بيوتهم مدمرّة بالكامل.. سوريون يواجهون الطرد من الدنمارك

أم علاء تخشى عدم تجديد تصريح إقامتها، تم تدمير منزلها في سوريا. تصوير: ميكيل أوسترجارد / بانوس
أم علاء تخشى عدم تجديد تصريح إقامتها، تم تدمير منزلها في سوريا. تصوير: ميكيل أوسترجارد / بانوس

اجتماعي | 07 يونيو 2021 | ميس قات - إيما هاريسون

كوبنهاغن تسحب إقامات سوريين في الدانمارك، والعائلات السورية قلقة للغاية، فبيوتهم وأحياؤهم التي خرجوا منها مهدّمة بالكامل ولا مكان للعودة!

ميس قات

أمرت السلطات الدنماركية بترحيل مصباح وأولاده الثلاثة من الدانمارك إلى دمشق، أصغر أولاده وُلد في الدانمارك ويبلغ من العمر خمس سنوات،  انتهت إقامة العائلة السورية و الآن يُفرض عليها العودة إلى منزلٍ دمرته الحرب تماماً في حي تمّ مسحه عن الوجود.

تم إعداد هذا التحقيق بالتعاون بين روزنة وصحيفة الغارديان البريطانية، ومؤسسة لايت هاوس الهولندية ضمن مشروع  "رابحو الحرب" 

  

خريطة للعاصمة دمشق وما حولهاعاش مصباح في حي جوبر على أطراف دمشق، قبل أن يصل إلى الدنمارك منذ سنوات، مصباح  واحد من مائة سوري فقدوا إقاماتهم كلاجئين في الدنمارك،"لا أعرف ما الذي تبقى لأعود إليه.. كيف يمكنني حماية أطفالي هناك؟".

كان مصباح حصل على أمر بمغادرة فورية لطفله البالغ من العمر خمس سنوات، اضطر المحامي إلى الطعن في أمر مغادرة الطفل بمفرده، فهذا أمر مستحيل برأيه، "كيف يمكن لطفل بعمر خمس سنوات المغادرة لوحده من أهله!" يقول مصباح مستغرباً من القرار الصادر بترحيل ولده الصغير.

الدنمارك أول دولة أوروبية ترفض تجديد تصاريح الإقامة للاجئين السوريين، وتبدأ بإصدار قرارات ترحيل لم يتم تنفيذ أي منها حتى هذه اللحظة. 

صدرت القرارات بذريعة أن بعض المناطق في سوريا أصبحت آمنة، وهي جاهزة لتعود إليها العائلات بأمان بحسب تقارير صدرت عن الحكومة الدانماركية، الأمر الذي أربك اللاجئين السوريين المقيمين في الدنمارك، فالجميع لديهم أسباب كثيرة تمنعهم او تخيفهم من فكرة العودة إلى سوريا. 

تعترف السلطات في كوبنهاغن بأن الحرب لا تزال مستعرة في أجزاء من سوريا، وتمنح جميع الرجال السوريين المؤهلين للتجنيد الإجباري إقامات من نوع "لجوء سياسي".

حصل ولدا مصباح الأكبران على اللجوء السياسي في الدانمارك أسوة بهذا القرار، وهما توأمان يبلغان من العمر 19 عاماً.

يسيطر على سوريا برمّتها، جهاز المخابرات السوري نفسه الذي كان مسؤولاً عن محاولات كبح الثورة السورية منذ عام 2011 ، وهو الجهاز نفسه الذي عذّب وقتل الآلاف طوال الحرب السورية.

إلى جانب ذلك يعدّ الوضع الاقتصادي السوري في وضع سقوط حرّ هائل، الأمر الذي سيجعل الحياة صعبة على السوريين العائدين إلى البلاد فالعثور على عمل وإعالة عائلاتهم شبه مستحيل، إلى جانب كون غالبيتهم مشبه بهم سياسياً وأمنياً.
اقرأ أيضاً: الأبنية المتضررة... خطر ينتظر العائدين إلى سوريا         

     
العديد من أهالي المناطق المعارضة في ريف دمشق، خرجوا من هذه المناطق ولا يمكن لهم العودة اليوم، بعد أن تسببت الحرب والإجراءات التي قام بها النظام السوري بتشريدهم فعلياً في كل بقاع الأرض.

ومنذ سنوات بدأ النظام السوري تنفيذ خطط الهدم وإعادة الإعمار في هذه الأحياء التي كان الناس يعيشون فيها ذات يوم.
                                                                                                                                       
تقول الباحثة السورية في هيومان رايتس ووتش سارة كيالي: "نعتبر أن هدم ممتلكات الناس جريمة حرب، لأن البلاد ما زالت في حالة نزاع، ولا يوجد غرض عسكري مشروع واضح يبرر الهدف، لا سيما أن الحكومة استعادت هذه المناطق".

الحكم على حجم الأضرار الهيكلية من صور المباني في ريف دمشق مستحيل، هناك أيضاً إمكانية لوجود قنابل أو ألغام غير متفجرة مخفية عن الأنظار داخل الأبنية.

في المقابل، لم يتعامل النظام السوري مع الممتلكات بشكل فردي وبدأ بهدم المباني بشكل جماعي، ولم تطلب الحكومة السورية من الأمم المتحدة أو من أية منظمة دولية مختصصة المساعدة في إزالة الألغام أو القنابل الغير منفجرة، حيث كان بإمكانهم إدارة عمليات إزالة المباني الآيلة للسقوط، والذخائر الغير منفجرة التي خلفها القتال من دون إزالة المباني السليمة.

وقالت كيالي إن "تدمير مبانٍ كاملة على هذا النطاق الواسع غير متناسب مع جهود إزالة الألغام".

أم علاء، مدربة قيادة سابقة تقدمت للعمل في دار للعجزة بالدنمارك، كانت تعيش في القابون سابقاً، وهي منطقة متأثرة بأحد برامج الهدم الأكثر شمولا في محيط دمشق.

وتتذكر أم علاء قصتها قائلة: "كنت أرسل الأطفال إلى منزل والديّ عندما كنت أحمل حجارة البناء بيدي .. لم نستطع أنا وزوجي الدفع لعمال لمساعدتنا لبناء منزلنا، بنيناه بأيدينا.. قمنا بكل شيء بأنفسنا". 

ولسنوات عديدة كانت عائلة أم علاء تجمع النقود وتوفر كل شيء من أجل بناء المنزل في القابون.

تتابع أم علاء: "حولنا سطح المنزل إلى ترّاس جميل، توسطته نافورة رخامية على الطراز الدمشقي، والزريعة كانت في كل مكان"، قبل مغادرة أم علاء لبيتها في القابون كانت بدأت كسوة الطابق الثاني ليكون شقة صغيرة لابنها الأكبر.

صمد المنزل رغم سنوات من القصف والقتال المحتدّ، وأظهرت صورة أرسلها أحد الأقارب لأم علاء أنّ الحيّ ما زال قائماً وسليماً قبل مدّة قصير من استعادة قوات جيش النظام السوري السيطرة عليه في أيار/ مايو سنة 2017.

في المقابل، دُكّت المنطقة المحيطة به تماماً نتيجة انفجار وقع بين 13 و18 أيلول/ سبتمبر من ذلك العام.

لكن قوات النظام قامت بهدم المنزل خلال عملية هدم جماعية قامت بها في منطقة القابون، بالرغم من كونه ما زال صالحاً للسكن وسليماً تماماً.

على الرغم من تمكّن أم علاء من الحصول على تصريح إقامة في الدنمارك، إلا أنها تخشى رفض تجديد اقامتها وإعادتها إلى سوريا العام المقبل. 

تُظهر صور الأقمار الصناعية أن حوالي نصف المباني التي كانت موجودة في القابون قبل الحرب دُمّرت بالكامل، وأنّ العديد من المباني الأخرى تضررت بشدة، فضلاً عن ذلك، ظلّت المباني الباقية خالية من السكان نظراً لأن المنطقة مغلقة لأسباب أمنية.

أشارت مسودات الخطط إلى أن حكومة النظام السوري تريد إعادة الإعمار في المنطقة لتحويل "الحي المخالف" الذي ينتشر فيه الفقر، إلى مساحة يعيش فيها الأثرياء، حيث تنتشر أبراج سكنية شاهقة وعقارات استثمارية ومركز تسوق. وعلى غرار أم علاء، وجد العديد من سكان القابون منازلهم مهدمة دون سابق إنذار أو عرض لتعويض الأضرار التي لحقت بهم. 

وقال المدير التنفيذي للمركز السوري للعدالة والمساءلة، محمد العبد الله في حديثه معنا: "لا يتمتع اللاجئون بحق مضمون في العودة إلى منازلهم، يجب احترام حقوق الملكية الخاصة بهم بموجب القانون الدولي".

وأضاف العبد الله أنه: "عند تدمير منزل أو حي للاجئين، ينبغي علينا اعتبار أن دولهم غير مناسبة للعائدين، كما هو الحال بالنسبة للعديد من السوريين من دمشق الكبرى، ما لم يقع وضع إطار لاستعادة الممتلكات من شأنه أن يعوّض بشكل مناسب عن التدمير الذي تعرضت له. هذا الأمر غير موجود في سوريا، وهو سبب آخر لعدم إعادة اللاجئين قسراً".

وتقول سارة من هيومان رايتس ووتش إن "الحصول على منزل في دمشق، يُعدّ أمراً صعباً للغاية، لقد جعلت الأزمة الاقتصادية من الصعب كسب المال لاستئجار المنازل. بالإضافة إلى ذلك، تحتاج جميع العقود إلى موافقة من الأجهزة الأمنية".

وأضافت سارة أنه: "لاستئجار أو شراء منزل في سوريا، أنت بحاجة إلى تدخل الأجهزة الأمنية".

(منطقة القابون المعارضة بدمشق بعد غارة جوية عام 2017. تصوير: مسلم عبد الباسط)


نظرا لأن كوبنهاغن لا تقيم علاقات دبلوماسية مع دمشق، فلا يمكنها فعلياً ترحيل الأشخاص مباشرة إلى سوريا. تم وضع بعض الذين حصلوا على رفض لتجديد الإقامة في مركز المغادرة والذي وصفه ناشطون بأنه يرقى إلى مستوى السجن حيث لا يستطيع الأشخاص المقيمون فيه العمل أو الدراسة أو الحصول على رعاية صحية مناسبة.

من جهته، يحاول مصباح قدر المستطاع البقاء مع أولاده خارج مركز المغادرة فيما يقدم استئنافاً للمحكمة على القرار.

يعاني أطفاله من الحزن الشديد على والدتهم التي توفيت بالسرطان العام الفائت، يقول مصباح:"كان فقدانها أمراً صعباً على عائلتنا... يطلب الأطفال زيارة قبر والدتهم الموجود هنا في الدانمارك، وحينما يذهبون إلى هناك، يتحدثون معها لوقت طويل".


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق