النقل أم العقل

النقل أم العقل
القصص | 23 أبريل 2016

حل الدكتور محمد شحرور ضيفاً على ندوة دبي يوم السبت الماضي، وكانت مناسبة للحوار العميق حول المستقبل السوري بين احترام القيم الإسلامية وبين مطالب الحركات الأصولية في الحاكمية وتطبيق الشريعة.

كان مثل هذا اللقاء قبل سنوات ممنوعاً في سوريا، حيث تمت محاكمة الرجل عبر الكهنوت الديني بتهمة الردة واعتبر هرطوقاً خارجاً على الملة، وكتب المرحوم الشيخ سعيد رمضان البوطي سلسلة مقالات تفضح كتب الشحرور بأنها ماسونية ومصنوعة في الغرب وأنه استدعي على عجل ليوضع اسمه على الكتاب الذي تم تأليفه في دوائر المخابرات الغربية والعالمية.

وهكذا كانت صيغة المؤامرة تحكم تفكيرنا وتمنعنا أن نتصور أنه يمكن أن يكون سوري ما قد حمل أفكاراً مختلفة وأنه يدافع عنها ببسالة بعد أن غدا مقتنعاً بما تدل عليه.

ويجمعني بالشحرور أفكار متعددة في تطوير الخطاب الديني، وإن كنت أخالفه بشكل حاد في موقفه من السنة النبوية ودور النبي الكريم في التشريع، كما أخالفه في موقفه من التشكيك بالفقه الإسلامي التاريخي وجدواه، وأطالب باحترامه وتقديره وتقدير جهود الفقهاء عبر التاريخ، ولكنني أتفق معه في ضرورة الثورة على التقليد الديني والدعوة للاجتهاد والواقعية في الخطاب الإسلامي، وكانت هذه المشتركات تدفع كثيراً من الاصدقاء لجمعنا في سلة واحدة، واشتهرت بين طلاب العلم الشرعي مقولة ناعمة ضاحكة: احذروا الطيور الثلاثة الشحرور والحبش والحسون!

وأود أن أضع بين يدي القراء الكرام جانباً مما قلته في الندوة عقب اللقاء.

يطرح الدكتور شحرور قراءته للإسلام على أنه فهم دقيق لدلالات النص المستقيمة، وقد تمكن الرجل من بناء نظرية هرمونوطيقية في فهم النص القرآني تنفي عن النص القرآني الترادف والحشو والكذب والغلو، وتميز بدقة بين النبي والرسول، فالأول بوصفه حاكما زمنياً يجتهد في الحكم والسياسة والمجتمع، ولا يلزم اجتهاده الناس في شيء، فيما يكون في مقام الرسول مبلغاًعن ربه وهنا فرسالته ملزمة للناس وفق منطوق القرآن الكريم بصرف النظر عن تطبيق الرسول الكريم لها.

وفي حواره الأخير لا يذكر الدكتور شحرور اسم الرسول محمد إلا بصيغة سيدي رسول الله، وهي أرقى ما يقوله المحب لصاحب الرسالة عليه أعظر الصلاة والسلام.

قلت في تعقيبي على ما قاله الدكتور شحرور إن إعادة إنتاج التأويل القرآني على خلاف فهم الناس مهما كان معززاً ببراهين اللغة وحججها لن يقود إلى جدل حيوي وسيعيد إنتاح سلفية أخرى تتقاطع مع السلفية التقلديية وتؤدي دورا اصطفافياً مماثلاً.

الفقهاء خلال التاريخ فهموا قطع يد السارق من النص والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله، ولكن الدكتور شحرور قدم دراسة لغوية عميقة تثبت أن القطع لا يعني البتر وقطع الأيدي، وإنما قطع قدرتهم على السرقة. والفقهاء خلال التاريخ كله قالوا إن الحجاب من شعائر الدين، فرضاً أو سنة أو أدباً كريماً، ولكن الشحرور يقول اليوم إن القرآن جاء بإلغاء الحجاب، والفقهاء خلال التاريخ كله قالوا إن الصيام ركن في الدين وفريضة مكتوبة، ولكن الشحرور انتهى به الاجتهاد أن الصوم رياضة روحية وبدنية فمن شاء صام ومن شاء دفع الفدية.

وليس اعتراضي على جرأة الطرح والفهم، فالاجتهاد لا يحلو إلا حراً جريئاً، وإلا فهو قفزة داخل القفص، ولكن يجب أن نعلم أننا هنا ندفع بسؤال منطقي لا يمكن التهرب منه وهو: ما ذنب هذه المليارات من الناس التي قامت خلال التاريخ بتطبيق هذه الأحكام قبل ان ينكشف هذا الطريق المستقيم لفهم النص؟ وقبل ان تتضح دلالات الاصطفاف الترادفي الذي تقوم عليه النظرية؟

ان اللازم المنطقي لهذا التصور يعني بداهة ان النص القرآني غير مبين، وأنه تم فهمه من قبل غالبية ساحقة من الناس على خلاف ما قصده منزله، وهذا يتضمن إساءة بالغة لقدسية القرآن وعصمته.

حين يصدر النص القانوني بصيغة مبهمة فيفهمه الناس المكلفون بتطبيقه فهماً سقيماً فهذا يعني أن صاحب النص عاثر، وأنه عجز عن كتابة نص مفهوم، وأنه ترك الناس يتخبطون في فهوم مناقضة ولم يتصرف إزاء ذلك بشيء.

وحين يكون الأمر مرتبطاً بالله تعالى فلنا أن نتساءل أين ضاع عناء الناس خلال القرون، وما ذنب الأيدي التي بترت والظهور التي جلدت وما ذنب الملايين وهم يصومون رمضان ويلتزمون الحجاب ابتغاء طاعة الله، وتبين بعد هذه القرون أن القراءة العميقة للقرآن لا تستلزم ذلك كله وأن القرآن في الحقيقة ألغى الحجاب وألغى الصيام ولكن الناس خلال القرون المتطاولة ظلوا يفهمون النص على عكس مراد صاحبه بشكل منكوس.

إنني لا أختلف مع الدكتور شحرور في مسألة التحول إلى العقوبات الإصلاحية بدل العقوبات الجسدية في الجلد والرجم والقطع والصلب، ولكن دون أن أزعم أن هذا هو ما أراده القرآن، ولا أختلف أيضاً في أن الحجاب أدب كريم وليس ركناً من أركان الدين، ولكنني أتناقض تماماً مع الأسلوب الموصل لهذا التطبيق، ولا أستطيع أن أسلك سبيل التوليد اللفظي الجديد على الرغم من قيمة النتيجة التي يأخذك إليها.

هرمونوطيقياً هناك ثلاث مدارس منطقية للتأويل: الأول الكلام على مراد قاءله، والثاني الكلام على فهم المتلقي، والثالث الكلام على قواعد اللغة الصارمة، ومن الواضح أن الدكتور اختار الثالثة، ولكنني لا أعتقد انها الخيار المستقيم، فالكلام هنا ليس ملكاً للغة، وليس تراثاً منسوباً لمجهول حتى نحكمه بقواعدها الصادمة كما لو كان بلا أب ولا ام، بل هو نص تشريعي حكم ظاهره كثيراً من بلاد العالم خلال قرون طويلة وهو اليوم جوهر ما يطالب به الإسلاميون في كل حركات الإسلام السياسي في العالم، ولا نستطيع أن نفهمه بعيداً عن فهم الجماهير لأنهم في النهاية موضوع خطابه، وحين يتعثرون في فهمه، ويمضون قروناً في فهمه على غير مراد منزله فلا مندوحة من ملامة صاحب التنزيل لأنه يكتب لهم ما لا يفهمون.

وحين نقول إننا فهمنا الصواب الذي لم تفهمه القرون الخالية فإننا بشكل أو بآخر نعكس شكوكاً لا تنتهي بالعقل الإسلامي الذي ظل يتعاطى بغباء مع النصوص المقدسة ويفهمها عكس معناها على الرغم من أنه المكلف بها والمقصود منها.

ومع أن الدكتور شحرور ظل حذراً فيما يتصل باحترام السلف ولكن الذين يتابعون هذا الفهم لا بد أن يتورطوا في تسخيف العقل الإسلامي خلال التاريخ، وقد أصبحنا اليوم نقرأ لهم عبارات ظالمة تعكس موقفاً حاقداً لاناقداً، تتهم أئمة الرواية والفقه كالبخاري ومسلم والشافعي وابن حنبل بالإجرام والتآمر على الإسلام والتواطؤ عليه وبيع الدين بالدنيا والتأكل من الدين، وأتمنى على الدكتور شحرور أن يكتب شيئاً في إنصاف هؤلاء الأئمة الكبار، الذين كانوا في الحقيقة أمناء على الرواية ونالوا احترام الناس لقيامهم بعملهم على وجه مسؤول دون أن يلزم ذلك اتباع اختياراتهم أو مواقفهم الفقهية.

إنني أفضل ان أفهم النص تماما كما فهمه الناس، وأفضل أن أخضعه دوماً للتجديد والتطوير في كل عصر، كما هو الحال خلال التاريخ الإسلامي،  وقد كتبت قبل أسابيع بحثاً عن 80 حكماً شرعياً تم تطويرها خلال التاريخ الإسلامي ولا زالت تتطور على الرغم من أن دلالة النص القرآني واضحة، وظاهرها يناقض ما فعله الفقهاء، ولكن يجب القبول بتطور الدلالة وفق ظروف الزمان والمكان التي تتبدل كل يوم وفق قاعدة لا ينكر تبدل الأحكام بتبدل الأزمان.

قناعتي أن الكارثة نشات من مكان آخر، وهو غياب دور العقل والغلو في دور النص، مع أن جدل العقل والنقل بدا منذ فجر الإسلام الأول، وقاده الإمام الجليل أبو حنيفة امتداداً لفقه عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز، ومارس دوراً شجاعاً في إطلاق مدارس العقل في مواجهة الاستسلام لظاهر النص، وأطلق الاستحسان واعتبره تسعة أعشار العلم، وبنى عليه عشرات الأحكام الفقهية المخالفة لظاهر النص، تأسيساً على قاعدة حيث ما كانت مصلحة الأمة فثم شرع الله، وأنتم أعلم بامور دنياكم، والشاهد يرى ما لا يراه الغائب، وهذه كلها قواعد شرعية محترمة عند جمهور اهل العلم.

لا أعتقد أن إعادة تأويل النص مسالة مجدية، فالنص كما فهمه الناس، بجمهورهم الغالب، ولكن دور النص لا ينبغي أبداً أن يتناقض مع جوهر العقل ورسالته، وحين يتناقض العقل مع النقل فإن علينا ببساطة أن نأخذ حكم العقل وفق فهم الغالب من المثقفين والعلماء كل في اختصاصه، وهذا هو منطق الشورى القرآني، ثم نحمل النص على زمانه الذي نزل فيه والجمهور الذين توجه إليهم الخطاب، وظروفهم القديمة تجربة إنسانية هادية ودليلاً كريماً للإيمان.

هذا بالضبط ما فعله الرسول الكريم عندما نسخ نحو عشرين آية كريمة بعد أن تغيرت الظروف التي نزلت لأجلها، وهو بالضبط ما قام به العلماء والفقهاء بعده عبر آليات مشابهة كتقييد المطلق وتخصيص العام وتأويل الظاهر وفي النهاية الحكم بالمتشابه الذي نرد علمه إلى الله ونتوقف عن إعمال ظاهره، وهو منهج الأصوليين خلال التاريخ الإسلامي.

يجب أن يتاح للعقل أفقه الأرحب وأن نتوقف عن الغلو في النص، وافتراض قدرات سحرية وإعجازية فيه كافية لتغيير العالم، ويبقى القرآن الكريم رسالة الله للناس كتاب هدى وحكمة، نور يرشد وليس قيداً يأسر، نزل لينذر ام القرى وما حولها، وهو ما قام به النبي الكريم أعظم قيام.

إنها مدخل للإجابة على تساؤلات المستقبل السوري الصارخة حول علاقة الدين بالدستور والمجتمع.

*مقالات الرأي المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر "روزنة".


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق