الصحفيون يشتكون من رقابة جديدة في المناطق التابعة للمعارضة

الصحفيون يشتكون من رقابة جديدة في المناطق التابعة للمعارضة
تحقيقات | 13 يونيو 2016

يقول الصحفيون في المناطق التابعة للمعارضة السورية أنهم يعملون تحت رقابة شديدة ويتعرضون للتهديد كما لو أنهم في المناطق التابعة لنظام بشار الأسد. 

عقد العديد من السوريين آمالاً بأن الثورة السورية ستحقق كل أشكال الحريات، منها حرية الإعلام، ولكن هذه الآمال ضاعت هباء منثوراً خلال السنوات الماضية. حيث يقول الصحفيون المتواجدون في المناطق التي تسيطر عليها فصائل المعارضة المسلحة التي تختلف فيما بينها -بدءاً بالفصائل الوطنية والإسلامية، مروراً بالفصائل العرقية الكردية والفصائل الإسلامية مثل جبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية- بأنهم يتعرضون إلى درجات مختلفة من التدخل بعملهم، وفي بعض الأحيان إلى التهديد بالعنف. 

كانت الصحافة في سوريا تستخدم كأداة بروباغاندا للنظام السوري على مدى عقود. ولكن في عام 2011، وجدت الصحافة المستقلة -التي ازدهرت بعد انتشار الثورات في العالم العربي في ذلك العام- طريقها إلى سوريا. ولكن بعد أن تحولت الثورة السورية إلى حرب، بدأت القيود على عمل الصحفيين بالتزايد بشكل تصاعدي. 

تتقاطع وتتداخل مناطق سيطرة عشرات الفصائل المعارضة المسلحة في الجنوب السوري، حيث يقول الصحفيون بأن هناك الكثير من التوتر في تلك المناطق. في محافظة درعا على وجه التحديد حيث أصبحت الأوضاع أكثر استقراراً بعد أن سيطرت الفصائل المعارضة على المنطقة بالكامل، ظهرت تقارير تؤكد قتل عدد من الناشطين الإعلاميين. 

في النصف الثاني من عام 2014، قتل ناشط إعلامي يدعى أحمد المسالمة برصاص مسلحين مجهولين في درعا. بعد فترة زمنية قصيرة، قتل ناشط آخر يدعى قيصر حبيب، في سريره في المشفى، على أيدي مقاتلين في فصيل محلي تابع للجيش الحر، تشكل هذا الفصيل من عدد من الضباط والعساكر المنشقين عن جيش النظام. 

وفي الغوطة الشرقية التي لا تزال تحت الحصار الذي فرضته قوات النظام، "هناك رقابة داخلية بسبب الخوف"، هكذا قال محمد لسيريا ديبلي. محمد ناشط إعلامي من الغوطة، طلب عدم ذكر اسمه الكامل لأسباب أمنية. على الرغم من أن الرقابة الموجودة غير ممنهجة، ولكن العديد من المجموعات تحاول السيطرة والتأثير على عمل الصحفيين. في شهر تموز 2015، قام جيش الإسلام، الذي تشكل بتحالف فصائل إسلامية تنشط بشكل أساسي حول مدينة دمشق، بإعتقال المواطن الصحفي أنس الخولي واتهامه بالمشاركة في التخطيط لإغتيال قائدهم. ولكن يعتقد أن السبب الحقيقي وراء اعتقاله تغطيته للمظاهرات التي خرجت ضد جيش الإسلام. 

وفي الشهر الأول من هذا العام، تم اعتقال الناشط الإعلامي عبد المعين حمصي في الغوطة الشرقية. سبب اعتقاله كان تقرير فيديو ساخر قد أنتجه يستطلع فيه آراء الأهالي حول مستقبل سوريا بالمقارنة بين بشار الأسد وأبو بكر البغدادي. تم إتهام عبد المعين بالإساءة للثورة السورية وسجنه لعدة أيام مما تسبب بخسارته لعمله. كما تم منع المحطة الإعلامية التي بثت الفيديو من العمل في المنطقة، وتعرض أحد الرجال الذين ظهروا في الفيديو للضرب من قبل رجال مسلحين.

هناك أيضاً تقارير عن الرقابة والتهديد في المناطق الواقعة تحت سيطرة الأكراد في المناطق الشمالية من سوريا. 

حيث شهدت المناطق الكردية تاريخاً طويلاً في النشاط الإعلامي قبل بدء الحراك في سوريا عام 2011، ونشر وقتها صحفيون مواطنون صحف تنتقد نظام الأسد وتطرح قضايا إجتماعية وسياسية كان يمنع تداولها في الداخل السوري. ولكن بعد أن تم إعلان منطقة حكم ذاتي للأكراد، لم تعد الأصوات المعارضة في وسائل الإعلام المحلية شائعة كما كانت سابقاً.

مصطفى عبدي، صحفي من مدينة كوباني الواقعة بالقرب من الحدود التركية والتي تقع تحت سيطرة وحدات حماية الشعب الكردية منذ عام 2012، قال: "الوسائل الإعلامية المحلية سواء المستقلة أو التابعة لأحد الأحزاب الكردية جميعها تعمل لصالح السلطات".

يعتقد مصطفى بأن المشكلة الأساسية التي تعيق عمل الناشطين الإعلاميين في مناطق الحكم الكردي الذاتي هي العلاقة الوطيدة بين وسائل الإعلام والسلطات والأحزاب السياسية. حيث قال: "حتى هؤلاء الذين لا ينتمون بشكل رسمي إلى أي حزب سياسي، يقبلون ويدعمون أي شيء تفعله السلطات. هم لا يعالجون القضايا السياسية والإجتماعية كما يجب".

أنشأت منطقة الحكم الذاتي الكردية مديرية خاصة بالإعلام، قامت بدورها بإلغاء تصاريح عمل جميع المؤسسات الإعلامية والمراسلين، ودعتهم لتقديم طلبات للحصول على تصاريح عمل جديدة وفق مجموعة من القوانين التي تحدد مسؤولية السلطات في متابعة عمل الصحفيين.  

ولكن الصحفيون المتواجدون في المناطق التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية هم الأكثر خوفاً على حياتهم، حيث يحتكر تنظيم الدولة جميع الوسائل الإعلامية، بعد أن قام بتقسيم المناطق الواقعة تحت سيطرته إلى ولايات، ولكل ولاية مكتب إعلامي مسؤول عن جميع الأخبار والتقارير التي يتم تصويرها داخل الولاية. ويمنع تنظيم الدولة أي نشاط خارج نطاق شبكته الإعلامية، هذا وقد أغلق عناصر التنظيم آخر محطة إعلامية تابعة للمعارضة في دير الزور وصادروا جميع معداتها. تعمل بعض المنظمات الإعلامية الرسمية وشبه الرسمية في مناطق سيطرة التنظيم، مثل وكالة أعماق ومجلة دابق التي يتم نشرها بأربع لغات. جميع هذه الوسائل الإعلامية تعمل على نشر بروباغاندا التنظيم. 

على الرغم من أن العمل الصحفي المستقل في المناطق الواقعة تحت سيطرة تنظيم الدولة شبه مستحيل، إلا أن بعض الصحفيين يعملون بشكل سري. ذكرت بعض التقارير أن التنظيم يجبر الصحفيين على مبايعته على العمل وفق قوانينه، حيث يجبرهم على عرض تقاريرهم على مكاتبه قبل إرسالها إلى أي جهة إعلامية خارجية، ويعاقب التنظيم من يقوم بذلك دون مراجعة المكتب الإعلامي التابع للولاية. بعض الصحفيين الذين تجرؤوا وعملوا بالخفاء تم اعتقالهم أو قتلهم، وفي بعض الحالات بعد فرارهم إلى أحد دول الجوار. قتل الصحفي ناجي الجرف في 27 كانون الأول/ديسمبر2015 في مدينة غازي عنتاب التركية حيث نزح بعد أن قام بتوثيق الإنتهاكات التي قام بها التنظيم في مدينة حلب. 

ينتشر مقاتلو جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة في معظم المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة في البلاد، وتزداد قوة النصرة كلما اتجهنا شمالاً حتى تبلغ ذروتها في حلب وإدلب، ويعود ذلك إلى وجود العديد من الفصائل التي تشارك جبهة النصرة معظم مبادئها الأيديولوجية في المناطق الشمالية. 

أحمد، ناشط إعلامي من مدينة حلب، قال: "لا يمكننا  التنبؤ بما تخطط له جبهة النصرة على الإطلاق". تمنع جبهة النصرة أي تقارير تنتقد نشاطاتها أو مضايقاتها للمدنيين والصحفيين. ثم أضاف: "على الصحفيين أن يكونوا حذرين عند نشر أخبار تخص أحد الفصائل المقاتلة". 

قام عناصر جبهة النصرة بتفريق مظاهرة احتفالية بالذكرى الخامسة للثورة السورية في مدينة معرة النعمان شمال غرب البلاد، كما قاموا بضرب الناشطين الإعلاميين واعتقلوا بعضهم. حدث هذا قبل بضعة أيام من هجوم جبهة النصرة على الفرقة 13 التي تقاتل في معرة النعمان في محاولة لإخراجهم من المنطقة. بدأت هجمات جبهة النصرة على معرة النعمان بالتزايد مما أدى إلى خروج موجات من المقاومة المحلية العلنية ضدها. 

وفي بداية هذا العام قام عناصر جبهة النصرة بمداهمة مكتب راديو فريش في كفرنبل الواقعة بالقرب من معرة النعمان، وصادروا معدات المكتب واعتقلوا مدير المحطة رائد الفارس بسبب "خرقه لآداب الشريعة" في أحد منشوراته على الفيسبوك، بالإضافة إلى بث أغاني على محطة الراديو التي يديرها. 

بما أن تعارض آراء الصحفيين مع جبهة النصرة قد يضع حياتهم في خطر، يلجأ البعض إلى إدعاء إتباع العقيدة ذاتها ليتمكنوا من متابعة عملهم سراً. "على الصحفيين أن يحافظوا على علاقات جيدة مع قيادات الفصائل المسيطرة" هكذا قال ابراهيم، ناشط من إدلب، ثم أضاف: "إذا لم يكن لديهم علاقات مع قيادات الفصائل، لن يتمكنوا من العمل، ببساطة". 

تتألف المجموعة الإعلامية السورية المستقلة من خمس مؤسسات إعلامية مستقلة، تعمل معاً من أجل تسليط الضوء على قصص لا حصر لها من البلد الذي مزقته الحرب: "أريج" إعلاميون من أجل صحافة إستقصائية عربية، إذاعة روزنة، سيريا ديبلي، سيريا انتولد، مركز توثيق الانتهاكات في سوريا. والمشروع مدعوم من دعم الإعلام الدولي.


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق