من دمشق إلى اللاذقية.. عيد حزين بلا أضواء ولا زينة

زينة الميلاد  في سوريا - rozana
زينة الميلاد في سوريا - rozana

التقارير | 24 ديسمبر 2020 | عليا قصاب - ياسمين احمد 

منذ عشرة أعوام يزور عيد الميلاد البلاد والحرب لم تنته، ويستقبل السوريون عاماً جديداً بمزيد من الألم والغربة، تلك الغربة التي يحسّها المرء داخل بلاده. أما هذا العام فقد أضيف إلى معاناة السوريين، المخاوف التي يبثها انتشار وباء "كورونا"، في ظل إجراءات الوقاية والقيود الاجتماعية وغيرها.


يعرض هذا التحقيق، مشاهدات "روزنة" خلال جولة في شوارع دمشق واللاذقية في فترة عيدي الميلاد ورأس السنة.

زحمة برغم "كورونا"

في دمشق، تزدحم الشوارع في فترة الأعياد الحالية، ويقصد الآلاف منطقة باب توما، والقصاع التي يغلب عليها الطابع المسيحي، وتغيب إجراءات التباعد الاجتماعي تماماً، وتبدو الأسواق والطرق مكتظة بالمارة، فيما تعج المقاهي بالزبائن. 

يقول وليد وهو صاحب مقهى في باب توما لـ"روزنة": "لقد ابتلع انتشار الوباء والإغلاق الذي فرض مطلع العام كل أرباح هذه السنة ناهيك بقلة الحركة في والبيع والشراء والغلاء غير المنطقي"، ويضيف، "لا يستطيع أي من أصحاب المقاهي أو المحلات أن يفرض إجراءات تباعد اجتماعي بسبب ارتفاع تكلفتها وحاجتها إلى منظومة جماعية للتطبيق".

وليس "كورونا" وحده ما ينغص فترة أعياد السوريين، فهنالك مشكلة أكثر ثقلاً وهي تقنين التيار الكهربائي بشكل كبير هذا العام، حيث يرتبط عيد الميلاد في ذاكرتنا بالشجرة المضاءة وأغراض الزينة المعلقة بألوانها الزاهية، وحبال الضوء تعانق الأبنية والشبابيك.

اقرأ أيضاً: ما هو أصل شجرة عيد الميلاد؟



وتعاني معظم المناطق السورية من التقنين في التيار الكهربائي، وتصل ساعات القطع في بعض المدن والمحافظات إلى 6 ساعات متواصلة أو حتى 8. وهذا العام ينسحب التقنين على فترة الأعياد أيضاً، إذ تنطفئ الكهرباء في الأحياء التي يقصدها الزوار لرؤية الزينة ومظاهر العيد الأخرى.
 
 

مباشر الان من اجواء ساحة باب توما واضاءة شجرة عيد الميلاد 🎄

Posted by ‎مطاعم و اسواق دمشق‎ on Wednesday, December 23, 2020


تقول لينا وهي شابة عشرينية لـ"روزنة"، "محاولات التزيين أو وضع أشجار العيد وربط حبال الضوء الملونة، تشبه وضع مساحيق تجميل لجثة هامدة"، سائلةً: "أي عيد نمضيه بلا كهرباء ولا فرح؟".

تتسابق الكنائس في فترة عيدي الميلاد ورأس السنة في أشكال الزينة ومغارة العذراء والشجرة الكبيرة، ولكن هذا الجهد كله يذهب بمجرد انقطاع التيار الكهربائي، فيما يمكن أن تستعيض الكنائس بمولدات خاصة لإبقاء المصابيح ساهرةً والأشجار مضاءة.

"بمجرد انقطاع التيار يصدح مولد الكنيسة بصوته الجهوري ليغطي على صوت العيد"، هكذا يقول فادي وهو صاحب عربة لبيع الذرة متذمراً من مولد الكنيسة المجاورة لمكان عمله، "ليت له كاتم صوت".

يوسف أحد سكان حي القصاع قرر شراء بطارية خاصة لإضاءة بيته وشجرته، يقول إن العيد هو الضوء والألوان، مؤكداً أنه لن يقبل بالحلول البديلة وأن شوارع المدن في العيد تزيّنها الكهرباء ولا مبرر لأن نرى دمشق غارقة في العتمة في فترة الأعياد.

زينة غير مخصصة للفقراء

أشجار الميلاد والزينة كمختلف السلع، ارتفعت أسعارها هذا العام، فبات الشعور بالعيد ترفاً لا يملك الفقراء وأولادهم إليه سبيلاً، فسعر طابة الزينة الواحدة، وفق سلوى التي تعمل بالأشغال اليدوية، يصل في بعض الأحيان إلى أكثر من ألف ليرة، ما يعني أن سعرها تضاعف مرتين أو أكثر عن العام الماضي. 

وتوضح سلوى أن الشجرة الواحدة تحتاج أقله إلى 20 طابة من هذا النوع، فيما يصل سعر النجمة التي تزين رأس شجرة العيد إلى 5 آلاف، في حين يمكن أن يصل سعر شجرة الميلاد متوسطة الحجم إلى 200 ألف ليرة. 



زينة تقاوم انقطاع الكهرباء

من باب التحايل على الصعوبات المعيشية، قررت مجموعة نساء في منطقة الدويلعة المجاورة لحي بابا شرقي الشهير صناعة مواد لزينة الشجرة، لا يحتاج إلى إضاءة، مصنوعة من مواد شديدة اللمعان أو حاملات شمع آمنة، كي لا تتسبب في حريق.

"نحاول أن نوفر مواد الزينة بأسعار مقبولة، وبأساليب جديدة"، تقول زينة التي تعمل في المشغل، وتضيف أن هناك إقبالاً كبيراً على منتجات المشغل لأسعارها المقبولة، ومظهرها الجميل من دون الحاجة إلى كهرباء".

من دمشق إلى اللاذقية

من دمشق إلى اللاذقية ينتقل مشهد العيد الحزين، حيث يمكن التقاط صور واضحة عن المأساة التي يحاول السوريون تحويلها إلى أفراح صغيرة يتقاسمونها في أيام العيد، وأحياناً لا يستطيعون.

يسير هادي في شارع بغداد وسط مدينة اللاذقية متجهاً إلى شارع الأميركان، يبحث عن أضواء الميلاد على الشرفات، لكنه لا يرى شيئاً. 
يقول لـ"روزنة": "عندما وصلت إلى شارع الأميركان رأيت من بعيد تجمعاً لشبان وشابات يلتقطون صوراً بالقرب من بناء ضخم مضاء بطريقة لافتة، يضحك ويضيف: "إنه بناء رجل الأعمال أيمن جابر، الوحيد المضاء هذا العام".

قد يهمك: ما الفرق بين بابا نويل وسانتا كلوز؟



راتب شهر كامل ثمن شجرة

يبدو عيد الميلاد هذا العام مختلفاً في المدينة التي يُخيم عليها الظلام، ويثقل كاهل أهلها ضيق الحال، وصعوبة تأمين لقمة العيش اليومية، يقول فادي (42 سنة): "لم أستطع شراء شجرة عيد الميلاد، لأن ثمن أرخص واحدة 70 ألف ليرة".

تزوج هادي العام الماضي من جورجيت (35 سنة)، التي تمنّت وضع شجرة الميلاد في بيتها الجديد، تقول لـ"روزنة": "أعمل في محل لبيع الألبسة، بينما يعمل هادي ممرضاً في مستشفى عام، مجموع راتبينا لا يزيد على 100 ألف ليرة، نحتاج مدخولنا كله لنضيء شجرة".

ابتكر هادي وجورجيت طريقة جديدة للاحتفال بالميلاد، شريط على شكل شجرة مضاءة معلّقة على الحائط، تقول جورجت: "دفعنا 4 آلاف ثمن الشريط الأخضر و4 آلاف ثمن الشريط الكهربائي، و3 آلاف ثمن النجمة، و8 آلاف ثمن 4 طابات حمر، أي تكلفة شجرتنا المتواضعة نحو 20 ألف ليرة".

العيد لناس وناس!

في مدينة اللاذقية تدور أحاديث عن غياب بهجة الميلاد هذا العام، يقول أبو محمود، صاحب محل تجاري لـ"روزنة": "سمعت أن أيمن جابر أحضر مهندساً من بيروت، ودفع 3500 دولار ثمناً لتزيين مكتبه في شارع الأميركان، أما نحن الدراويش فلا يحق لنا أن نزيّن منازلنا أو مكاتبنا، كل ما نستطيعه أن نلتقط صورة أمام بناء أيمن جابر الزاهي المضاء".



وأيمن جابر هو رجل أعمال سوري، برز اسمه خلال الحرب في سوريا، كمؤسس لما يسمى مجموعة "صقور الصحراء" التي حاربت إلى جانب قوات النظام السوري، ويتحدث الناس في اللاذقية عن شبهات بقضايا فساد ارتكبها جابر، منها حرمان المتطوعين في صقور الصحراء من مستحقاتهم المالية.

وكانت إدارة الجمارك لدى النظام السوري أصدرت نهاية العام الماضي قراراً بالحجز الاحتياطي على أمواله المنقولة وغير المنقولة.
 

يبلغ سعر شجرة الميلاد بطول متر ونصف المتر، نحو 50 ألف ليرة سورية، أما زينتها فتختلف بحسب الأحجام، يقول رامي صاحب محل هدايا في اللاذقية لـ"روزنة"، "سعر طابة الزينة الواحدة حجم وسط 2000 ليرة، وسعر نجمة الشجرة 3000 ليرة، أما الأجراس والشرائط الملونة فسعرها بحسب الحجم، وأصغر جرس بـ2000 ليرة".

ويقول رامي: "العام الماضي كانت أي عائلة تستطيع شراء شجرة مع زينة جاهزة بـ20 إلى 25 ألف ليرة، أما هذا العام فازدادت الأسعار أكثر من الضعف، وكلما كانت نوعيتها أفضل زاد سعرها، لدي شجرة بـ150 ألف وأخرى بـ300 ألف، لكن لم يشترهما أحد".
شجرة الكنيسة بلا كهرباء!

تقف لمى وعلا وديما أمام بناء أيمن جابر وسط مدينة اللاذقية، يلتقطن الصور أمام المغارة المضاءة، يضحكن بسعادة، تقول لمى لراديو "روزنة": "بحثنا في المدينة عن زينة الميلاد لم نجد سوى هذا البناء، إنه رائع حقاً، حتى شجرة كنيسة رئيسي الملائكة ميخائيل وجبرائيل للروم الأرثوذكس ليست مضاءة لأن الكهرباء مقطوعة".

وناسة على شكل شجرة

نادين (34 سنة)، ونتيجة ارتفاع الأسعار التي حرمتها الاحتفال، قررت شراء وناسة على شكل شجرة ميلاد صغيرة تعمل على البطارية، تقول لـ"روزنة": "رأيت صورتها على فيسبوك، تواصلت مع الصفحة، أرسلوها من دمشق، اخترت اللون الأحمر، أعجبت الأولاد على رغم صغر حجمها، إذ لا يزيد ارتفاعها عن 15 سنتمتر، لكن أيضاً سعرها مقبول 3000 ليرة".

تأثر بابانويل أيضاً بارتفاع الأسعار، تقول نادين: "أسعار الألعاب مرتفعة، وترتيب الحفلة مع بابانويل يحتاج تكاليف إضافية، لذلك لا أعتقد أننا سنشتري ألعاباً هذا العام، يمكن أن نخرج ليلة الميلاد لعلّنا نشاهد بابانويل في الشارع ونسمع صوت أجراسه".
 

تعيش جمانة (45 سنة)، مع ابنها وأمها وأبيها في مدينة اللاذقية، يحتفظون بشجرة ميلاد منذ عام 2010، يتشاركون في تركيبها كل عام، تقول جمانة لـ"روزنة": "شجرتنا كبيرة جداً، ولدينا الكثير من الزينة. الحمد لله احتفظنا بها منذ سنوات، سعرها مع المغارة اليوم يتجاوز الـ500 ألف ليرة سورية". وتضيف: "معظم أصدقائي لم يشتروا شجرة هذا العام، اعتمدوا على شجرتهم القديمة، لكن الشجرة تتفتت نتيجة الرطوبة في اللاذقية، نحتاج سنوياً لتبديل الزينة أو زيادتها، أما عائلة أختي فلديهم شجرة قاعدتها مكسورة، قاموا بتصليحها"، تضحك: "مشينا الحال".

عيد بلا حلويات

صاحب محل حلويات في مدينة اللاذقية يقول لـ "روزنة": "يبلغ سعر قالب حلوى العيد (بوش دو نويل) نحو 30 ألف ليرة بحسب الحجم، وكيلو المعمول بالتمر 13 ألف ليرة، والمعمول بالجوز 15 ألف ليرة، أما الشوكولا فيبدأ سعر الكيلو منه من 25 ألفاً ويرتفع بحسب النوعية". 
 

تقاليد عيد الميلاد كأطباق بابانويل التي تُستخدم لتقديم الحلويات، والـ"بوش دو نويل" ودجاج العيد وغيرها، اختصرتها عائلة جمانة كلها تقول لـ"روزنة": "اشترينا العام الماضي طبقاً مرسوم عليه بابانويل بـ2500 ليرة، اليوم أصبح سعره 8500 ليرة، أيضاً حلويات العيد زادت أسعارها الضعف، لذلك قررنا شراء بعض الحلويات السادة من الفرن القريب لأجل الأطفال".


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق