حكاية بنت البلد

حكاية بنت البلد
القصص | 30 أبريل 2016

كان هناك مركز للرعاية الاجتماعية، في منطقة الدويلعة في دمشق، له ساحة متوسطة الحجم فيها كشك صغير ثم مدخل، يضم العديد من الحالات المرضية التي لا يوجد لها علاج، بالإضافة للمسنين وذوي الاحتياجات الخاصة، كانت تلك المرة الأولى التي تصطحبني رزان معها إلى هناك، بعد أن أنهت كتابة تحقيقٍ صحفي عن نوع الخدمات التي يقدمها، ثم أصبحت تزوره بشكل دوري بعد أن نشأت صداقة لطيفة بينها وبين النزلاء، عُدت لزيارة المركز معها مرتين فقط، كانت تجربة جميلة بالنسبة لي ومفاجئة.

إحدى المريضات في المركز، كانت طفلة في التاسعة من العمر أصابها مرض الشيخوخة فأصبح شكلها كعجوز في الثمانين من العمر، إضافة للعديد من الحالات المرضية التي تعاطفت رزان معها وشعرت بضرورة مدّهم بالأمل، كأحد النزلاء واسمه نورس شاب جميل الوجه ومثقف، يعاني من إعاقة في قدميه، كان يبدأ بنقاشاته الطويلة مع رزان ويشعر بالفخر جدا عندما يشعر أنها تستمع إليه، وبأنها مقتنعة بوجهة نظره حيال أمر ما، لم يكن المركز الأول الذي زارته رزان بل سبقه مركز آخر للأيتام، كانت الكتابة عنه السبب في منعها من الكتابة في جريدة البعث، لأنها كشفت في مقالها عن الظلم الذي يحدث فيه، وعن السرقات التي تقوم بها مديرة المركز. 

إحدى عاداتنا، كانت أن تأخذني معها في مشوار كلما شعرتُ بالملل إلى حارات دمشق القديمة، وكنا نستمتع بتناول الفول النابت الساخن من العربات الجوالة ونشتري أشياء بسيطة من الأسواق التي نمر بها، تبنت رزان في تلك الفترة محاربة تسول الأطفال وإعادة حقوقهم المسلوبة منهم، بالتعلم والبيت الآمن، وعملت كل مابوسعها، إلى أن تمكنت من مساعدة مجموعة من الأطفال كي يستعيدوا حياتهم الطبيعية، بعيدا عن الذل والتسول.

بعد عدة سنوات، أصبحت رزان محامية، وبدأت تستلم عدة قضايا من معتقلي الرأي، كانت الأعداد كثيرة جدًا، في كل يوم كنت أشعر بالدهشة لهول ما تراه وتستطيع تحمله، أقسم أنها عاشت معاناة الجميع وشعرت بكل جوارحها بما يشعرون، أذكر جيدا الخالة أم سعيد، التي كنت أعرفها منذ الطفولة، وهي تنتظر ابنها المغيب عنها ولاتعرف مصيره، أذكرها وهي تقسم بالله في كل مرة نزورها بأنه حيّ، رغم أن أحداً لا يعرف عنه أي شيء، والنظام لم يكن يعترف به أساساً، عندما تولت رزان السؤال عنه كانت تشعر بالحزن في كل مرة تزور الخالة فيها،  وكان حزنها عميقا عند وفاة الخالة أم سعيد دون أن تستطيع أن تطمئنها عنه.

وفي احدى المرات، ظهر معتقل سابق يدعى فارس مراد، ترك أثراً كبيرا في رزان، قد يكون وضعه الصحي السيئ هو سبب تعاطفها معه، اذ أنه اعتقل لمدة 29 عاما وحين أفرج عنه كان مصاباً بمرض التهاب الفقار اللاصق، الذي جعله محني الظهر، ويعاني من ضيق في التنفس نتيجة انضغاط رئتيه، غير قادر على العمل ولا الزواج ولا الاستمتاع بحريته المفترضة بسبب المرض دون أي فرصة لعلاجه في سوريا ومنعه من السفر خارج البلاد كي يتعالج.

حاولت رزان استشارة العديد من الأطباء الذين نعرفهم، على أمل أن تستطيع المساعدة، ولكن لم يكن ثمة أي أمل بعلاجه داخل سوريا، أذكر لحظة زيارتي ووالدتي، محل فارس الذي افتتحه في منطقة حرستا بريف دمشق، كبداية لحياة جديدة، شجعته عليها رزان وأصدقاؤه من حوله كان المحل يضم بعض التحف الصغيرة وبعض الأشياء البسيطة، لم أستطع مقاومة الشعور بالسعادة حين رأيت انعكاس الأمل في عينيه  في ذلك الوقت.

في نفس العام الذي أفرج فيه عن السيد فارس، كان قد تم الإفراج عن السيد عماد شيحة أقدم معتقل سياسي، تَابعت رزان نشاطه في الفترة الأولى وحَضرت الندوات التي شارك فيها. وبعد فترة وجيزة،كان عماد قد أتم كتابة العديد من الروايات التي بدأها في سجنه، وكانت بحاجة لتنقيح وتنضيد ونشر، وفعلاً هذا ما قام به فور الإفراج عنه، إذ أنه أصدر عدة روايات كان لي شرف قراءة روايتين منها وتنضيد إحداها، لم أعرف بعد ذلك أي شيء عن عماد .

هذه لمحة عن رزان الإنسانة، رزان بنت البلد، التي تم خطفها وزوجها وائل وزميليها ناظم وسميرة من مكتب عملهم، من داخل دوما التي لم يستطع أحد فيها رد الأذى عنهم ولا حمايتهم، ولم يعترف جيش الإسلام حتى اليوم بخطفها أو فتح تحقيق خاص بشأنها.

*مقالات الرأي المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر "روزنة".


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق