنشأ، ويتجلى الاختلاف في تغير حجم الحبيبات عند البلل، وكذلك تغير لون الحفاض.
صورة تعبيرية عن الحساسية الناتجة عن الحفاضات السيئة

ماذا عن رأي المختصين

"معظم الأنواع الموجودة في الأسواق، والتي يمكن استخدامها صناعة وطنية، وهي سيئة" حسب كلام الصيدلانية مرام.

وفندت الصيدلانية معايير جودتها التي اعتمدتها لإطلاق هذا الحكم إلى رائحة هذه الفوط الصحية والتفتت الذي تتعرض له وما تتركه من مواد على جسم الطفل التي تؤدي إلى إصابة الأطفال بالأكزيما الجلدية فيما بعد. أما الحفاضات الأجنبية والتي يتراوح سعرها ما بين الـ 25 ألف، 98 ألف، 100 ألف، وتعتبر نوعية جيدة للطفل، لكنها حكر للطبقة الغنية لا يمكن شراؤها.

ويبدو من كلام الصيدلانية مرام أن حالة ابن علاء وميادة ليس الوحيدة، هي حالة يعاني منها أعداد كبيرة من الأطفال، وخاصة أن حالة الحساسية و الالتهابات يمكن أن تتطور إلى إصابات بكتيرية.
قد يهمك: حملة تبرعات.. تدفع قيمة وجبة عشاء في هولندا ليفطر طفل سوري


الدكتورة ناريمان، طبية أطفال، ترجع حالة التحسس التي يصاب بها الأطفال جراء استخدام الفوط الصحية إلى نوعية بشرة الطفل وبنيته التحسسية. وتضيف أن صناعة فوط الأطفال بجودة سيئة مع استخدام مواد أولية رديئة في هذا التصنيع، نتج عنه حالات تهيج وتحسس جلدي كبير لدى الأطفال.

نتيجة لغلاء هذه الحفاضات تلجأ بعض الأمهات الى تقليص فترات تبديل الفوط الصحية لأطفالهم.

وتقول الطبيية: "تحاول الأمهات أن تؤجل عملية تغيير الفوطة للطفل بهدف التوفير، ومع هذه النوعية الرديئة يحدث منعكس صحي سيء على بشرة الطفل وهذا ما يتطلب علاج ومعقمات خاصة".

وتضيف: "اضطر لأصف دواء واحد للطفل من أجل التوفير في ظل هذا الغلاء علّه يفي بالعلاج المطلوب، لكن هذا حكماً يؤخر عمليات الاستطبابات اللازمة".
ونصحت الأمهات ببدء تعليم الأطفال على قضاء حاجاتهم بسن مبكرة، الأمر الذي سوفر حماية ونظافة تامة للطفل لعلّها تكون طريقة أسرع في حماية الطفل.
المواصفات الفنية للحفاض الجيد 

ويبدو مع الواقع الاقتصادي المتردي الذي تعيشه معظم العائلات السورية، حيث يعيش 90 بالمئة من السوريين تحت خط الفقر في سوريا حسب تقرير للأمم المتحدة، إضافة إلى القرار الأخير برفع أسعار الأدوية بنسبة 30 بالمئة فإن معاناة الأطفال السوريين لن تتوقف قريباً.

تقول ميادة: "لا حل سوى الانتقال للفوط الأجنبية الغالية رغم  صعوبة الحصول عليها لارتفاع سعرها، إلا أن ذلك أرحم من معاناة طفلهم كل هذه المدّة".

يواجه السوريون أزمة إنسانية كبرى في المحافظة على حياة صحية مستقرة سواء في شراء  ضروريات الرعاية الصحية للأطفال والتي لا يكفلها أي نوع من أنواع التأمين الطبي وتأمين الدواء الذي ارتفعت أسعاره بقرار حكومي. وفي ظل الغلاء المحيط بالسوريين والتراجع المستمر لقيمة الليرة السورية وخفض مخصصات العائلات من ربطة الخبز لا يبدوا أن هناك أي انفراجة اقتصادية على واقع السوريين في القريب.

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق