الأسرة العربية.. بين الثقافة الشرقية والقوانين الألمانية

الأسرة العربية.. بين الثقافة الشرقية والقوانين الألمانية
القصص | 13 مايو 2016

وصل عدد الذين يحملون جواز سفر أجنبي في ألمانيا مع نهاية 2014، إلى أكثر من 8 مليون شخص، وقد أصبح الجزء السوري و العراقي جزءاً مهماً في السنوات الماضية، بعدما كان الأتراك والبولنديون في الطليعة. وعليه فقد أصبح مفهوم الاندماج حاضراً في وسائل الإعلام، وعلى طاولة البحث العلمي السيسيولوجي والسيكولوجي بشكل خاص.

لا يعاني الآتي من بولندا أو من إيطاليا مع عملية التأقلم في ألمانيا كما يعاني العربي ذو الأصول الثقافيّة المختلفة بشكل كبير عن الأوروبية، ويأتي في طليعتها المفاهيم والأعراف المتعلّقة بالأسرة و ما يندرج تحت هذا المفهوم من التراتبية المتعارف عليها في الأسرة العربية، وتوزّع المهام و السلطة والموقف من المرأة، (الزوجة , الابنة, أو الأخت) وصولاً إلى حقوق الطفل، ففي هذا النقطة بالذات يعاني المهاجرون بشكل خاص، حيثُ أنّ مفهوم حقوق الطفل وحمايته مختلف ومغاير عما يعرفه المهاجرون، فلا يستوعبون مثلاً، أن تتدخّل الحكومة في أحايين كثيرة، قد تصل ببعضها إلى أن تقرر الحكومة إخراج الطفل من أسرته وتولّي رعايته.

في الثقافة الشرقية، تتميّز الأسرة كخليّة اجتماعية، بحدودٍ أكثر حدة وصلابة منها في الغرب، كما يعتبر الأبوين الوصيين الأساسيين في عملية تربية الطفل والعناية به، هذا من ناحية، من ناحية أخرى لا توجد معايير واضحة ومتقدّمة بما يتعلق بصحّة الطفل الجسديّة و النفسية، فالتربية لا تعتمد المقاييس العلمية كما الغرب، بل مقاييس أخلاقية ذات منبع ديني أو نظريات نفسية (شعبية) لا تعتمد المقاييس التي أنتجها البحث السيكولوجي، أو لنقل لا يتم تفعيل هذه المقاييس الراهنة في ممارسة العملية التربوية. فتسمع أُمّاً تقول لمعلّم ابنها, "لك اللحم و لي العظم" ككناية عن حرية معاقبة الطفل مثلاً.

هذا الفعل هو فعل يعاقب عليه القانون في المانيا ويندرج تحت مادة تعرّض صحة الطفل للخطر (kindeswohlgefährdung).

هذا القانون يقول: "تكون  صحة الطفل (0 ـ 18 سنة) في خطر عندما تكون نتيجة فعل أو عدم الفعل، من قبل الوالدين أو شخص آخر ذو أثرٍ كبير على صحّة الطفل"، فيحقّ للحكومة التدخّل ونزع حقّ الحضانة أو الرعاية من هؤلاء"، كما أن الطفل يعتبر في خطر عندما تكون نتائج الفعل أو عدم الفعل كبيرة و ذات أثر على تطوّره، ويجب أخذ العامل الزمني بهذا السياق، حيث أن الفعل و النتائج قد تكون في الماضي، الحاضر أو المستقبل".

في هذا السياق تعتبر صحّة الطفل الجسديّة والنفسيّة مهمّة الحكومة (دائرة الأسرة والشباب) في حال عجز الأهل عن القيام بهذه الوظيفة، وهنا تؤخذ المعايير الألمانية وليس المعايير الإسلامية أو الشرقية بعين الاعتبار. فمثلاً تعتبر السيّطرة أو التحكّم (Manipulation)، وفق المعايير التربوية الألمانية من السلوكيّات التي تعيق تطور الطفل، وتعد خطرة عليه وتستوجب تدخّل الدولة. طبعاً لابد من التذكير أن جميع أنواع العقوبات الجسدية والقسر النفسي تعتبر من السلوكيات المحرّمة تربوياً في ألمانيا، وهنا لا يحتاج الطفل لأن يذهب الطفل إلى الشرطة أو يقدّم شكوى بل يكفي أن يشتكي أحد الجيران، إن سمع صراخاً لدى جيرانه، ليتدخّل مكتب الرعاية الاسرية ذو الصلاحيات الواسعة كما أسلفنا.

لا يفهم الآباء سلوك الحكومة هذا ويعتبرونه تدخّلاً في شؤون الأسرة الخاصّة، ويعود هذا إلى فارق الثقافة المجتمعية كحقوق الأنثى والطفل، هذه التي تجد جذور شرعية لها في الثقافة الدينية والذكورية، فلا الأب ولا الأم يملكون أطفالهم في هذا المجتمع، بل عليهم واجب العناية بهم ولا تختلف الأهمية النفسية "التطورية" لركوب الدراجة او الذهاب الى المسبح  باختلاف جنس الطفل.

يعود هذا الاختلاف في الفهم إلى مفاهيم ثقافيّة مختلفة بما يخصّ الأولويات، فالأسرة (الشرقية) واستمرارها والحفاظ على صورتها الاجتماعية تتقدّم على أهمية تطوّر الفردية، لأعضائها بعكس الأسرة الالمانية التي تأتي في درجةٍ متراجعة لصالح فردية أعضائها.

في هذا المجتمع الجديد، ولا يختلف الوضع في الدول الأوروبية الأخرى كثيراً عنه في ألمانيا، يتعرّض المهاجرون الآباء الى خطر فقد حق رعاية أطفالهم ويتم إخراج الاطفال في حالات كثيرة من المنزل، إلى دور العناية، وذلك نظراً لجهلهم بجملة القوانين الناظمة في المجتمع الجديد، وهنا تقع على الحكومة في الدرجة الأولى مسؤولية تثقيف المهاجرين على هذا الصعيد ومهمة تطوير قوانين تراعي خصوصية الأسرة الشرقية وتحافظ على حقوق الطفل في آن واحد.

*مقالات الرأي المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر "روزنة".

 


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق