الحرب على الأطباء السوريين

الحرب على الأطباء السوريين
تحقيقات | 20 أغسطس 2016

استهدف النظام السوري العاملين في المجال الطبي بلا هوادة، في مناطق سيطرة المعارضة خلال السنوات الخمس الماضية. هنا قصة معركتهم اليائسة في البقاء على قيد الحياة وإنقاذ الأرواح، بحسب تقرير نشره موقع (FP).

13 نيسان، بعد الظهر مباشرةً، كان حسن الأعرج قد أنهى عمله في المشفى الميداني تحت الأرض للبدء بجولاته الطبية الأخرى، كآخر طبيب قلبية بقي على قيد الحياة في ريف حماة، حيث اعتاد أن ينظر للسماء بحذر لمراقبة حركة الطيران الحربي فوقه، بسبب القصف المتواصل من قبل كل من روسيا والنظام السوري، ولكنه على عجل، لم يستخدم جهازه اللاسلكي في ذلك اليوم، ليعلم إن كانت السماء خالية من حركة الطيران الحربي.

سقط صاروخ بالقرب من سيارته أثناء قيادته، ووجد رفاقه في حطام السيارة مريوله الطبي الأبيض ممزقاً.

أحمد دبس، صيدلاني وعامل في مجال الإغاثة، ممن كانوا يعملون بشكل وثيق مع الأعرج، يقول: "موقع المشفى معروف، ومن المعروف أن أي شخص يتجول حول المكان هو عامل في المجال الطبي".

قُتل على الأقل 738 طبيباً وممرضاً وعاملاً في المجال الطبي، منذ عام2011، في أكثر من 360 هجوماً على المرافق الطبية، وذلك وفقاً لأطباء عاملين في مجال حقوق الإنسان، وحمّلت مجموعة حقوق الإنسان المستقلة النظام السوري وحليفته روسيا، مسؤولية ما يزيد عن 90% من هذه الهجمات.

واتهم العاملون في المجال الطبي، النظام السوري وروسيا، بالسعي لإضعاف معنويات المدنيين ومقاتلي المعارضة لتهجيرهم من مناطقهم، وذلك بحرمانهم من الرعاية الطبية والصحية. واستنزفت الضربات الجوية كل الإمدادات الطبية في مناطق المعارضة.

وفي وقت سابق من شهر نيسان الماضي، استقرت طلقة قناص في رأس آخر طبيب موجود في مدينة الزبداني المحاصرة، كما خسرت مناطق المعارضة في حلب مؤخراً واحداً من أهم أطباء الأطفال الموجودين هناك، إثر استهداف مشفى القدس في حلب من قبل النظام السوري، حيث كان الطبيب مناوباً في ذلك اليوم.

ووفقاً لمنظمة حقوق الإنسان، فإن 95% من الشخصيات العاملة في المجال الطبي، هربوا أو تم اعتقالهم أو قتلهم منذ بداية الحرب.

وبما أن استهداف المشافي والأطباء هو جريمة بموجب القانون الدولي، فقد أصدر مجلس الأمن قراراً يدين ما وصفه الأمين العام للمجلس "بان كي مون"، بضربات عسكرية مقصودة ودقيقة، تستهدف المرافق الطبية، وذلك في شهر أيار، بعد سلسلة هجمات جوية عنيفة على مدينة حلب.

ولكن معظم القرارات الأممية التي أُصدرت حول سوريا، لا تطبق على أرض الواقع، ولم يتم حتى الآن معاقبة الأطراف التي تخالف هذه القرارت أو التي ترتكب انتهاكات، وبحلول نهاية الشهر الذي تم إصدار القرار فيه، دُمرت أيضاً اثنتان من المشافي في المنطقة نتيجة الغارات الجوية.

الطبيب حسن الأعرج، الذي توفي عن عمر يناهز الـ46، كان قد قبل بكل مخاطر عمله، حيث أرسل زوجته وأطفاله الخمسة إلى تركيا للحفاظ على سلامتهم، وكان يزورهم باستمرار، إلا أنه كان مصراً على البقاء في وطنه.

وكان الأعرج قد قال سابقاً في أحد المؤتمرات الطبية في جنيف العام الماضي: "حتى لو أعطوني أوروبا كلها، لن أغادر بلدي، ولن أخونها في هذه الظروف، وإن شاء الله إما نموت أو ننتصر".

وعلى الرغم من الخسائر الفادحة، فقد أثبت النظام الطبي في مناطق المعارضة أنه قادر على خدمة ما تبقى من المدنيين هناك، منذ بدء الثورة في عام 2011، وحتى وصولها إلى "الفوضى والعنف" في عام 2016، وقد وجد العاملون في المجال الطبي سبلاً للبقاء على قيد الحياة، والتكيف، وعلاج المصابين أثناء القتال، فضلاً عن التوليد وعلاج الأمراض العادية، حيث تفادوا الاعتقال والتعذيب، ثم الصواريخ والقناصة، واستطاعوا بناء نظام رعاية صحية سري وقوي.

 أطباء سوريون يعالجون رجلاً مصاب في مشفى ميداني، في مدينة القصير بتاريخ 10 تموز 2012

2011.. لا رحمة للأطباء!

أبو إبراهيم بكر، لم يكن هو فقط عرضة للموت إثر إصابته، بل كان خطراً على كل من يحاول معالجته.

حزيران- 2011، بعد ثلاثة أشهر من بدء الحراك السلمي المناهض لحكم بشار الأسد في مدينة سقبا بريف دمشق، كان أبو إبراهيم أحد المصابين برصاص النظام السوري، وذلك أثناء مشاركته في المظاهرات.

يقول بكر، الطبيب الجراح في ضواحي دمشق: "لم يكن بإمكاننا نقل المصاب أو حتى التجول كثيراً حول المكان".

في الأيام الأولى من الثورة السورية، كان الناشطون المعارضون لحكم الأسد لا يستطيعون التنقل لإسعاف الجرحى في المظاهرات، ولم يكن أمامهم سوى طريقة واحدة لفعل ذلك!

كان يتم تهريب المصابين من الباب الخلفي لأقرب مشفى، ولكن في يوم إصابة أبو ابراهيم قامت قوات النظام السوري بإغلاق الطرقات، مما جعل الوصول إلى المنشآت الطبية مستحيلاً، حيث تبرع رجل بغرفة نومه، وقام بكر بإفراغ حقيبته وحقائب زملائه الطبية، لتكون عيادة صغيرة أشبه بغرفة العمليات. ومنذ ذلك الوقت أصبح هذا هو الأسلوب المتبع في إسعاف الجرحى في كل المناطق الثائرة ضد النظام السوري.

وأوصى طبيب التخدير على جرعة اللازمة عن طريق هاتفه الجوال. يقول الجراح: "وضعنا المصاب على السرير، في غرفة النوم، وفتحنا معدته". 

كانت سوريا تتمتع بنظام طبي متقدم، حيث كان معدل متوسط الأعمار عند الوفاة 73 عاماً قبل اندلاع الثورة، على قدم المساواة مع تركيا المجاورة.

ساعد بعض الأطباء والصيادلة والممرضين في تلك العمليات الطبية بسبب انتمائهم السياسي ومعارضتهم للنظام السوري، بينما شارك آخرون وفاءً لواجبهم المهني والإنساني وبعيداً عن أي خلفية سياسية.

ونظم العاملون في المجال الطبي شبكات سرية، مكونة من زملاء لهم، لعلاج الجرحى وحماية المدنيين من انتقام قوات النظام السوري.

"لاحظنا أن المخابرات السورية كانت تتتبع عمليات إسعاف المصابين خلال المظاهرات، سواء إلى المشافي الحكومية أو الخاصة"، يقول أحد الأعضاء المؤسسين لاتحاد الأطباء الأحرار في سوريا، وهي مجموعة من الأطباء والناشطين في المجال الطبي، ممن تجمعوا في أواخر 2011، في محاولة لملئ فجوة الخدمات الطبية، وهو طبيب أشعة تم اعتقاله وتعذيبه سابقاً، ويعيش حالياً في فرجينيا الغربية، وفضّل عدم ذكر اسمه لحماية عائلته التي بقيت في سوريا.

يقول: "بالطبع، إن أي شخص يكشف أمر تورطه في علاج الجرحى والمصابين، فمصيره الاعتقال".

لتحاشي قوات النظام السوري، عمل الأطباء بشكل سري، في المحلات والأماكن غير التقليدية، حيث حولوها إلى غرف طوارئ. وفي الحالات اليائسة، كان السبيل لإنقاذ المصاب هو تهريبه إلى مشفى حكومي، وهذا يحتاج على جرأة لطلب المساعدة من شبكة أطباء وممرضين مستعدين للمساعدة بشكل سري داخل المشفى. 

أسامة أبو زيد، مهندس معدات طبية مع اتحاد الأطباء السوريين الأحرار، يقول: "كنا نتواصل عبر سلسلة مكالمات هاتفية سريعة، باستخدام هواتف مرتبطة بأسماء وهمية، تم شراؤها من السوق السوداء، بهويات أشخاص موتى أو غير حقيقيين، حيث يصبح من الصعب تقفي أثر صاحب المكالمة".

ويُعطى المصابين أيضاً أسماء وهمية كي لا يتعرضوا لخطر الاعتقال، كما يعمل الأطباء المعالجين تحت أسماء وهمية، يضيف أسامة: "قد يعمل شخصان في نفس المستشفى بإسعاف الجرحى، ولكن أحدهم لا يعلم أن الآخر (ثوري) أيضاً".

يقول محمد ياسر الطباع، وهو مغترب سوري يعيش في السعودية ومؤسس لجمعيات طبية غير ربحية: "هناك أطباء لا أعرف أسماءهم الحقيقية حتى الآن، بعد 4 أو 5 سنوات من العمل معهم".

يأتي الخطر الحقيقي عندما يتم إلقاء القبض على أحدهم، حيث يتم تعذيبه حتى يدلي باعترافاته وبأسماء زملائه، ويقول الطباع: "في كل مرة يتم فيها اعتقال أحدهم، يكون على أصدقائه الاختفاء أو السفر".

ويقول طبيب الأشعة في فرجينيا، إن الكثير من أعضاء اتحاد الأطباء السوريين الأحرار لديهم عيادات خاصة كانوا يستخدمونها لإسعاف المصابين. ويقول: "لم نفرق يوماً بين مصاب من طرف النظام أو المعارضة، كنا نسعف الجميع ولا تهمنا خلفية هذا المصاب أياً كانت".

قامت قوات الأمن باقتحام مشفى خاص في كفرزيتا في عام 2011، كان يديره حسن الأعرج، حيث فتح الجيش النار على المتظاهرين في تلك المدينة الصغيرة، وسارع قسم كبير من المصابين إلى مشفى الأعرج الخاص.

وأجرى الطبيب "الأعرج" وزملائه العمليات الجراحية اللازمة، وعالج المصابين بأسرع ما يمكن، وبعد أن استقر وضعهم الصحي تم إرسالهم إلى منازلهم أو إلى منازل الأطباء، وعند وصول قوات الأمن إلى المشفى، ادعى الطبيب بأنهم كانوا يجرون عمليات جراحية اعتيادية، مثل الزائدة الدودية، ومنع قوات الأمن من دخول المشفى.

يقول الدبس: "في تلك الأيام كان لا يزال هناك قليلاً من الاحترام للأطباء". 

مع مرور الوقت وازدياد الاحتجاجات ضد النظام السوري، أصبحت قوات الأمن التابعة للنظام السوري أكثر عدوانية في مطاردة المتظاهرين وكل من تعامل معهم أو ساعدهم، حيث ألقي القبض على أكثر من 250 طبيباً خلال السنة الأولى من الثورة السورية، لاستجوابهم حول علاج المتظاهرين الجرحى في سوريا، وذلك وفقاً لتقرير صادر عن منظمة أطباء حقوق الإنسان، نشر في نهاية 2011.

وقال أطباء إن قوات الأمن السوري كانت تتعقب أكياس الدم في بنوك الدم التابعة للنظام، وجرعات الكزاز، التي تعطى عادةً للمصابين بطلق ناري أو شظايا، وذلك لتعقب الأطباء الذين يقومون بمعالجة الجرحى.

رامي كلاس، طالب في مشفى الرازي بحلب سابقاً، قسم الأعصاب، يقول: "إذا اكتشفت أجهزة الاستخبارات أنك تعمل طبيباً مسعفاً في المشافي الميدانية، لن يرحموك أبداً، فبالنسبة لهم هذا أسوأ بكثير من أن تحمل سلاحاً".

عمل كلاس مع مجموعة من الأصدقاء في تقديم المساعدات الطبية والإنسانية السرية، وكان يدير صيدلية في الطابق السفلي من المبنى الذي يسكن فيه، مليئة بالإمدادات الطبية التي تم الحصول عليها من الداعمين أو شراؤها من الصيدليات أو المشافي.

وفي نهاية المطاف انتقل كلاس للعمل في مناطق المعارضة بمدينة حلب، بعد أن علم أن قوات النظام السوري تريده هو وزوجته، التي كانت تعمل معه في المشفى.

ف.ج، طبيب كان يعمل في ريف دمشق خلال السنوات الأولى من الثورة، وتم اعتقاله في عام 2012 من قبل قوات النظام السوري، وقادوه إلى غرفة تحت الأرض مع حوالي 80 شخصاً آخرين، حيث لا يوجد تهوية أو ضوء أو مساحة كافية للجلوس، وخضع للتعذيب لمدة 7 أيام متواصلة، وقال إنه كثيراً ما كان يجد أكواماً من الجثث في الحمامات.

يقول ف.ج: "كل شيء هناك مثل الجحيم تماماً، الجميع كانوا يتمنون الموت ليلاً نهاراً".

أما حسن الأعرج، فقد أخبرتنا زوجته نجوى بأنه اعتقل مرتين، وأضافت أن ويلات الاعتقال جعلته أكثر يقظةً بشأن تجنب جنود النظام والحواجز ونقاط التفتيش، وبحسب زوجته، فإنه كان يردد دائماً: "لأن يضربني صاروخ ويقطعني نصفين، فذلك أحبّ إليّ من أن أقضي ليلة أخرى في سجون النظام".

 رجل يقف في غرفة العمليات البديلة، وهي غرفة في منزل يستخدم كمشفى ميداني في القصير 27 شباط 2012

2012.. لم يعلمنا أحد

في صيف عام 2012، وصل القتال إلى مدينتي حلب ودمشق، وهما أكبر مدينتان في البلاد من حيث عدد السكان. ومع تحول العديد من النشطاء السلميين إلى مقاتلين، وتحول النظام السوري إلى قوة النيران الثقيلة، ازداد الضغط على مقدمي الخدمات الطبية.

حيث بدأ المقاتلون برسم أراضي خاصة بهم، ولم تعد هناك حاجة إلى التسلل إلى مستشفيات النظام، لأنهم أقاموا مستشفياتهم الميدانية الخاصة والمرافق الطبية المؤقتة في المناطق التي تسيطر عليها قوات المعارضة، حيث بشرت بعهد جديد من الطب الثائر!

في دمشق وحولها، كان يسارع الأطباء لاحتواء المناطق التي يسكنها المدنيون ويقصفها النظام السوري، حيث هم الآن أقل عرضة للاعتقال، ولكنهم عرضة للموت تحت ضرب النار والقذائف، وعليهم الآن بناء المرافق الطبية وتأسيسها من الصفر.

موفق، جراح من مدينة دوما في ريف دمشق، يقول: "نتواجد في المكان الذي يحوي مدنيين، وتضربه نيران النظام السوري."، ويصف موفق بدايات المشافي الميدانية في الغوطة الشرقية: "نضع سريرين أو ثلاثة في مزرعة، وبعض المواد الاستهلاكية التي ممكن أن تصمد في حال تعرضت لحصار، هذا هو المشفى الميداني".

تطلبت هذه المرحلة الجديدة خلق أنظمة جديدة للرعاية والإمدادات الطبية بشكل سريع، حيث كان التوظيف في المستشفيات الميدانية لا تعتمد على الخبرة، بسبب عدم وجود الخبرات في ظل هجرة الأطباء بأعداد كبيرة وغيرهم من ذوي الخبرات الطبية، فكان لا بد من استبدالهم بالمتدربين الجدد.

وعندما بدأ الجيش السوري الحر بالسيطرة على مناطق بحلب في صيف 2012، قام الكادر الطبي في مستشفى دار الشفاء في حي الشعار الخاضع لسيطرة المعارضة، بإعلان دعوات لطلب متطوعين. "كان هناك الكثير من المجازر في ذلك الوقت، ولم يكن هناك سوى 10 عاملين فقط في هذا المشفى"، يقول مضر شيخو، الذي بدأ بالعمل في المستشفى كممرض.

ويضيف شيخو: "أحدهم كان طالب هندسة، والآخر طالب في كلية الحقوق، وكان آخر طالب أدب إنكليزي، لم يأت أحد ليعلمنا ولم يكن هناك وقت". 

في أول يوم له في المشفى، قال إنه دخل غرفة الطوارئ ليعثر على طبيب جراح واقفاً وسط بركة من الدماء، يخيط جرح مريض أصيب جراء القصف".

وقال شيخو أن الطبيب طلب منه أن يساعده في تجفيف الجرح، وتذكر كيف أنه اقترب من المريض المغطى بالدماء، وشعر بالإغماء، وذهب إلى الخارج ليستجمع قواه.

يقول: "حصلت على بعض الهواء النقي ثم عدت إلى غرفة الطوارئ، وقلت للطبيب أنا مستعد، ومنذ ذلك الحين وأنا مستمر، واعتدنا على المناظر الدموية". 

في ريف حماة، انسحب جنود جيش النظام السوري من بلدة كفرزيتا في أوائل عام 2013، وأصبحت المدينة تحت سيطرة المعارضة. وحينها أعلن الطبيب حسن الأعرج أن المشفى سيقدم العمليات الجراحية المجانية للجميع، وأن المشفى مفتوحة لتلقي جميع أنواع العلاج الطبي، والإصابات الناجمة عن القصف، وغيرها.

 أنقاض مشفى إحسان في الغوطة الشرقية بعد استهدافه بقذائف من قبل النظام السوري في تشرين التاني 2013

2013 - 2014.. "كل شيء اختفى"

قُصف المستشفى الجراحي "إحسان" لأول مرة في تشرين الثاني عام 2013. وتبعتها سلسلة من الهجمات على المبنى، حتى أصبح أنقاضاً. سببت الغارات الجوية ثغرات في الجدران، وباتت أسرّة المشفى مكشوفة إلى العالم الخارجي.

المشفى كان قد فُتح منذ خمسة أشهر في منطقة محاصرة من الغوطة الشرقية، الخاضعة لسيطرة المعارضة، عانى من أسوأ الهجمات بالغازات الكيماوية التي شُنت من قبل نظام الأسد في صيف 2013. ووفقاً للموظفين، فإن ذلك المشفى كان يخدم غالبية الحالات الطبية الناشئة عن سكان المنطقة البالغ عددهم نحو 500 ألف، وثلاثة من الطاقم الطبي في المستشفى لقوا حتفهم جراء القصف.

"كل شيء اختفى .. كل شيء"، قال أبو زيد، من اتحاد الأطباء السوري الحر.

أخذ أبو زيد وزملائه كل المعدات التي بقيت من مشفى إحسان لإنشاء مستشفى آخر في مكان سري في الغوطة الشرقية، وحاولوا اتخاذ الاحتياطات اللازمة بشأن سلامته هذه المرة، بتعزيز البنية التحتية وفصل أقسام الطوارئ في أماكن سرية في الأقبية، لا يعرفها إلا العاملين في المستشفى.

وبعد بضعة أشهر، عصفت به سلسلة أخرى من الضربات الجوية، ومرة أخرى تدمر وكان عليهم إعادة بنائه. 

يمثل مشفى إحسان معضلة إنسانية جديدة للمعارضة السورية، فالمستشفيات الميدانية في سوريا أصبحت تشكل خطراً على كل من يزورها أو حتى يعيش بالقرب منها. ولكن حملات القصف العنيفة أيضاً كان لها نتيجة إيجابية غير مقصودة، حيث ساعدت بالدخول في المرحلة المقبلة من "الطب الثائر" في سوريا.

يستخدم نظام الأسد البراميل المتفجرة بشكل روتيني، وهي براميل محملة بالمتفجرات العالية التي تدمر بشكل عشوائي بعد إسقاطها من المروحيات على المنشآت الطبية في مناطق المعارضة. مستشفى الطبيب حسن الأعرج في حماة، وهي مستشفى كفرزيتا التخصصي، قُصفت 10 مرات في عام 2015، وقتل فيها ثلاثة من الموظفين وهم: طبيب التخدير، موظف مكتبي، وفني مخبر.  

جراح الأعصاب في حلب، رامي كلاس، يقول إن كل هجوم بالبراميل يسبب "حالة من الذعر" بين المدنيين. حيث كان سكن الطبيب قريب من مشفى "الصاخور" في مناطق حلب التي تسيطر عليها المعارضة، قبل أن تجبره الغارات الجوية على الانتقال.

تم ضرب المشفى خلال ستة أشهر فقط 3 مرات، وذلك في نهاية عام 2014، وفي إحدى الضربات، كان منزل الطبيب "كلاس" من ضمن البيوت التي تدمرت، وكان الناس هناك بعد كل ضربة يضطرون لشحن الإسمنت من تركيا لإعادة بنائه، واستمرت الضربات، ووفقاً للطبيب "كلاس": فإن المشفى ضُربت أكثر من 20 مرة بين 2014 و2015، واستطاعت ثمانية من هذه الضربات وضع المشفى خارج الخدمة بشكل مؤقت آنذاك. يقول كلاس: "اعتدنا على استهدافهم لنا".

حتى سيارات الإسعاف مهددة بالاستهداف بغارات جوية، وبحسب "كلاس" فإن مشفى الصاخور خسر كل سيارات الإسعاف الخاصة به، واعتمادها الكلي حالياً على سيارات إسعاف تابعة لمشافي أخرى أو على سيارات المدنيين.

حملات قصف المشافي التي يشنها النظام السوري دفعت الجهات المانحة الدولية إلى مضاعفة جهودها بمساعدة المرافق الطبية في سوريا، وهي شبكات المغتربين السورية ومقراتها في الولايات المتحدة، والخليج العربي، وتركيا، مثل (SEMA) و(SAMS) والمنظمات الدولية مثل أطباء بلا حدود واللجنة الدولية للصليب الأحمر، حيث يجمعون ملايين الدولارات في القطاع الخاص بالتبرعات للحفاظ على المشافي قيد التشغيل.

وتلقى هذه المنظمات غير الربحية المال من الأمم المتحدة والولايات المتحدة وكندا وعدد من الدول الأوروبية، وتأتي أموال ومساعدات أيضاً من الأفراد في الخليج العربي، لدعم الكوادر الطبية والمتدربين.

مع المزيد من المساعدة من قبل المانحين الدوليين، بدأت المعارضة الداخلية في سوريا بتصميم المرافق الطبية، بطريقة تجعلها قادرة على تحمل هجمات لا هوادة فيها من قبل النظام. يقول "دبس": "لقد أصبح واضحاً أننا بحاجة إلى إنشاء مستشفيات آمنة تحت الأرض، وهذا بدوره سيخفف تأثير الضربات الجوية، سواء كان برميل متفجر أو صاروخ".

مشفى "الكهف المركزي" الذي شيد داخل كهف في ريف حماة تحت 55 قدم من الصخور والتراب

2015.. "هذا المكان سوف يتحمل"

من الداخل مثل أي مشفى، هناك سرير ومعدات تعقيم، والأرضيات والبلاط السيراميك. ولكن أنظر إلى السقف تراه على شكل قبة بحواف صخرية متعرجة، وثغرات تكشف داخل أحد الجبال في ريف حماة.

أطلق عليه الطبيب حسن الأعرج اسم "مشفى الكهف المركزي"، وتم افتتاحه في أواخر عام 2015، حيث القصف لا يمكن أن يضر بالموجودين داخل المشفى بعد الآن. طبيب القلب وزملائه والمرضى، الآن في مشفى تحت 55 قدم من الصخور والتراب، أما زوجة الطبيب "نجوى"، فأطلقت على المشفى اسم: "الرائعة".

وقال محمد ياسر الطباع، المؤسس المشارك في مشفى الكهف: "مهما كانت قوة القذائف والصواريخ، لن يحصل لنا شيء، ربما سيهتز المكان بعض الشيء فقط، هذا ما كنا نسعى إليه".

كلف بناء الكهف المركزي نحو نصف مليون دولار، حيث تعهد بها مجموعة من منظمات الإغاثة، بما في ذلك وحدة تنسيق المساعدة، ومديرية الصحة في حماة التابعة للمعارضة أيضاً، ضخت بعض الأموال التي تلقتها من الحكومة البريطانية في المشروع.

قام العاملون في المجال الطبي باستقدام عمال لحفر نفق في منطقة جبلية في الريف الشمالي، حيث الكهوف الصغيرة موجودة بالفعل، وذلك لإفساح الطريق للمستشفى، وبعد نحو عام من الحفر ونحت الصخور في الغرف والممرات، أصبح المشفى يتمركز الآن في قاعدة الجبل. ويستقبل حوالي 1500 مريض شهرياً من حماة وإدلب، معظمهم يتم علاجهم مجاناً. ويتضمن المشفى غرف عمليات للجراحة العامة وجراحة العظام، وحدة العناية المركزة، صيدلية، مختبر، جناح طبي، وغرفة تصوير أشعة، ويُدفع ما يقارب 50 ألف دولار شهرياً لتكاليف التشغيل، بما في ذلك رواتب الموظفين المتفرغين الذين يعيشون في المستشفى.

في جميع أنحاء سوريا، ازدادت الحاجة إلى حماية المستشفيات، وذلك بعد قرار موسكو بالانضمام إلى الحملة الجوية في عام 2015.

ومع ذلك، فقد فشل التصعيد الروسي بتدمير البنية التحتية لمناطق المعارضة، فمشفى الكهف المركزي ليست المثال الطبي الوحيد الموجود تحت الأرض، حيث انتقلت العديد من المستشفيات إلى الأقبية، أو إلى المصانع المهجورة.

بالنسبة لبعض المستشفيات، مثل إحسان في الغوطة الشرقية، فقد اضطرهم القصف الجوي إلى تفريق مرافق المشفى، فقد تبعد غرفة الطوارئ تقريباً 1000 قدم عن غرفة العمليات أو عن وحدة العناية المركزة.

يقول أبو زيد، ممثل اتحاد الأطباء السوريين الأحرار: "كانت استراتيجيتنا في اختيار مناطق مجهولة، حيث بقينا بعيداً عن المباني الحكومية تماماً، واستقرينا في الأقبية التجارية، المعامل، مشاغل الخياطة، أو أماكن أخرى مماثلة".

ويتم نقل المرضى والمصابين عن طريق سيارة إسعاف عبر الأنفاق التي تربط المرافق ببعضها البعض.

يقول موفق، جراح في دوما: "تفريق الموافق مفيد، فإذا ضُرب مكان واحد، هذا لا يعني أن المشفى تدمر كلياً، فقط قسم منه"، ويضيف: "إذا كنا في غرفة الطوارئ وتم ضربها، لا قدر الله، فهذا يعني أن هناك أقسام أخرى من المشفى سيتمكن العاملون فيها من إنقاذنا".

وتحدث الطبيب موفق عن مجانية عمل المشافي بالنسبة للعلاج الطبي الروتيني قائلاً: "معظم المرضى عادة هنا هم من الفقراء، وإذا لم نجرِ له العملية مجاناً، فهو غالباً لن يقوم بإجرائها لأنه لا يملك النقود لذلك".

وقد وضع الأطباء أيضا مقاربة منهجية وحلاً لتدفق المصابين إثر كل غارة جوية. يقول الطبيب "كلاس" في حلب: "على الفور نضع الموتى جانباً، ويتم إرسال الحالات الأكثر خطورة بسرعة إلى غرفة العمليات، وفي بعض الأحيان نرسلهم إلى مشافي أخرى في حلب أو إلى تركيا". وأشار الطبيب إلى أن العمل يكون أحياناً لمدة 40 ساعة متواصلة وخاصة أثناء القصف.

يذكر الأطباء أن اللقاحات والمطهرات والمضادات الحيوية غير متوفرة في كثير من الأحيان، وخاصة في المناطق المحاصرة مثل الغوطة الشرقية التي قطعت عنها طرق الإمداد منذ عام 2013 والتي تصل إليها مساعدات دولية غير منتظمة وغير كافية، ويتم تهريب الإمدادات الطبية إليها عبر خطوط النظام مقابل تكلفة مالية ومخاطر كبيرة، أما في مناطق مثل إدلب وحماة فالأدوات والمستلزمات الطبية تأتي في شاحنات من تركيا.

إذا لم يتمكن العاملون في المجال الطبي من الحصول على الإمدادات التي يحتاجون إليها، سيضطرون إلى ارتجال سبل جديدة لإنقاذ الأرواح. وقال ثلاثة أطباء أن مصانع صغيرة بدأت في الظهور في عام 2014 في ضواحي دمشق لإنتاج مواد مثل الشاش أو المصل التي كان من الصعب جداً استيرادها من خارج المناطق المحاصرة.

جرعات التخدير لا تزال غير كافية في الغوطة الشرقية، يقول طبيب التخدير "زاهر": "ولكن بدون تخدير، لا يمكن إجراء العمليات الجراحية، والمريض سوف يموت من الألم".

وقد حفزت النواقص في جرعات التخدير أيضاً الابتكار، حيث بدأ زاهر بإنتاج مخدر منخفض التكلفة من المكونات المتاحة لديه، وقال إنه اختبره في العمليات القيصرية وإن النتائج كانت على قدم المساواة مع الإصدار الأصلي. الأدوات المنزلية الأساسية أيضاً قد تنفع كمعدات طبية في بعض الأحيان، مثل جرار الزيتون، والمدنيين أيضاً تلقوا تدريبات للعمل الطبي خارج حدود ما يعرفونه أو ما كانوا يقومون به عادةً في حياتهم السابقة.

يقول زاهر: "نعقد ورشاً لتدريب المدنيين على التمريض، وفي كل بلدة أصبح معظم الناس لديهم خلفية عن إجراءات التمريض"، وظهرت مؤخراً مدارس وأكاديميات للتمريض بصفة أكثر رسمية، كالمدرسة التي افتتحت في إدلب العام الماضي، وتخرج منها 70 مسعفاً، ومعهد الصحة في الغوطة الشرقية الذي خرّج أول فوج مؤلف من 35 ممرض.

ويتم التدريب أيضاً من خارج سوريا، في أكتوبر 2012 عمل الطبيب أنس مغربية، وهو طبيب أمريكي من أصل سوري مقيم في ديترويت، بالتدريب عن طريق الكاميرات المزودة بالإنترنت، وأصبح طبيباً افتراضياً لأكثر من 40 حالة في سوريا.

انتشر البرنامج منذ ذلك الحين إلى سبعة مستشفيات، وهناك شبكة مكونة من أكثر من 20 متطوعاً في الولايات المتحدة وكندا، يقدمون المشورة الطبية باستخدام تطبيقات مثل فايبر وسكايب.

يقول الطبيب "مغربية": "طلبت منهم أن يغلقوا الكاميرا، لا أريد أن أرى المزيد من الدم في كل مكان، والمرضى على الأرض، هذا كثير جداً بالنسبة لي".

الطبيب "حسن الأعرج"، طبيب قلب بالتدريب، قتل في غارة جوية بتاريخ 13 نيسان 2016

2016.. "أين الخطأ وما هو القادم؟"

إن عمل الأطباء السوريين والعاملين في المجال الطبي الذين قرروا تحدي الأسد، بغرفة نوم وبعض المعدات، قد أصبح عملهم على سكين ذو حدين، تحت رحمة الغارات الجوية القادمة.

يقول أبو زيد: "عندما لا تظهر الطائرات في السماء، نتساءل، أين الخطأ وما هو القادم؟".

ومع ذلك، فإنهم باقون، حتى لو رحل الكثيرون، فبالنسبة للبعض، من الصعب جداً المغادرة الآن، وما يبقيهم في سوريا أمور كثيرة: عقيدتهم الدينية، الوقوف في وجه الظلم، أو إخلاصهم لعملهم.

وقال أبو إبراهيم بكر، الجراح العام في الغوطة الشرقية: " الناس الذين يعيشون هنا، هم أهلنا وشعبنا"، وأضاف: "كيف أترك عائلتي، شعبي، في هذه الحالة، تحت القصف؟".

مع كل فصل من التطورات السياسية والدبلوماسية، والعسكرية، وجد الأطباء السوريين سبلاً للاستمرار، وبغض النظر عن مدى عمق الأرض التي يعملون تحتها أو مقدار الدعم الدولي لهم، فهم ما زالوا غير آمنين.

نجوى وأطفالها، الذين ما زالوا يعيشون في تركيا، ليس لديهم إذن لعبور الحدود بانتظام للعودة إلى وطنهم، ولم يتمكنوا من حضور جنازة أو زيارة قبر أبيهم المتواضع: بلاطة صغيرة تجلس فوق كومة من التراب والحصى، مع بقع خضراء من الأعشاب تنتشر حولها، كتب على الضريح طبيب القلب: "الشهيد الدكتور حسن محمد الأعرج".


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق