الحقيقة المخنوقة... بالكيماوي السوري

الحقيقة المخنوقة... بالكيماوي السوري
تحقيقات | 19 أبريل 2018

"أُصبت البارحة بالغازات السامة.. تعرضت للاختناق، أفقتُ لاحقاً ولا أستطيع العثورعلى عائلتي حتى الآن"، يقول  مراسل روزنة في دوما "أحمد أبو فاضل" الذي كان  قد تعرض لإصابة خانقة عشية الضربة بالسلاح الكيماوي في مدينة دوما، ما أفقده وعيه لأكثر من 12 ساعة.
 في هذا التحقيق سوف نفنّد الروايات التي قدمتها قناة روسيا اليوم، وإعلام النظام السوري وحتى الصحفي البريطاني روبرت فيسك حول عدم استعمال السلاح الكيماوي المحرّم دولياً في ذلك اليوم.. ونوضح من هم الأطباء الذين تم اعتماد شهاداتهم ومدى منطقية وموضوعية هذه الشهادات.

 "لقد كان يوم قيامة حقيقي استمر القصف 36 ساعة بشكل متواصل.. انتهى النهار بمجزرة بغاز كيماوي"، قال طارق الشامي، أحد المدنيين الذين كانوا في مدينة دوما الذين التقينا به في ادلب بعد خروجه من ريف دمشق بعدة أيام لنحصل على شهادته بخصوص ماشاهده تلك الليلة، وقال طارق أنه دخل إلى النقطة الطبية القريبة من مكان القصف بعد فترة قصيرة من الضربة "عندما دخلت إلى النقطة الطبية، كان هناك عدد كبير من الضحايا  50 ضحية كانت أمامي. وقرابة الـ 500 مصاب جميعهم في النقطة الطبية".

 

شهادة طارق الشامي يتحدث عن مشاهداته ليل القصف بالسلاح الكيماوي في مدينة دوما


وقال شادي العبد الله وهو أحد النازحين الواصلين إلى ادلب مؤخراً  في شهادته "انصاب قريبي بسبب القصف بالبراميل المتفجرة، حاولنا اسعافه إلى النقطة الطبية القريبة. بعد وصولنا بدقائق قليلة سمعنا عناصر الدفاع المدني والمسعفين يتحدثون عن قصف كيماوي، وبدأت أعداد كبيرة من المصابين بالوصول تباعاً إلى النقطة الطبية". وقال شادي أن أعداد المصابين كانت كبيرة جداً لدرجة أن الموجودين داخل النقطة الطبية من المدنيين هرعوا جميعاً لمساعدة المسعفين وإسعاف المصابين الذين عانوا من اختناق جراء استنشاق الغازات السامة".

 

شهادة شادي العبدالله  حول مشاهداته في النقطة الطبية رقم (1) في دوما ليل القصف بالسلاح الكيماوي

أكد أطباء كانوا متواجدين ساعة القصف لـ "روزنة"، وقوعَ الهجوم باستخدام غازات كيميائية، مشيرين إلى أن "غاز الكلور" هو أحد الغازات التي تم استخدامها.
ونقلت الجمعية الطبية السورية الأمريكية "سامز" عن أحد أطبائها الميدانيين قوله في تصريح خاص لـ"روزنة": "الأعراض التي شاهدتها، كانت أشدّ بكثير من أعراض شهدتها في هجمة سابقة استهدفت بلدة الشيفونية.. إن وصولَ الغازات إلى الأماكن المغلقة كالملاجئ والأقبية، التي كان يقيم فيها الأهالي، ساهم إلى حدٍ كبير برفع أعداد المصابين".
و"سامز" هي إحدى أهم الجمعيات الطبية العاملة في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة بريف دمشق. 

 
المقابلة الكاملة مع أحد أطباء جمعية "سامز"

وتحدث الطبيب، عن حالة مريض شاب عالجه بنفسه: "كان يعاني من اختلاجات، ثم تثبط في السيالة العصبية، والتنفس، ثم سعال مدمى، قبل أن تتوسع حدقات عينيه، ليتوفى في وقت لاحق"، في إشارة واضحة لإصابة المريض بالغازات السامة.

وقال المتحدث الإعلامي باسم جمعية سامز "بشير أبو بسام" أمس، إن الجمعية وثقت خلال عام 2018 استهداف الغوطة بغاز الكلور على الأقل 8 مرات مضيفاً، "كان هناك علامات تشير بشكل مؤكد، إلى أن هجوم دوما تم تنفيذه بغاز الكلور، مرفقاً بغاز آخر، يرجح أنه السارين". 

وأكد المتحدث الإعلامي باسم "سامز" الأعراض الجسدية على المصابين جراء القصف والتي ذكرها الطبيب الميداني: "كانت الأعراض زرقة مركزية شديدة، ضيق بالتنفس، أصوات خرخرة في الصدر، حلقات دبوسية، احمرار شديد مع حروقات في قرنية العين، وخروج زبد من الفم، مشيراً إلى أن الأخير، هو إشارة صريحة على وجود غاز السارين. 


كما نقلت مؤسسات إعلامية أمريكية عن مصادر قولها، أنه باستخدام عينات بول ودماء من الناجين، تبين بالفعل استخدام أسلحة كيميائية بالهجوم، فيما قالت منظمة الصحة العالمية، أن شركاء لها على الأرض، عالجوا 500 مصاب، أظهروا أعراض التعرض لغاز سام.

شهادات وهمية؟ أم تحت الضغط؟

ونفت منظمة "سامز" ما جاء على لسان الطبيب السوري "عاصم الرحباني" الذي استعان الصحفي البريطاني "روبرت فيسك" بشهادته، والتي بنى عليها فرضيته بعدم استعمال النظام السوري للسلاح الكيماوي في الغوطة، وقالت منظمة "سامز" إن الطبيب عاصم الرحباني، لم يكن متواجداً في المشفى يوم الحادثة. 

وتطابقت شهاداتٌ لأشخاص لم يكشفوا عن أسمائهم بينهم طبيب، والتقت بهم قناة "روسيا 24"، مع فرضية الصحفي البريطاني "روبرت فيسك" القائلة: "إن القصف العنيف والرياح، تسببا بحدوث عاصفة ترابية وبأن حالات الاختناق كانت بسبب الغبار الشديد وليس بسبب استخدام الغازات السّامة". 

وقال طبيب التقت معه القناة أنه عالج مصابي دوما وبأن المصابين الذين قدموا إلى المشفى بحسب تصريحه، لم يتعرضوا إلى هجوم بغازات سامة، بل إلى لـ "دخان الحرائق، وردم الأبنية والإسمنت".

ونفت جمعية "سامز" أقوال "مروان جابر" الذي قدمته وكالة الأنباء "رويترز" على أنه طبيب، فيما قالت جمعية "سامز" أنه طالب طب سنة ثانية في جامعة حلب الحرة وبأنه ليس طبيباً، وبأنه ليس من كوادر الإسعاف في مدينة دوما، ولم يكن متواجداً في المشفى يومي الجمعة والسبت 6 و7 نيسان. 
وصرح "مروان جابر" في وقت سابق لوكالة رويترز للأنباء خلال جولة للصحفيين في المنطقة بعد الهجوم الكيماوي: "إن أيا من المرضى في تلك الليلة لم يكن قد عانى من اصابات جراء القصف بالأسلحة الكيميائية، لكنهم تعرضوا للاختناق جراء الغبار والدخان في القصف".

وكانت قناة "روسيا اليوم" قد نشرت، مقابلات مع شابين "موفق النسرين" و"خليل الجيش" قالت أنهما كانا يعملان في النقطة الطبية ليلة القصف بمدينة دوما، نفيا فيه استقبال إصابات ناتجة عن استخدام أسلحة كيميائية. 



من اليمين، طالب طب سنة ثانية في جامعة دمشق سابقاُ "خليل الجيش"، ثم طبيب ظهر على قناة روسيا 24 لم يتم الكشف عن اسمه، وأخيراً "موفق النسرين"، ممرض يعمل داخل النقطة الطبية في دوما

قمنا بمتابعة الشابين الذين ظهرا في الفيديو على قناة "روسيا اليوم" وتأكدنا من شخصيتهما، ليتبين أن الأول "موفق النسرين" مواليد 1994 ويعمل كممرض داخل النقطة الطبية في دوما، في قسم العناية والاستشفاء. 

أما الشاب الثاني يدعى "خليل الجيش"، ويبلغ من العمر 27 عاماًً، طالب طب سنة ثانية - جامعة دمشق و أكمل  دراسته في جامعة حلب الحرة فرع الغوطة الشرقية، ويعمل في المجال الطبي منذ 5 سنوات كمساعد طبيب في قسم الاسعاف و العناية الاستشفاء. وبحسب مصادر أهلية فإنهما كانا يتمتعان بسمعة طيبة.
وقال مراسل روزنة في دوما أن الشابين يقيمان حالياً داخل دمشق بعد خروجهما من دوما، و يتمكنان من التحرك داخل العاصمة بحرية، الأمر الذي يدعو للتشكيك بإمكانية الحصول على شهادة موضوعية من قبل أشخاص موجودين تحت سلطة النظام السوري، وعدم قدرتهم على تقديم شهادات بحرية تامة، خاصة أن عشرات المعتقلين السوريين قد أدلوا سابقاً بشهادات كاذبة تحت التعذيب والضغط النفسي الممارس من قبل المخابرات السورية وذلك بحسب تقارير لمنظمة العدل الدولية وهيومان رايتس ووتش.

وقال الصحفي السوري  شيار خليل خليل في لقاء خاص مع روزنة، أن النظام السوري أجبره على الإدلاء باعترافات معينة. وكانت المخابرات السورية قد أجبرته عند اعتقاله قبل بضعة أعوام، على الظهور بإحدى البرامج التلفزيونية على قناة الإخبارية السورية الحكومية، للإدلاء بشهادة، يلقي فيها اللوم على "المسلحين والجماعات الإرهابية"، بضرب المدنيين، وسرقة ممتلكاتهم. 
ويقول "خليل"، خلال اعتقالي في الفترة بين عامي 2013 و 2015، "تم اقتيادي الى فرع الأمن الجنائي بدمشق وتحت الضرب والتعذيب تم اجباري على الظهور ببرنامج "العين الساهرة" في الإخبارية السورية البرنامج التي تظهر اعترافات للنهب والسرقة والإرهاب حسب تسمية النظام".
وأضاف "خليل": " تم جلب كاميرات من التلفزيون السوري وقاموا بتسجيل الاعترافات على لوح كبير حيث لقنه لي الملازم "مؤيد المسوتي"، منوهاً إلى أنه أعيد التصوير عدة مرات حتى حصلوا على ما يرغبون من معلومات". 

الكيماوي السوري يشغل العالم 

وتدور حرب إعلامية بين واشنطن وموسكو، وصلت حد تدخل المتحدثة الرسمية باسم الخارجية الروسية و مخاطبة مندوبي مجلس الأمن و تكذيبهم.


 

وكانت الولايات المتحدة الأمريكية قد أعلنت عن ضربة عسكرية استهدفت مواقع وأهداف عسكرية للنظام السوري، بعد استخدامه الغاز الكيماوي في قصف مدينة دوما السابع من نيسان الحالي، تلتها ضربة عسكرية غربية، استهدفت مواقع وأهداف للنظام السوري، ما استدعى إداناتٍ دولية واسعة.

وتوالت التأكيدات الدولية على وقوع الهجوم، بل حمّلت أطراف دولية، النظام السوري، مسؤولية الهجوم،  حيث كشفَ تقريرٌ للمخابرات الفرنسية، السبت الماضي، تضمن تحليلاً تقنياً للمزاعم المتعلقة بهجمات الغاز في سوريا، تورطَ النظام السوري في تنفيذ هجوم بالكيميائي في "دوما" السبت 7 نيسان. 

وأكد تقرير استقصائي نشره موقع “بيلينغ كات”، حدوثَ الهجوم الكيميائي، بعد تحليلات وتقييم لمعلومات من المصادر المفتوحة عبر شبكة الإنترنت المتعلقة بيوم الهحوم، بينها فيديو نشرته شبكة بلدي نيوز الإخبارية، ويظهر الإسطوانة المحملة بالغازات السامة، التي استهدفت بها مدينة دوما (الصورة الرئيسية). 

وخلص التقرير التحليلي، أن اسطوانة غاز كبيرة الحجم -استخدمت أنواعٌ مشابهة منها في هجمات سابقة بغاز الكلور- وُجدت على سطح أحد المباني، التي وثقَ فيها أكبر عددٍ من الوفيات، كما أن خبراء رصد الطائرات استطاعوا متابعة مسار طائرتي هليكوبتر تابعة للنظام، قبيل موعد الهجوم. 

النظام السوري، وروسيا نفيا أن يكونا مسؤولين عن الهجوم، في حين أفشلت روسيا الأسبوع الماضي فقط، تمرير مشروعي قرار في مجلس الأمن، متعلقان بالتحقيق في هوية منفذ الهجوم، ومحاسبته، كما أخرت وصول فريق تفتيش من منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لدوما، متذرعةً بـ "قضايا أمنية".

وبتاريخ 21 آب من عام 2013، قتلَ ما يزيدُ عن 1500 مدني، وأصيب مئاتٌ آخرون، إثر هجوم كيميائي نفذه النظام السوري، على مناطق في الغوطة الشرقية، كما تعرضت مدينة "خان شيخون" بإدلب، لهجوم مماثل بغاز السارين في نيسان 2017، خلف مئات من القتلى والمصابين، وأعلنت الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية فيما بعد، مسؤولية النظام السوري عنه . 

 

المقابلة الكاملة مع الطبيب "أحمد دبسي" من منظمة "UOSSM" الطبية

وكانت روزنة، حصلت على شهادات مصورة حصرية، لمدنيين عايشوا لحظات القصف بالأسلحة الكيميائية على مدينة "خان شيخون" بإدلب. 



وكانت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، وثقت المرات التي استخدم فيها النظام السوري الأسلحة الكيميائية خلال الهجمات على مناطق مختلفة من البلاد، حيث وصل عددها إلى 211 مرة، منذ عام 2012 وحتى منتصف شهر شباط 2018.


 


 

 


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق