هكذا يخيم "الرعب" على دمشق

هكذا يخيم "الرعب" على دمشق
تحقيقات | 18 أبريل 2016

يكاد من الصعب أن تجد سائق تكسي اليوم في دمشق غير مرتبط بالأجهزة الأمنية أو جيش النظام السوري وقواته المقاتلة. هذا الأمر قد لايبدو غريباً، فقد كان ومازال واقعاً ولو اختلف الأسلوب. فالجديد اليوم هو العلنية والمجاهرة بهذا الانتماء عبر الدلالة عليه من خلال اللباس المموه أو "الخاكي"، في سبيل "الترهيب"، سواء كان المقصود بذلك الزبون أو شرطي المرور، وقد يكون ذلك نافعاً أيضاً للمرور ضمن الخط العسكري على الحواجز.

سابقاً، أي قبل بدء الثورة السورية وبسنوات طويلة، كان عناصر الأجهزة الأمنية متشعبين داخل كل مرافق حياة المواطن دون أن يعلم، فقد يكون العنصر سائقاً للتكسي متخفياً بلباس مدني، يبدأ حديثه مع المواطن بأسئلة عامة، إما أن يستشعر فيها المواطن خطراً فيكفتي بالسكوت، أو أن ينجر وراءها فتنتهي الرحلة إلى الفرع!. 

فرع أمني متنقل

اليوم، الوضع مختلف، وفيه شيء من "الوقاحة" بحسب أحمد وهو طالب جامعي، حيث أكد أنه "مستعد لقطع مسافات طويلة جداً بدلاً من أن يستقل وسائل النقل العامة"، مضيفاً أن "نسبة كبيرة جداً من سائقي التكاسي يرتدون البزة العسكرية أو بزة الأفرع الأمنية جهراً، وبات من المخيف استقلال أي تكسي فقد يكون ذلك بمثابة تسليم نفسك لمخبر يتربص لك كلماتك".

"صرت أشعر وكأنني استقل فرع أمني متنقل. يمكن لأي أحد أن يرى مشهد سائقي التكاسي باللباس المموه عند جسر الرئيس، المخالفين جهراً للقوانين بتشغيل سياراتهم على خط جسر الرئيس – جرمانا"، بحسب ضرار، ويضيف "وكيف لا يخالفون وهم جميعهم يعملون في الأفرع الأمنية صباحاً، ومساءً سائقين كعمل إضافي؟".

سائق التكسي يسحب هوية الزبون!

يروي الشاب قصة، أنه "في إحدى المرات، تشاجر زبون مع أحد السائقين لرفعه تسعيرة الركوب باتجاه جسر جرمانا التي كانت 250 ليرة سورية، ثم رفعت إلى 300 ليرة فـ350 مؤخراً، وعندما احتد النقاش، سحب السائق من الزبون هويته وأعطاها لأحد زملائه وهددوه باقتياده إلى الفرع، وانتهى الأمر بالتهديد والوعيد".

تشبه تلك الحادثة، حادثة أخرى حدثت مع جلال وهو موظف في القطاع الخاص، حيث قال "سائق أحد التكاسي والذي كان يرتدي الزي العسكري، كان يقلني من منطقة الصناعة باتجاه مساكن برزة، وعند نفق الحياة اقتربت منه دراجة نارية مسرعة تريد أن يفسح لها المجال لكنه رفض، حينها حاول سائق الدراجة تجاوزه فاقتلع مرآة السيارة لشدة اقترابه وسرعته، وهنا بدأت المطاردة". 

المطاردة انتهت حينما احتدمت الشتائم بين الطرفين، فترجلا ليبدأ الشجار، وكل منهما كان يطلب من الآخر "هويته"، حتى تبين أن سائق الدراجة من فرع "الجوية"، وهنا ازدادت حدة الشتائم والتهديد والوعيد، حتى تجمهر المارة حولهم فانفض السائقان مجبرين، بحسب جلال. 

حتى النقل الداخلي "مموه"!

"القصص كثيرة ولايمكن حصرها"، فقد تحدث نزار عن شجار بين سائق "سرفيس" بالزي العسكري مع أحد عناصر الحواجز في دمشق، لأنه طلب منه "الإجازة"، وعسكري آخر رفض تفتيش سيارته على حاجز السومرية، إضافة إلى قصص أخرى شبيهة.

يتابع نزار واصفاً المشهد في دمشق بأنه "مقصود"، فهو يرى أن "النظام يتعمد بث الرعب في نفوس المواطنين عبر هؤلاء الذين انتشروا بصورة غريبة، حتى بات المواطن يشعر وأنه على الحاجز في كل مكان، وأنه مهدد بالتحقيق في أي لحظة خلال طريقه اليومي، أو أنه ضمن ثكنة عسكرية ويجب أن يكون مستعداً لتقديم الطاعة".

ويضيف "حتى الركوب في باص النقل الداخلي بات مريعاً، فالسائق يتحدث اللهجة الساحلية غالباً، وأغلب الركاب وخاصة باتجاه السومرية أو المزة بشكل عام، يرتدون الزي العسكري، أو يحملون أسلحتهم.. حتى مراقب الخط يرتدي السترة المموهة!". 

للبدلة في الشعلان غاية أخرى

اللباس العسكري لا يقتصر على وسائل النقل، فقد انتشرت الظاهرة بشكل غريب رغم منع سلطات النظام السوري في دمشق بيع وشراء اللباس العسكري إلا عبر مؤسسات النظام ولحاملي البطاقات الأمنية. وقد بات من الطبيعي أن تشاهد بائع خضار، أو بائعاً في سوبر ماركت أو "كشك"، يرتدي السترة العسكرية، دون أن تعرف مرجعيته وطبيعة عمله، أو حتى بلدته الأصلية، فغالبيتهم يتكلمون اللهجة "الساحلية"، بحسب إحسان.

وأردف "هناك شبان تطوعوا في الدفاع الوطني أو جماعات مقاتلة أخرى بهدف الحصول على الهوية الأمنية أو العسكرية، وارتداء اللباس المموه، فقد تراهم منتشرين في الشوارع بلباسهم وسلاحهم وقد سرّحوا شعرهم وتعطروا لمعاكسة الفتيات وخاصة في الشعلان والمالكي". 

ويرى إحسان أن منع السلطات في دمشق بيع اللباس العسكري إلا لمن يحملون البطاقات العسكرية، لم يحد من انتشار هذه الظاهرة، بل تبين أنها محاولة لكسب الربح أكثر، إذ ارتفعت أسعار تلك الملابس التي من المفترض أنها حُصرت بمنتجات معامل "وزارة الدفاع"، أضعافاً مضاعفة، دون أن يؤدي القرار إلى الحد من الظاهرة.

وكانت حكومة النظام، قد منعت بيع الملابس العسكرية في القطاع الخاص وحصرت استيراد أقمشتها ومتمماتها عن طريق وزارتي الدفاع والداخلية.


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق