حمدي البوطة الذي فضح مجموعة فاغنر في حقل الشاعر

مجموعة فاغنر  - jamestown
مجموعة فاغنر - jamestown

التقارير | 22 يوليو 2021 | روزنة

وُلد حمدي البوطة في آب/ أغسطس سنة 1986، ونشأ في قرية صغيرة تسمّى الخريطة غرب نهر الفرات بمحافظة دير الزور في سوريا، والتحق بالمدرسة الثانوية في دير الزور وأكمل سنتين من الخدمة العسكرية الإلزامية.


بعد الفترة القصيرة التي قضاها في الجيش العربي السوري، ذهب البوطة للعمل في قطاع البناء، وعمل بشكل أساسي كعامل بناء. 

تزوج البوطة وأسّس أسرة قبل عام 2011 وذلك أثناء إقامته في دير الزور، ويُعتقد أن زوجته وأطفاله الأربعة ما زالوا يعيشون في سوريا اعتباراً من شباط/ فبراير سنة 2020.

خلال سنة 2016، سافر البوطة إلى لبنان على أمل القيام بأعمال بناء بعد تدهور الوضع في سوريا وأصبحت أجزاء كبيرة من دير الزور تحت سيطرة "تنظيم الدولة في العراق والشام". علاوة على ذلك، سافر البوطة مع عدة شبان آخرين من بلده عبر أجزاء من دير الزور كانت بالأساس تحت سيطرة جيش النظام السوري في ذلك الوقت.

وبالتالي، لم يواجه مشكلة في الوصول إلى لبنان، وذلك وفقاً للمعلومات الواردة من أقاربه عبر الحدود في ممر دمشق - بيروت. والجدير بالذكر أنه وصل إلى لبنان بأمان في 16 أيلول/ سبتمبر سنة 2016.

بعد العمل لبعض الوقت في لبنان، قرّر البوطة العودة إلى عائلته في دير الزور. وفي 27 آذار/ مارس سنة 2017، سافر البوطة عبر الحدود من لبنان إلى سوريا عند معبر بيروت دمشق مع مجموعة من الشبان من قريته. 

واعتقله النظام السوري أثناء عبوره الحدود وسلمه لعناصر من الجيش. 

 في وقت لاحق، تواصل البوطة مع صهره مباشرة وأخبره أن أفراداً من جيش النظام السوري اقتادوه إلى ثكنة الدريج في الضواحي الشمالية للعاصمة السورية دمشق.

منذ بداية العمليات العسكرية تقريباً، كانت ثكنة الدريج بمثابة معسكر للمستشارين العسكريين الإيرانيين والروس واللبنانيين من حزب الله للنظام السوري وقاعدة تدريب للفيلق الرابع والخامس، وهما فرقتان رئيسيتان جرى إنشاؤهما بإلحاح من القادة العسكريين الروس والإيرانيين بعد سلسلة من الخسائر المدمرة التي تعرض لها جيش النظام خلال سنتيْ 2015 و2016.

وبحسب ما ورد، وقع إيواء مقاولي الأمن العسكري الروسي الخاص المكلفين بالتدريب والتجهيز والنشر مع فرق من الفيلق الرابع والخامس في القاعدة في ثكنة الدريج.

بعد حوالي شهر من التدريب مع وحدة احتياطية في الدريج، جرى فرز البوطة على ما يبدو مع وحدة مجندين في قاعدة التياس الجوية في محافظة حمص. 

وتعدّ هذه القاعدة، التي تقع غرب تدمر وتُعرف أيضا باسم تي ـ4 العسكرية الجوية، موطنا للقوات الجوية لجيش النظام السوري، وهي أكبر قاعدة جوية في سوريا. 

ورصد التحقيق تبادل السيطرة على الطريق من قاعدة التياس الجوية شرقاً إلى تدمر حيث كانت محل نزاع حاد منذ سنة 2013 على الأقل.

وفي تشرين الثاني/أكتوبر سنة 2013، تعرض المقاولون الروس المنتسبون إلى مجموعة موران للأمن لوقوع عدد من الضحايا خلال معركة مع قوات المعارضة على طول الطريق بالقرب من مدينة تدمر.

(عرض صورة القمر الصناعي لقاعدة التياس الجوية بحمص، سوريا)

ليس من الواضح متى وصل البوطة بالضبط إلى قاعدة تي ـ 4 الجوية، لكن وفقاً للروايات التي أدلى بها أقارب وصحفيون على دراية بقضيته، ربما وصل البوطة إلى هناك في وقت ما من منتصف آذار/مارس إلى أوائل نيسان/أبريل سنة 2017. 

وبحسب الروايات التي نقلها صهر البوطة للصحافة، فقد هرب من قاعدة تي ـ 4 سيراً على الأقدام بعد وقت قصير من وصوله إلى هناك. 

قال صحفي من صحيفة جسر مطّلع على القضية خلال مقابلة: "لقد تاه في الصحراء الكبرى. لذلك، أرسل رسالة صوتية عبر تطبيق واتساب إلى شقيق زوجته في لبنان بصعوبة بسبب عدم وجود تغطية شبكية في الصحراء. وكانت  هذه الرسالة الصوتية التي بعثها البوطة في أواخر آذار/ مارس سنة 2017.

وكان هذا آخر اتصال بينهما، أخبره فيها البوطة عن وضعه وأعلمه أنه ضائع. ويبدو أنه عندما ضلّ الطريق، كان المكان الوحيد الذي وجد ملجأ فيه هو حقل غاز الشاعر الذي طرد منه داعش حديثاً في ذلك الوقت. 

ولكن الحرس الروسي المتواجد في القاعدة أعادوا اعتقاله مرة جديدة، وحسب كلام صهر البوطة فقط تعرض للتعذيب والقتل خلال هذه الفترة. 

ووفقاً لتقارير إخبارية محلية، بدأت الوحدات القتالية التابعة لصيادي "تنظيم الدولة"، وهي ميليشيا من الفيلق الخامس وقع تدريبها وتجهيزها من قبل مقاولي الأمن العسكري الروسي الخاص المعروفين باسم مجموعة فاغنر، في إغلاق منطقة الشاعر في أواخر نيسان/ أبريل سنة 2017.
اقرأ أيضاً: عبر الزجاج: فيديو سريع الانتشار وعرض للشبكات الاجتماعية لمجموعة فاغنر


الموت والعواقب: فيديو وجنازة سرية 

في 30 حزيران/ يونيو سنة 2017، نشر مدون يُدعى "جوش" تعليقا مُرفقا بمقطع فيديو مدته 1:44 دقيقة على موقع الأخصائيين العسكريين المحاربين "Funker530.com" بعنوان "عاجل: لقطات مرعبة للروس يعذبون سجينا بمطرقة ثقيلة". عموما، يبدأ مقطع الفيديو (فيديو أ) بتحذير باللغة الإنجليزية بشأن المحتوى المصور، يُظهر عدّة رجال يرتدون زياً عسكرياً بني اللون يضربون رجلاً مجهول الهوية بمطرقة ثقيلة ويركلونه. وكان اثنان على الأقل من الرجال يحملان ما يبدو أنه بنادق من طراز "إيه كيه 74" معلّقة على أكتافهما. 

كان الرجل مُلقى على الأرض وسط ما يبدو وكأنه حُطام موقع صناعيّ. وكان الرجل المُلقى على الأرض مقطوع الرأس و جسده ملتوياً في شبه وضع الجنين، وكان قميصه الأزرق والأبيض وسرواله الرياضي الأزرق الداكن ملطّخاً بالدماء.

ورغم المشهد المأساوي لكن عناصر فاغنر كانوا يستمعون إلى موسيقى روك روسية صاخبة، بينما كان الرجال الذين يرتدون الزي العسكري يضحكون ويمزحون مع بعضهم البعض بمزيج من اللغة الروسية والعربية.

 الصورة غير موجودة لأنها مؤذية، وهي لقطة ثابتة من "فيديو" تُظهر الضحية ورأسه المقطوع. ونُشرت في 30 حزيران/ يونيو سنة 2017 على موقع "Funker530.com".

لا توجد علامات تعريف واضحة أخرى على الفيديو. وليس من الواضح الزمان والمكان الذي صُوّر فيه الفيديو أو كيفية حصول موقع "Funker530.com" عليه.

في المقابل، يشير المنشور إلى أن أحد الرجال كان يرتدي شارة على زيه الرسمي مكتوباً عليها باللغة السيريلية. وتقول الشارة "я просто отделаю тебе очень очень больно" ("سأؤذيك بشدة").

وقد انتشر الفيديو بسرعة كبيرة خلال ساعات من نشره على موقع "Funker530.com". ووحسب الرصد فإن أول من نشر الفيديو على تويتر كان  يستخدم عنوانا على تويتر "نيكرو مانسر" (@666_mancer).

في الوقت نفسه تقريباً، نشر فريق استخبارات الصراع، وهو موقع صحفي إخباري استقصائي عبر الإنترنت يتتبع الشؤون العسكرية الروسية، نشر عبر مدونته على فيسبوك حول الفيديو في 30 حزيران/ يونيو سنة 2017. قدمت حجة قوية للارتباط مع مجموعة فاغنر.

ورغم عدم ظهور دليل قاطع على هويات أولئك الذين وقع تصويرهم في الفيديو في ذلك الوقت. ولم يتضح مكان الحادث ولا تزال هوية الضحية مجهولة.

وعلى الرغم من أن منصة يوتيوب حذفت هذا الفيديو الأول في النهاية، سارع الآخرون إلى الاحتفاظ بنسخة منه بتنسيقات لا تزال متاحة على قنوات الدردشة باللغة الروسية حتى شهر نيسان/ أبريل سنة 2020.

لا تزال العديد من الحقائق مجهولة بشأن ما حدث بالضبط بين الوقت الذي وصل فيه البوطة إلى حقل الشاعر ووفاته.

في المقابل، استنادا إلى الجدول الزمني للأحداث المحيطة بهروب البوطة من قاعدة مطار تيفور العسكري كما يتذكرها الصحفيون السوريون الذين تعقبوا أسرة الضحية والتسلسل الزمني للأحداث المحيطة بنشر الفيديو، قد يشير التقييم الأولي للحقائق إلى أن البوطة تعرّض للتعذيب والقتل في وقت ما في أواخر شهر نيسان/ أبريل إلى أواخر حزيران/ يونيو سنة 2017. 

كما هو مبيّن أدناه، تؤكد سلسلة الأحداث هذه أوصاف الحادثة التي نُشرت بشكل مجهول على موقع "فكونتاكتي" من قبل مستخدمي "فكونتاكتي" الناطقين باللغة الروسية المرتبطين بمجموعات المشتركين على المنصة التي تركز على الأخبار حول المرتزقة الروس والثقافة العسكرية.

(لقطة شاشة للشارة التي يرتديها أحد الرجال الذين وقع تصويرهم في الفيديو أ المنشور في 30 حزيران/ يونيو سنة 2017 على موقع  Funker530.com)

بعد أقل من سنة بقليل على وفاة البوطة، في أيار/ مايو سنة 2018، تلقّى أفراد عائلته نسخة من مقطع فيديو يصوّر الحادثة نفسها عبر تطبيق "واتساب".

ودون التأكد من صحة الفيديو، أرسلت عائلة البوطة الفيديو إلى أحد أقربائها الذي تربطه علاقات وثيقة بنظام الأسد. من جهته، يتذكر صحفي سوري مطّلع على هذه القضية أنه "استفسر عن حقيقة الفيديو، وعاد قائلا إن (البوطة) مات". وعلى إثر ذلك، نظموا له جنازة في سنة 2018 والتزموا الصمت. وحتى يومنا هذا، لم يرفعوا دعوى قضائية لأنهم يخافون من النظام. ومن الصعب عليهم بالفعل نقل المعلومات إلينا". 

بعد مرور 18 شهرا، وبعد أن أقامت عائلة البوطة جنازة سرية له، ظهرت  تفاصيل جديدة حول الحادث توضح وجود صلة وثيقة بين الرجال الروس في الفيديو، ومجموعة فاغنر وشركة إيفروبوليس وشركات الطاقة الروسية والسورية، المكلفة بإدارة موقع "الشاعر".

يكشف التحليل السياقي للظروف المحيطة بالأحداث التي أدت إلى سيطرة تنظيم الدولة على محطة الغاز، والمعركة الطويلة التي خاضتها الحكومة السورية لاستعادة السيطرة على الموقع، عن إمكانية أن يكون مقتل حمدي البوطة جزءا من نمط أكبر بكثير من جرائم الحرب المحتملة التي يرتكبها مشغلو الشركات العسكرية والأمنية الخاصة الروسية المنتسبين إلى وحدات محددة من مجموعة فاغنر التي قاتلت أيضا في منطقة دونباس بشرق أوكرانيا في ذروة أزمة الميدان الأوروبي في صيف سنة 2014.

من أجل فهم كيفية توافق هذه الأجزاء من الأحجية سويا، من المهم أولا استكشاف تاريخ منشأة حقل "الشاعر" للغاز بقدر من التفصيل قبل بداية الحرب الأهلية في سوريا في سنة 2011 وكيف لعبت شركة "إيفر وبوليس" دورا حاسما في النضال الذي خاضه نظام الأسد طيلة عقود لاستغلال حوض الغاز المحيط بالموقع المعروف باسم مجمع حيان للغاز.

هذه المادة التحقيقية مترجمة من موقع "newamerica" وملحقة بفصول لاحقة توضح كل الدلائل التي جمعت بخصوص تورط مقاتلي مجموعة الفاغنر في عمليات قتل داخل سوريا.  

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق