مشاهدات في ليلة الانقلاب

مشاهدات في ليلة الانقلاب
القصص | 16 يوليو 2016

مع أنني أتجنب أن أكتب في الشأن السياسي مباشرة، وأفضل أن أكتفي في قراءات الراهن السياسي في الدين والثقافة، ولكن الأحداث المتلاحقة لا تسمح لك بترف الاختصاص، وتحرك قلمك بما يعصف في الضمير.

بالنسبة لي كان موقف الولايات المتحدة الأمريكية صادماً، ولم أفهم كيف تتصرف إدارة تقول إنها راعية الديمقراطيات في العالم بهذه الطريقة الانتهازية، وبدلاً من موقف حازم ضد العسكر، راحت تغازلهم وتدعو الى انتقال سلس وآمن للسلطة في تركيا!!

وخلال الساعات الأولى لم يظهر أي موقف دفاع عن الحريات وإدانة للعسكر، في بلد الحريات والديمقراطيات الكبرى في العالم، مع أن العسكر حينما يقومون بانقلاباتهم هذه لا يتوقعون من الدول الديمقراطية إلا الإدانة، وربما ينتظرون تكويعها بعد أشهر من نجاح الانقلاب وليس مع ساعات فجره الأولى!!

مؤسف أن السياسة تغلب المبادئ

اللحظة التي أعلن فيها الانقلابيون حظر التجول كانت اللحظة الحاسمة، فقد أرادوا نعي الحرية وافتتاح سوق الاستبداد وكان جواب الناس فوراً الرفض والنزول الى الشارع، ومواجهة الدبابات بالصدور العارية، ثقة بالحرية أولاً، وثقة بالجيش الوطني الذي لم يتلق أي دروس خاصة في سحق الناس على طريقة جيشنا البائس في العقائدية والثورية والمقاومة.

مشهد الشباب الذين ألقوا بأنفسهم أمام الدبابات من أجل قيم الحرية والديمقراطية، كان إيماناً بقيم الحرية وإيماناً بوطنية الجيش ومهنيته وحياده، بالطبع لم يكن ذلك ممكناً في جيش فاسد يحتقر إيمان الناس وتباع فيه الرتب ويفيش العساكر.

الحرية قيمة إنسانية ودينية ووطنية، متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً

مشهد قائد الانقلاب وقد أحيط به وتم اعتقاله يوحي ببلد يحكمها القانون وليس الغرائز، لم يكن مصفوعاً ولا مرفوساً ولا مصاباً ولا نازفاً ولا حتى مكلبشاً، لقد كان يعلن نهاية الانقلاب ويطالب رجاله بالاستسلام ويعدُّ كلماته التي سيقولها أمام القضاء.

العدل ملح الأرض، ومن أجل هذه الحقيقة أرسل الله الرسل بالبينات وأنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط.

مشهد المعارضة التركية التي تختلف اختلافات حادة مع أردوغان ولكنها اختارت الوقوف الى جانبه ضد العسكر، فحين تنعى الديمقراطية لصالح البسطار لن تحلم بالحرية مرة أخرى. أعتقد أنهم يكسبون الكثير بموقفهم هذا، ويؤسسون لقيم العدالة ويرسخونها في المجتمع التركي.

الديمقراطية تكتسب مزيداً من الاحترام، وتترسخ أنطولوجياً واحدة من القيم الخالدة في التراث الحضاري الإنساني

مشهد أنصار الاستبداد الحاكم في سوريا الذين خرجوا يهتفون للعسكر وينعون الحرية، تحركهم غرائز الانتقام والثأر، مع أنهم ليس لهم في هذا التغيير ناقة ولا جمل، ولكنها ثقافة الاستبداد التي تلم المتعوس على خائب الرجا، ولا يجني منها الا الحنظل.

ولكن الجانب الأهم من وجهة نظري أن العدالة والتنمية لم يعتصم بالخطاب الإسلامي الغرائزي، ولم يخرج المشايخ الى الشوارع يطلقون وعيد جهنم على الانقلابيين، ولم يتصدروا المنصات الغاصبة والمنابر الإعلامية بعمائمهم وتلاواتهم، ولم يظهر مفتي تركيا ليتلو على الناس نصوص السماء ليقود حراك السياسة، ولم يتكئ أردوغان على بيانات المجالس الإسلامية والطائفية والروحية التي ثبت أنها أكثر البيانات حولاً وضياعاً في الأزمات، وأنها تسيء للنص الديني وتحشره في تأييد المواقف السياسية المتحولة، وتبعده عن رسالته في قيادة الأخلاق. 

من وجهة نظري كان مشهد الديمقراطية الليلة أوضح الأمثلة على نجاح تمييز الدين عن السياسة والسمو بروحه العالية عن أطماع السياسيين وتجاربهم، وكان بمثابة تأكيد صارم أن العدالة والتنمية نجح في تحويل مبادئ الديمقراطية إلى قيم أخلاقية اجتماعية يفهمها المجتمع ويناضل في سبيلها الناس عن يقين وبصيرة.

*مقالات الرأي المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر "روزنة".


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق