تنظيم داعش يضرب عادات وتقاليد الرقة!

تنظيم داعش يضرب عادات وتقاليد الرقة!
تحقيقات | 06 فبراير 2017

منذ سيطرة تنظيم "الدولة الإسلامية" على مدينة الرقة السورية قبل ثلاثة أعوام، عمل على محو تقاليد وعادات وتراث هذا المكان، وخلعها من جذورها!

الأسود يغطي النساء!

المعروف عن المجتمع الرقاوي طبيعته المنفحتة، الحجاب بالكامل ليس عرفاً سائداً، بل كانت النساء تضع منديلاً على الرأس، يظهر ناصية الشعر، ويُسمّى بحسب لهجة المنطقة بـ"الحطّة".

تقيم نيرمين حالياً في مدينة غازي عنتاب التركية، في لقاء بأحد المقاهي، تحدثت عن الكثير من الانتهاكات بحق المرأة.

ولدت الشابة في الرقة، عاشت كل حياتها هناك، وعاصرت أول شهر من دخول داعش إلى المدينة، تؤكد أن في تلك الفترة كانت الأحداث متسارعة، والخوف سيد الموقف، وأن التنظيم بدأ يتدخل بلباس النساء رويداً رويداً، "أول مرحلة فرضوا عباية سوداء وحجاباً، بعدها أضيف النقاب، ثم الكاب، وبعد ذلك ألغوا إظهار العيون" تقول نيرمين.

أهل الرقة وخاصة العشائر، عانوا صعوبات كبيرة مع داعش، النساء الرقاويات الكبيرات بالعمر، معتادات على وضع "الحطة"، وكنّ يتصادمن مع عناصر داعش. لكن التنظيم بدأ يعاقب كل من لا تلتزم بقواعده.

تقول نريمين:" إذا لم تكن الفتاة ملتزمة تعاقب هي ووالدها. ذات مرة صديقة لي، كانت ترتدي عباية ولكن ليست من الشرعية الداعشية، كانت مخملاً، أوقفوها بالشارع عند جامع النور بالرقة، بعد سيطرة داعش ب4 اشهر، وضربها عنصر داعشي بالسوط 11 جلدة، حاليأً تأتي سيارة الحسبة وتأخذ الفتاة المخالفة لتعاقبها في مقرات داعش. وأصبحت كتيبة الخنساء هي التي تراقب النساء وتتعامل معهن".

القبضة التي تضرب المرأة

بحسب حملة "الرقة تذبح بصمت"، شكل تنظيم داعش كتيبة الخنساء في شباط عام 2014، مهمتها الرئيسية مراقبة واعتقال النساء اللواتي يخالفن أوامر التنظيم ومعاقبتهن. 

وتؤكد الحملة، أن عناصر الخنساء ترتدي اللباس الشرعي الخاص بالتنظيم، يحملن السلاح والكلبشات والقبضات اللا سلكية، وأغلبهن مهاجرات ومتزوجات من مقاتلي التنظيم غير السوريين، ويتفاوت عددهن بين الـ800 والـ1000.

منى من سكان الطبقة، عاشت سنة جامعية في كلية الأدب العربي بالرقة، التابعة لجامعة الفرات، لم تستطع إكمال الدراسة في المنطقة، تقول:" قبل دخول داعش للرقة، حياة الجامعة كانت ملائمة. بالنسبة للمعيشة لم يكن هناك ضغوطات، كنا نعيش حياة جامعية وأسافر لوحدي من الرقة للطبقة، وألبس براحتي".

تؤكد الشابة، أنها شاهدت حالات رجم لفتيات، كان تنظيم داعش يعاقبهن بتهم عديدة، منها عدم الالتزام باللباس الشرعي.

لا سهرات يومية في حكم داعش!

الطقوس الاجتماعية في الرقة الواقعة شمال وسط سوريا كثيرة ومُميّزة، المجتمع حضري واضح، الطابع الريفي والبساطة يطغيان على المكان، البيوت مفتوحة دائماً، وواجب الضيافة واستقبال الزوار قائم في أي وقت.

التقيت بنورا، المقيمة في غازي عنتاب، عاشت حياتها في الطبقة الواقعة على بعد 55 كم غربي الرقة، وأيضاً قضت أوقات كثيرة في الرقة. بحكم الأقرباء والمعارف وتعرف تلك المجتمعات جيداً.

تقول نورا:" طبيعي جداً أن تلبس فتاة جلابية (فستان شعبي)، وترفع أطرافهما وتغسل أمام البيت، العلاقات الاجتماعية في الرقة مختلطة، كان شيئاً شائعاً وخاصة بالصيف، أهل البناء الواحد، يفرشون الأرض بجانب البناء  بحصيرة (مدة شعبية) مساءً، ويجتمع الجيران كلهم، نساء ورجال مع أولادهم ويسهرون سويةً، يشربون الشاي والأركيلة".

لكن كل تلك الطقوس قضى عليها تنظيم "الدولة"، الاختلاط ممنوع، التدخين بكل أنواعه مُحرم، لا سهرات بالحارات ولا تواصل. وحتى القهاوي، أصبحت وفق الأنظمة الداعشية، التي لا تفتح المجال لألعاب الورق والنرد وغيرها! 

تضييقات داعش على التفاصيل المجتمعية، لم تميز بين ذكر وأنثى. تقول نيرمين وهي تتذكر ما رأته في الرقة:" أصبح التضييق على الشباب كبيراً، ممنوع حلاقة الذقن للشاب، يجب أن تكون ذقنه طويلة ولباسه فضفاضاً، ممكن أن تتعرض للمضايقة إن كنت ترتدي بيجامة ضيقة، يفضل الكلابية أو الجينز العريض جداً".

تستفيض الشابة في حديثها، مسترجعة ذكريات أليمة، الاستغراب لا يفارق عينيها عما أصبحت الأوضاع عليه. "لا أحد يستطيع الخروج وهو يمسك بهاتفه الخليوي، لا يوجد اتصالات ولا انترنت، ولكن يخاف الدواعش من إعطاء إحداثيات أو تصوير مناطق الرقة. في آخر فترة أصبح حمل الفتيات حقيبة فوق الكاب (الغطاء الأسود الذي ترتديه النساء) ممنوعاً وتعاقب عليه، ويجب أن تخفي الحقيبة تحت الكاب لكي يضمنوا عدم وجود كاميرا" تضيف الشابة.

داعش يراقب الأعراس!

لم يوفر التنظيم جهداً في العمل على محو ذاكرة الرقاويين، فتدخل بكل التفاصيل، حتى طقوس الأعراس فرض شروطه عليها، فأعراس المدينة سابقاً، كانت مختلطة بين الجنسين، وتقف المرأة والرجل جنباً إلى جنب في الدبكة الشعبية الخاصة بالمنطقة.

يؤكد الناطق باسم حملة الرقة تذبح بصمت، محمد صالح، أن داعش منع 90% من الطقوس الخاصة بالأعراس. موضحاً:" كان سابقاً في بعض أماكن الرقة، يوجد طقس الحنة، تتراوح بين 3 و 7 أيام حفلات الحنة، والناس تجتمع بالساحات، أو بيت العريس أو العروس في مناطق أطراف الرقة". 

لكن منذ عام 2014، منع التنظيم كل تلك الطقوس، لا فرح ولا غناء، ففي ظل سيطرته، اقتصرت الأعراس على حفلات صغيرة داخل بيت العروس، وبشكلٍ سري، ففي حال شعر جهاز "الحسبة" التابع للتنظيم بأي عرس، يتوجه لصاحب المنزل ويعاقبه بالسجن أو الجلد.

ويضيف الصالح:" ألزم التنظيم أي عائلة تريد عرساً أن تجلب رخصة من الحسبة لإقامة عرس. إلى حد ما شبيه بالنظام، الذي كان يريد رخصة من الأمن الجنائي، والآن بحاجة رخصة من الحسبة". 

كما أن التنظيم منع العروس من الذهاب إلى صالونات الحلاقة والتجميل، فارضاً طقسه بالأعراس، أي حفلة مصغرة في البيت بأناشيد يعترف بها التنظيم، بحسب الصالح.

لا جلسات عزاء

في آذار 2013 فرضت الرقة نفسها كأول مدينة تخرج عن سيطرة النظام السوري، بعد الثورة التي اندلعت ضده في الـ2011. وبدأت بعد ذلك مراحل عديدة آخرها، اقتحام تنظيم "الدولة" للمشهد كاملاً يوم 12 كانون الثاني عام 2014.

بعد الخروج عن سيطرة النظام، بقيت العادات والتقاليد على وضعها، مظاهر العزاء ظلت عبارة عن خيمة كبيرة للرجال، وخيمة أخرى للنساء، أو تتجمع النسوة في منزل أهل الفقيد. بحسب نيرمين.

بعد سيطرة داعش على الرقة، يؤكد محمد الصالح، أن التنظيم منع طقوس العزاء، متذرعاً بالخوف من القصف، ويضيف الصالح:" ليس دقيقاً هذا الكلام، لأن التنظيم لا يريد أن تقام جمعات كبيرة ولا تجمعات بالمدينة. خوفاً من عدم ضبط الأحاديث في دار العزاء، والناس تتناقل أخبارها وهمومها، التنظيم بغنى عن التجمعات حتى لا ينطرح أي كلام عن تجاوزاته، ولا يحدث أي ردات فعل".

حتى التجمعات داخل البيوت، قمعها التنظيم، يبقى عناصره بالحسبة دائماً على مقربة من أي بيت عزاء في البلد، يراقبون الناس على الدخان وعلى كل حركة، حتى أن الكثير من جلسات العزاء دخل الرقة شهد مشاكل بين الأهالي وعناصر الحسبة.

وبحسب الصالح، فإن توزيع الولائم فداءً لأرواح الموتى أصبح نادراً في ظل سيطرة داعش على الرقة، وذلك بسبب الظروف المادية السيئة للأهالي، والتي لا تقارن بطبيعة الحال، مع الأحوال المادية لمنتسبي داعش أو مبايعيه.

ثلاث سنوات من سيطرة داعش على الرقة، والعمل المتواصل، على مسح ذاكرة الرقاويين وما تخزنه من عادات وتقاليد خاصة بهم، لكن، يؤكد الكثير من أبنائها، أن المدينة المتكئة على الضفة الشرقية لنهر الفرات، ستعود فراتية سورية كما كانت!

 


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق