حظر كامل في أربع مدن شرقي سوريا لمواجهة تفشي كورونا

الرقة - روزنة
الرقة - روزنة

التقارير | 30 نوفمبر 2020 | عبد الله الخلف - حسن حسين

بعد ارتفاع معدل الإصابات بفيروس كورونا المستجد في مناطق نفوذ "الإدارة الذاتية" في الفترة الماضية، فرضت الأخيرة حظراً كاملاً للتجوال في أربع مدن رئيسية هي "الرقة، الطبقة، الحسكة والقامشلي".


وينص القرار الذي صدر في الـ 21 من شهر تشرين الثاني الحالي على أن تكون مدة الحظر 10 أيام، حيث سينتهي في الـ 5 من كانون الأول المقبل.

 وتم إغلاق المدارس وجميع المؤسسات التعليمية العامة والخاصة خلال فترة الحظر، وأوقفت حركة السفر للمدنيين مع استمرار حركة التبادل التجاري، كما أغلقت المؤسسات التابعة للإدارة باستثناء الدوائر الخدمية التي ستواصل عملها، كما استثنت الإدارة أفران الخبز والمستشفيات والمراكز الصحية والصيدليات من الحظر، وقالت إنها ستسهل حركة المزارعين وتوزيع المحروقات.

وقبل تطبيق قرار الحظر بيوم شهدت مدن القامشلي والرقة والحسكة والطبقة ازدحاماً كبيراً في أسواقها، شبهه نشطاء على وسائل التواصل الاجتماعي بازدحام "وقفة العيد"، حيث خرج معظم الأهالي لشراء المؤن الغذائية وباقي مستلزماتهم اليومية.

وخلال أيام الحظر تتولى قوى الأمن الداخلي مسؤولية تطبيق القرار، عبر نشر الحواجز لمنع تجول الأهالي، باستثناء من يخرج للضرورات مثل شراء الخبز والدواء وحالات الإسعاف، وفي بعض الأوقات تقوم قوى الأمن بحملات لاعتقال من يخالفون القرار لعدة ساعات ثم تطلق سراحهم.

اقرأ أيضاً: الأزمات الاقتصادية في سوريا.. ما مسؤولية الحكومة



الحظر يثقل كاهل محدودي الدخل والفقراء

أم بيان، 28 سنة من الرقة، تقول لـ روزنة إنها شعرت بالحزن عندما سمعت بخبر حظر التجوال، لأنها خلال هذه المدة لن تتقاضى أي أجر من صاحب المحل الذي تعمل فيه، وتضيف "أنا أعمل في محل ألبسة نسائية، أتقاضى أجراً أسبوعياً يبلغ 25 ألف ليرة سورية، أصرف بها على معيشتنا أنا وأطفالي الثلاثة الذين مات أبوهم منذ ثلاث سنوات في قصف للطيران وتركنا وحدنا بلا معيل، لا أعرف ماذا سأفعل هذا الأسبوع بعد أن فُرض حظر التجوال وأُغلق المحل، ربما أستدين بعض المال، ولكن تراكمت علي الديون وأتمنى ألا يطول الحظر لأننا سنكون في وضع صعب للغاية إذا استمر".

حال أم بيان لا يختلف كثيراً عن حال عزيز، 23 سنة، والذي يعمل في ورشة ميكانيك سيارات بالمنطقة الصناعية بالرقة، يقول لـ"روزنة": "هذه المرة الحظر أصعب بكثير، لأن مصروف الشتاء أكبر، هناك مصاريف ألبسة للأطفال ومازوت للتدفئة، ودخلنا في فصل الشتاء منذ شهر وإلى الآن لم يوزعوا علينا المازوت المدعوم، يجب على السلطة تأمين الدعم للناس من مازوت وسلال غذائية قبل أن يفكروا بالحظر، لأن الشعب وضعه المعيشي صعب للغاية ولا يتحمل المزيد من المصاعب".

أما أبو فهد وهو سائق "تكسي" أجرة بمدينة الرقة فيقول لـ"روزنة": "السيارة ليست لي أنا أعمل عليها، وبطبيعة الحال اليوم الذي لا أعمل فيه لا أستطيع شراء الخبز لأولادي، إجراءات حظر التجوال لا تنفع في منطقتنا، لأن همومنا أكبر من أي فيروس، ربما لو ألزموا الناس بارتداء الكمامة واتباع قواعد التباعد الاجتماعي لكان أفضل، ولكن الحظر الكامل سيزيد مشقات الحياة علينا".

وفي القامشلي تتشابه هموم ومشاكل سكانها مع نظيرتها في الرقة، حيث تقول جيهان علي (41 سنة – ربة منزل) إن الحظر الكامل قرار فاشل في الدول النامية مثل سوريا، لأن أغلب السكان يعتمدون على الرزق اليومي حسب تعبيرها.

وتشيف جيهان خلال حديثها مع "روزنة": "على الإدارة الذاتية أن تؤمن رزق المواطنين أو الحاجات الضرورية، أو ربما تطبق قرار حظر جزئي، مثل منع التجمعات والحفلات وتطبيق الإجراءات الاحترازية والتباعد الاجتماعي وارتداء الكمامات، الحظر الكامل ستكون عواقبه صعبة على الناس، ولا بد من بذل المزيد من الجهد من المؤسسات الإعلامية لنشر الوعي لأن هناك شريحة لا بأس بها ما زالت تؤمن بأنه لا وجود لفيروس كورونا!".

قد يهمك: فشل التعليم عن بعد في سوريا يعيد الطلاب إلى فخ كورونا



بينما ترى سلمى سليمان وهي معلمة في إحدى مدارس القامشلي بأن أي قرار للحد من تفشي الفيروس هو قرار إيجابي، ولكن في المقابل على السلطات زيادة المعونات للسكان خلال فترة الحظر، وتتابع "في مناطقنا بدون حظر كلي أو جزئي نعاني من أزمة اقتصادية حادة أرهقت كاهل الناس، الأسعار خيالية، وأغلب السكان يعانون من البطالة، كيف لنا أن نطلب من شخص يعيش على عمله اليومي أو الموظف براتبه البسيط أن يؤمن احتياجاته لعشرة أيام خلال الحظر؟ لا أعتقد أن الأهالي سيلتزمون بهذا الحظر لمدى طويل، سيلتزمون فقط لأيام معدودة خوفاً من المخالفة القانونية".

أما علي مراد، 38 سنة من القامشلي، يبدي استعداده للالتزام بقرار الحظر، ولكنه يسأل هل ستلتزم السلطة بواجباتها تجاه السكان وتؤمن لهم المساعدة خلال هذه الفترة؟ على حد وصفه، مضيفاً "قرار الحظر له تأثيرات سلبية أكثر من الإيجابية، تأمين الاحتياجات مثل الخضروات والمواد التموينية صعب جداً في الحظر، وخاصةً مع استغلال بعض التجار للوضع بسبب زيادة الطلب، فأصبحت أغلب المواد تباع بأسعار غالية، ولا توجد رقابة حقيقية من السلطة للحد من جشع هؤلاء".

ويعمل عدد من الناشطين على مبادرات تطوعية لمساعدة المحتاجين، مثل مبادرة صنائع المعروف في الرقة، والتي تتلقى تبرعات من الميسورين والمغتربين، ويتم توزيعها على المحتاجين، بحسب عيسى السطم أحد المتطوعين في الحملة.

يقول عيسى في حديثه مع روزنة: "وضع الناس في الرقة سيء جداً، نسبة كبيرة تضررت من الحظر، مثل العمال الذين يتلقون أجراً يومياً وذوي الدخل المحدود الذين توقفت مصادر رزقهم، نحن بدأنا يوم الأحد الماضي بتوزيع خبز يكفي ليومين على 150 عائلة، وأيضاً خلال الأيام المقبلة سنوزع سلال غذائية تكفي لأسبوع، ونحن نعمل حسب استطاعتنا وحسب التبرعات التي نحصل عليها".

الكوادر الطبية ترفع جاهزيتها

تواصل لجان الصحة التابعة للإدارة الذاتية عملها في استقبال المصابين وتقديم الرعاية لهم في مراكز الحجر الصحي التابعة لها، كما يتم التجهيز لافتتاح مركز حجر صحي جديد للمصابين بفيروس كورونا، يستوعب 100 مريض بحسب روجين أحمد الناطقة باسم لجنة الصحة في القامشلي.

وتقول روجين أحمد إن "الحظر الكامل جاء بعد الحظر الجزئي بالفترة الماضية على بعض المناطق، وبعد الاستفادة من تجربة الحظر الكامل في مدينتي المالكية "ديريك" وعين العرب "كوباني"، حيث تناقصت أعداد الإصابات في هاتين المدينتين بعد الحظر الكامل، لذلك نتوقع أن تتراجع نسب الإصابة بالفترة المقبلة في المناطق التي يُطبق فيها الحظر الكامل حالياً".

وتضيف "لدينا مركزي عزل في القامشلي، الأول مركز "علايا"، والثاني يقع في مدينة المالكية، وفي المركزين أجهزة تنفس صناعي وقسم للحالات الحرجة، ونحن جاهزون للتعامل مع أي طارئ خلال هذه المدة، ونتمنى أن يكون هناك وعي من الأهالي، إذا لم يكن هناك تعاون بين جميع أفراد المجتمع ستزداد الإصابات، لذلك نعمل أيضاً على حملات توعية للأهالي عن طريق وسائل الإعلام التابعة للإدارة الذاتية، وتوزيع منشورات ورقية على الأهالي، ونأمل منهم الالتزام بالحظر من أجل سلامتهم".



ويقول سليمان الشناعة، طبيب أمراض صدرية ومدير مراكز الحجر الصحي في الرقة، إن 90% من الإصابات التي قاموا بتسجيلها ومعاينتها "خفيفة" على حد وصفه، ويتم إحالتها للحجر الصحي في المنازل مع المعالجة الداعمة للجهاز المناعي، فيما يتم تخصيص مراكز الحجر للحالات الحرجة.

ويضيف "في الرقة بدأت الحالات تظهر في شهر آب الماضي، خلال الصيف كانت أعداد الإصابات قليلة، وحالياً وصلنا لمرحلة الذروة، الإصابات كثيرة جداً، لدينا ثلاث مراكز حجر صحي، وسبعة مستشفيات وتسعة وثلاثون مستوصف في المدينة وريفها، أعتقد أننا نستطيع احتواء الجائحة في هذه المراكز، لم تمتلئ هذه المراكز بالمصابين بالكامل ولله الحمد، قليل من المرضى يحتاجون للدعم بالأوكسجين، وهناك قسم منهم يرفض الدخول لمراكز الحجر، خوفاً من بعض الشائعات المغرضة التي تدعي أن هناك حُقن تعطى للمرضى في المراكز ليتم قتلهم والتخلص منهم، وهذا الكلام غير دقيق ولا يستند لأي أساس من الصحة".

ويتابع "بالنسبة للحظر فهو مطلوب في ظل ازدياد الإصابات والازدحام الكبير في الأسواق، نحن طالبنا بأن يكون لفترة أطول من هذه، لا شك هو مفيد لتقليل انتشار العدوى بين الناس، وبالنسبة لتعاون الأهالي أنا أعتبره جيد بالفترة الحالية، هناك مصاعب اقتصادية تضطر الناس للخروج للعمل ولكن لا بد من التحمل لتمر هذه الفترة العصيبة، الأعراس وخيم العزاء وباقي التجمعات لا بد من الابتعاد عنها، إذا لم يكن هناك التزام من قبل الأهالي بإجراءات الوقاية والتباعد الاجتماعي نخشى من إصابات هائلة في الموجة الثانية الأقوى خلال فصل الشتاء، والذي تنتشر فيه عدة فيروسات في الأجواء، لذلك الحذر يجب أن يكون أكثر بالفترة القادمة".

اقرأ أيضاً:جحيم الغلاء يدفع السوريين بالعودة إلى الحفاضات القماشية 



حملات تعقيم خلال الحظر

وأثناء الحظر تقوم بلديات المدن الأربعة بحملات تعقيم تشمل الشوارع الرئيسية والمدارس والدوائر الرسمية، كما تواصل أعمالها الخدمية بالتعاون مع باقي المؤسسات التابعة للإدارة.

وعن أعمال التعقيم يقول عناد علي الإداري في بلدية القامشلي: "التعقيم شمل بالبداية المؤسسات التابعة للبلديات كدائرة المياه والأكاديمية والمرائب بالإضافة للمدارس والجامعات وباقي الدوائر الرسمية، ويتم التعقيم عن طريق أجهزة رش يدوية، والتعقيم مستمر حتى نهاية الحظر".

وبالإضافة لحملات التعقيم تقوم بلدية الرقة بحملة إعلامية للتوعية بخطورة الفيروس وأهمية اتخاذ الإجراءات الاحترازية كما يقول باسل العلي عضو دائرة الإعلام بالبلدية: "التعقيم استهدف الأحياء السكنية والشوارع الرئيسية والأماكن العامة والمدارس والمباني الحكومية، والتعقيم يتم يومياً حتى نهاية حظر التجوال عن طريق أجهزة رش رذاذي وصهاريج مياه، وبالنسبة لباقي الأعمال الخدمية من مشاريع إنارة ونظافة وصرف صحي وتشجير فهي مستمرة، وتقوم ضابطة البلدية بمساعدة قوى الأمن في تطبيق حظر التجوال ومنع فتح المحلات، وعملنا أيضاً على حملة إعلامية للتوعية بأهمية الالتزام بالحظر واتباع قواعد التباعد الاجتماعي والوقاية الصحية من خلال شاشات عرض كبيرة تم تركيبها في شوارع المدينة، وعن طريق توزيع منشورات ورقية، ومن خلال صفحات وسائل التواصل الاجتماعي".

وبحسب آخر تحديث صدر عن هيئة الصحة في الإدارة الذاتية فإن عدد الإصابات بفيروس كورونا في عموم مناطق نفوذ الإدارة في شمال وشرق سوريا بلغ "6945" إصابة، من بينها "189" حالة وفاة، و"1019" حالة تماثلت للشفاء.

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق