معلمون سوريون مصيرهم التشرد: هل عجزت اليونيسيف عن دعمنا؟ 

المعلمين السوريين في تركيا - rozana
المعلمين السوريين في تركيا - rozana

اجتماعي | 12 فبراير 2021 | إيمان حمراوي

"منذ عشرة أيام وأنا أعيش على أعصابي، الرزق على الله بس والله عندي أطفال وأنا المعيل الوحيد لهم"، هذا ماقالته المعلمة سلوى بعد تبليغها بقرار فصلها من عملها.


بوتيرة سريعة، تتغيّر ظروف السوريين في تركيا منذ بداية جائحة كورونا، سلوى، واحدة ممن تغيّرت ظروفهم بعد أن تلقت خبراً صادماً حوّلها إلى معلمة مع وقف التنفيذ بعد أن تلقت قرار فصلها من التربية التركية.

تبلّغت تفاصيل القرار

تعيل سلوى البالغة من العمر 33 عاماً، ثلاثة أطفال بعد طلاقها من زوجها، أصغرهم بعمر الـ9 أشهر، واثنان بعمر الـ(6 - 9) سنوات معاقان منذ الولادة.

هي مسؤولية كبيرة تُضاف إلى حمل ثقيل بدأ منذ إخبارها بقرار فصلها :"صدمني القرار حين اتصل بي المدير وأعلمني بفصلي وتوقف راتبي، لم أصدّق و ذهبت إلى التربية التركية للاستفسار عن الموضوع لكنهم أكّدوا لي صحة قرار فصل المعلمين وأنه ليس خطأ".

أخبرت التربية التركية سلوى وزملائها - على حد قولها - بتفاصيل القرار، كل معلم لا تتوافر فيه شروط (أن يكون جامعياً، وأن يحمل المستوى الثاني من اللغة التركية "A2"، وأن يكون تحت 65 عاماً)، سيفصل، وحينما قدّمت اعتراضاً مع زملائها المهدّدين بالفصل أيضاً كان جواب التربية التركية أنه يمكنهم الاحتفاظ بوظائفهم لحين كتابة العقد الجديد مع المعلمين من حملة الشهادة الجامعية، دون تحديد المدة.
 

السيدة سلوى

التربية التركية أبلغت عبر مدارسها عشرات المعلمين السوريين من حملة الشهادات غير الجامعية بالفصل أواخر الشهر الفائت، وذلك من خلال إرسال قوائم ذكرت فيها أسماء المعلمين الذين سيتم تجديد عقودهم مع منظمة "يونيسيف" في شهر حزيران المقبل، وحينها لم تذكر أسماء الكثير من الأساتذة ليكون تأكيداً نهائياً بأنهم مفصولون.

هناء محمد، 38 عاماً، معلمة مقيمة في مدينة غازي عنتاب التركية، تقول لـ"روزنة": "بدأ تنفيذ القرار في عدد من الولايات التركية وحينما يصل إلى مدارسنا سيتأثر أطفالنا بالقرار، لي 3 أطفال في المدارس التركية (12 ، 13 ، 16 عاماً)، حينها سأضطر أنا وزوجي لإخراجهم من المدرسة من أجل إعالة الأسرة".

وتضيف: "زوجي يعمل في النجارة ولا يكفي راتبه الشهري الذي يبلغ حالياً ألفي ليرة تركية لشيء، حالياً راتبي يذهب للإيجار والفواتير وراتب زوجي للمعيشة، ماذا نفعل حينما يُقتطع راتبي؟".
 

السيدة هناء

أبو محمد، 57 عاماً، معلم في مدينة أنقرة، يقول لـ"روزنة": "في أنقرة جاءت الموافقة على تجديد عقود 52 معلماً سورياً، بينما اسمي واسم 40 معلماً آخرين لن يتم تجديد عقودهم بسبب عدم استيفاء الشروط المذكورة".

ويعلّق على القرار: "أنا وزوجتي نعيش لوحدنا ولا معيل لنا… عمري الآن 57 عاماً من سيقبل بتوظيفي وماذا سأعمل؟ وهناك الكثير مثلي فوق الخمسين عاماً"، ويختم متسائلأً: "هل منظمة اليونيسيف عاجزة عن تأمين هذه المبالغ؟!".

أما أبو سامي،  52 عاماً، معلم في أنقرة يقول لـ"روزنة": "أنا وزوجتي نعمل في المدارس التركية، ووفق القرار سيتم فصلنا نحن الاثنين، ولنا من الأولاد 4 أكبرهم 18 سنة وأصغرهم 4 سنوات، فهل هذه إنسانية؟!".

القرار من اليونيسف

في عام 2016، وعقب نقل المعلمين السوريين من مراكز التعليم المؤقتة إلى مدارس تركية رسمية تحت إدارة "التعلم مدى الحياة"، آنذاك لم تكن تشترط الحكومة التركية وجود شهادة جامعية، لكنها مؤخراً اشترطت ذلك، وهو ما جعل سلوى التي لا تملك شهادة جامعية وغيرها كثر يصبحون خارج مدارس التربية التركية.

وفق الموقع الإلكتروني لمديرية "التعلم مدى الحياة" التابعة لوزارة التربية التركية، فإنه تمت إزالة اسم "المديرية العامة للتلمذة الصناعية والتعليم غير النظامي" في آب عام 2011، وتحويلها إلى اسم  المديرية العامة للتعليم الوطني "التعليم مدى الحياة".

وتقول سلوى "ما بقدر أشتغل بالعتالة، ولا فيني أشتغل من الصبح للمسا بسبب أولادي، وماعندي مساعدات من الهلال لأن مجنّسة…  بعد هالفترة شو فيني أشتغل؟" تتساءل متنهدة، وتضيف، أن التربية التركية برّرت لها القرار بأن منظمة الـ "يونيسيف" هي المسؤولة عنه لعجزها عن تمويل رواتب المعلمين، ما اضطرهم إلى تخفيف الأعداد عبر هذا القرار.

فصل من دون أسباب واضحة

القرار الصادر بفصل المعلمين ليس الأول من نوعه، فقد تسرّب قرار آخر صدر بعد اجتماع بين منظمة اليونيسيف والتربية التركية، بين المعلمين السوريين مؤخراً، بتاريخ الـ 25 من  شهر آب عام 2020، نص على "إنهاء التعاقد مع كل مدرّس متطوّع عمره فوق الـ65 عاماً، ومع كل من لا يحمل الشهادة الجامعية".
 

الفصل يتسبب بمشاكل عائلية

لكن بدا أن الفصل لا يستهدف فقط الفئتين السابقتين، ففي تشرين الأول 2020، فصلت التربية التركية عشرات المعلمين السوريين بشكل مفاجئ أيضاً، وفق ما قال لـ"روزنة" أبو أيوب، 50 عاماً، وهو من أحد المعلمين الجامعيين المفصولين في تلك الفترة، دون وجود أسباب موجبة، على حد قوله، إذ يمتلك أيضاً شهادة بمستوى "A2" في اللغة التركية.

 يقول لـ"روزنة": "منذ ذلك الحين إلى الآن لم أجد فرصة عمل، لا أحد يرغب برجل خمسيني للعمل، لا أعرف ماذا أفعل، الموضوع أثر على حياتي العائلية، ووصل بي الحال وبزوجتي لخلافات كبيرة بسبب عدم قدرتي على إيجاد وظيفة جديدة لإعالة أسرتي، من جديد سافرت إلى مدينة إسطنبول للبحث عن شيء عسى أجد ضالتي".

ولكن المعلمين المعنيين بالقرار في ولاية أضنة عقدو اجتماعاً في مدينة كوجالي مع مسؤولين في وزارة التربية التركية،الثلاثاء، بحسب ما قال المعلم أحمد جميل نبهان، لـ"روزنة".

وقال أحد المسؤولين الأتراك، وفق نبهان، إنّه تم اتخاذ قرار فصل المعلمين من طرف "يونيسيف" لأن المبلغ المخصّص لرواتب المعلمين السوريين لا يكفي سوى نحو 4 آلاف معلم، ووزارة العمل التركية تمنع أي معلم من ممارسة العمل دون تأمين، لذلك سيتم إنهاء عمل المعلمين المتطوعين نهاية تموز القادم.

ويتابع نبهان "في الـ 25 من الشهر الأول جاءنا أمر من التربية التركية أنّ كل معلم سوري يجب أن يرفع شهاداته الدراسية والتركية إلى التربية، بعد فترة قصيرة تفاجأنا بقرار ينص على أن المعلمين الذين يحملون شهادات جامعية، سيتم تجديد عقودهم"، ويوضح "على سبيل المثال في أضنة يوجد 900 معلم، تمت الموافقة على تجديد عقود 393 اسماً منهم حتى نهاية العام الدراسي الحالي". 

اقرأ أيضاً: تركيا: ما هو مصير المعلمين السوريين بعد تقليص المراكز المؤقتة!

كيف ردّت "يونيسيف"؟

علّقت منظمة الأمم المتحدة للأطفال "يونيسيف" على موضوع فصل آلاف المعلمين السوريين في تركيا، وقالت مسؤولة قسم التواصل في المنظمة، سيما هوستا، في مراسلة بالبريد الإلكتروني، لموقع "الحرة"، أمس الأربعاء، إنّ قرار الفصل جاء بسبب تغييرات طرأت على برنامج دعم التعليم التطوعي للمدرسين السوريين.

وأوضحت هوستا أنه "مع اكتمال إغلاق مراكز التعليم المؤقتة بحلول بداية العام الدراسي 2020 - 2021 دخل برنامج دعم التعليم التطوعي في مرحلة انتقالية، من أجل التأقلم مع المتطلبات الجديدة".

وأضافت أنه منذ بداية شباط الحالي بدأ تخفيض عدد المعلمين المتطوعين في البرنامج بناء على معيارين تحدّدهما وزارة التعليم التركية"،المعيار الأول أن يكون المعلم السوري حاصلاً على شهادة جامعية، والمعيار الثاني يرتبط بحصول المعلم على مستوى (A2) في اللغة التركية.

وأشارت إلى أنّ المعلمين الذين سيتم إخراجهم من برنامج "التعليم التطوعي" في شباط الحالي وما بعده سيتم تزويدهم بحزمة "دعم انتقالي"، بما فيها الاستشارات المهنية والتدريب.

ولم يصدر أي تعليق من الجانب التركي حتى الآن على قرار فصل المعلمين السوريين.

وتوضح هوستا، أنه ابتداء من منتصف عام 2016 بدأت وزارة التربية التركية بعملية إغلاق مراكز التعليم المؤقتة تدريجياً واتجهت لدمج الأطفال السوريين في المدارس الحكومية، وبعد ذلك أُتبع برنامج "التعليم التطوعي" إلى المدارس الحكومية التركية والمؤسسات التعليمية الأخرى في البلاد.

ويبلغ عدد المعلمين السوريين في المدارس التركية بعد إغلاق المراكز المؤقتة، 12 ألفاً و352 معلماً، وفق قائمة يتم تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي، وأكّدها لـ"روزنة" عدد من المعلمين السوريين.

ويحمل المعلمون السوريون الذين كانوا  يعملون في مراكز التعليم السورية المؤقتة ومن ثم انتقلوا للمدارس التركية صفة "المتطوع"، ما يعني أنهم غير موظفين رسمياً ولا يخضعون للنظام الوظيفي الذي يخضع له المعلمون الأتراك.

وبلغ الراتب التطوعي في العام الأول للمعلمين السوريين المتطوعين 900 ليرة تركية، وارتفع بصورة تدريجية سنوياً حتى وصل اليوم إلى 2020 ليرة تركية، يتم تحويلها عبر مؤسسة  البريد التركي "ptt" إلى حسابات المعلمين.

ويعاني السوريون في تركيا من ضيق الوضع المعيشي في ظل الغلاء الكبير بسبب ارتفاع الدولار، في ظل انخفاض الأجور، ومعاناة الكثيرين من البطالة في ظل جائحة كورونا، التي أدت إلى خسارة المئات لأعمالهم، وتسببت بارتفاع الأسعار في الأسواق نتيجة الإغلاق الذي فرضته الحكومة التركية.

وأعلنت "هيئة الإحصاء التركية" في الرابع من شهر كانون الثاني الفائت، ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين في تركيا خلال كانون الأول الماضي 1.25 في المئة ليصبح التضخم 14.60 في المئة على أساس سنوي، موضحة أنّه بالنظر إلى متوسط الأشهر الـ 12 العام الفائت فقد ارتفعت أسعار المستهلك بنسبة 12.28 في المئة، وكذلك ارتفعت أسعار المنتجين المحليين بنسبة 12.18 في المئة.

وشهد مؤشر أسعار المستهلكين في مجموعة السلع والخدمات أكبر زيادة بنسبة سنوية بلغت 28.12 في المئة، ثم قطاع النقل بـ21.12 في المئة، ثم المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية بـ20.61 في المئة.

وأكثر ما يرهق السوريين في تركيا ارتفاع أسعار الإيجارات ومن بعدها الفواتير ولا سيما في فصل الشتاء، حيث حددت هيئة الإحصاء التركية معدل زيادة الإيجار، الشهر الأول الفائت، بنسبة أقصاها 12.28 ، موضحة أنّ مالك العقار الذي يبلغ إيجاره ألف ليرة تركية بات قادراً على رفع الإيجار إلى حد أقصاه 1122 ليرة، ويأتي ذلك الارتفاع في الأسعار عموماً مع ضعف الرواتب التي لا تتجاوز أحياناً 1500 ليرة تركية لمن يعمل بشكل غير قانوني، في الوقت الذي يعمل فيه الموظفون بشكل قانوني براتب لا يجاوز 2020 ليرة تركية.

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق