بلجيكا.. والصلاة على الشهداء

بلجيكا.. والصلاة على الشهداء
القصص | 28 مارس 2016

قبل سنوات أتيحت لي زيارة لبروكسل، وهناك دعاني بعض السوريين لزيارة فعالية إسلامية، ومع أن عدداً من المآذن الرائعة تملأ سماء بروكسل، ولكن جرى تحويل اللقاء إلى قبو قريب من أحد مساجد بروكسل.

كان المتحدث يرتدي زيا عسكرياً كاملاً، ولا يوجد بالطبع في القانون البلجيكي ما يمنع من ارتداء هكذا لباس، ولكن المسألة لم تكن مجرد ثوب وزي، بل كانت أيضاً طريقة تفكير، وكان مضمون الخطاب الذي قدمه هذا الامام العسكري أننا مأمورون بإقامة دولة إسلامية في بلجيكا، ومسؤوليتنا هي وقف الشرك والضلال القائم على الوثنية الديمقراطية التي تنصِّب البشر بدلاً من الله مشرعين لتقرير الحلال والحرام.

قلت لهم: أيها القوم، إن هذا الخطاب تفسير رديء للإسلام، وكفر بالعصر والواقع، وخطاب كهذا لا يصلح ان نلقيه في مكة فكيف تقومون بالقائه في بروكسل؟

لم يكن لكلماتي أي وقع لديهم، وربما بسبب ما تعودته من التبرير وتدوير الزوايا والقواسم المشتركة، فقد مرت الملاحظات في سياق المجاملة والمصانعة، ومساحة حرية الرأي والراي الآخر.

حين خرجنا، قلت لصاحبي: شعرت أننا كنا في تورا بورا، وأن الآتي من الأيام هو الأشد قتامة وسوءاً وحشفا وسوء كيلة.

كانت تفجيرات بروكسل في الخميس الأسود سياقاً طبيعياً لتفكير كهذا، فالأفكار السوداء لا بد أن تستجلب الأيام السوداء، وحين تقع الكارثة فإننا نصدر عن قوس واحدة لنقول إنها مؤامرة تستهدف الإسلام والمسلمين، ولكن من دون أن نشير إلى مسؤولياتنا في مواجهة هذه الحقيقة.

ولكن الأشد دهشاً في نظري هو وداع هؤلاء الشهداء، فقد شهدت الجمعة الحزينة وداع أربعين ضحية بريئاً من مواطني بروكسل أصابهم قطار الموت على غير ميعاد، وحين طالب الناس مشايخهم بالصلاة على الشهداء نفاجأ من جديد بأن عدداً غير قليل من أئمة المساجد في بروكسل يرفضون أن يصلوا على الشهداء الذين سقطوا بالأمس ويرفضون أن يسموهم بالشهداء أصلاً، لأن فيهم من هو غير مسلم، وحين أثرت الكلام باستغراب كانت الأجوبة أشد استغراباً: كيف تريدنا أن نستغفر لقوم غير مسلمين، ختم الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم؟.

بلجيكا التي يعيش فيها نحو مليون مسلم، ويشكل المسلمون نحو نصف سكان العاصمة، وتوفر الدولة لكل طلابها المسلمين من يدرسهم دينهم وقرآنهم على نفقة الدولة، وتحتضن مدنها مئات المساجد وهناك 250 إماماً يتقاضون رواتبهم من خزينة الدولة البلجيكية وهو لا يقل عن 1800 يورو، وذلك تقديراً من الدولة العلمانية للدور النبيل الذي يفترض أن يقوموا به في بناء الأخلاق والفصيلة والمحبة في البلاد، وعشرات الإنجازات الحضارية في إطارالمساواة واحترام الدين الاسلامي. كل ذلك لم يدفع مشايخ الجوامع إلى اعتبار الشعب البلجيكي شعباً محترماً يستحق الحياة، بل استمر الخطاب الهائج يستخرج أشد ما في كتب التراث من تكفير وإقصاء.

ولكن هل الإسلام بالفعل يمنع من الصلاة على غير المسلم والدعاء له؟

لا يوجد نص صريح مباشر في القرآن على ذلك، وغاية ما يستدل به المتشددون آيات نزلت في جماعة محددة من المنافقين الذين أساؤوا للمجتمع وارتكبوا شرورا ماحقة، وفيهم جاءت الآية: ولا تصل على أحد منهم مات ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون.

ولكن هذه الآيات تقتطع من سياقها وسباقها وهي في الواقع لا تتناول أكثر من جماعة محددة مشار اليها في الآية، بصفة (منهم) وهو وصف محدود لقوم محددين سبق منهم عداوة الإسلام والمسلمين، وليس من العقل ولا المنطق أن ينسحب نص نزل في قوم بعينهم على سائر البشر في كل زمان ومكان.

قناعتي أن الدعاء لغير المسلم والصلاة عليه من باب المسكوت عنه في الكتاب وفي السنة، والسكوت عن الحكم في الإسلام باب حكمة ووعي وعقل، وهو نقطة قوة وليس نقطة ضعف، وهو إعلان لحكماء الأمة وفقهائها بالنظر فيما هو مصلحة حقيقية للناس، وما يحقق أهداف الإسلام ومبادئه العليا في الاحترام والعدالة والإخاء.

لو كان أبو حنيفة بيننا لشرع الدعاء للمواطن غير المسلم من باب الاستحسان.

ولو كان بيننا الإمام مالك لشرع هذا الأمر من باب المصالح المرسلة.

ولو كان بيننا الفقيه المفسر الرازي لأدرجها في تفسير الآية الكريمة: وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها.

ولو كان بيننا الإمام الشاطبي لاعتبرها في المقاصد أصلاً في حفظ الدين وحفظ النفس وحفظ المجتمع.

ولو كان بيينا الشيخ محمد عبده لاعتبرها تفسيراً مباشراً للآية الحكيمة في القرآن الكريم: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

ولو كان بيننا الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي لقال: لن تبلغ من الدين شيئاً حتى توقر جميع الخلائق.

ولو كان بيننا جلال الدين الرومي لقال: لله طرائق بعدد أنفاس الخلائق.

لست أدري كيف غابت هذه التأويلات المجيدة التي دأب رجال الله خلال التاريخ على تقديمها للإخاء الإنساني لحساب منطق سلفي متحجر يقف عند ظاهر النص ويرفض النظر في مقاصده النبيلة وغاياته الإنسانية الكبيرة.

ألف باب في أصول الفقه لتقرير أحكام العقل والواقع والمنطق في القرآن، ولكن يتم إغلاق هذه الأبواب كلها بضراوة عندما يتصل الأمر بالعقل الإلغائي الذي لا يرى في الآخر إلا مشروع كفر وضلال.

قناعتي أن الفقه القديم لايجيب عن أسئلة العصر، وخلال التاريخ فإن الفقه الإسلامي لم يعرف نظام الدولة المدنية التي يحظى سكانها بالتساوي التام في الحقوق والواجبات، ويمتنع فيها أي تمييز بين المواطنين، ويتعين منح الناس درجة احترام متساوية دون النظر إلى عقائدهم أو أديانهم أو مذاهبهم.

إنها تماماً الحقيقة التي قررتها الآية النبيلة في كرامة ابن آدم قبل أن تنزل الرسالات ويأتي الأنبياء والفقهاء: ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا.

*مقالات الرأي المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر "روزنة".


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق