ضياع المصير بين التسليح والتدويل

ضياع المصير بين التسليح والتدويل
القصص | 14 فبراير 2016

تمخّض عن مؤتمر الرياض للمعارضة السورية وفدُ مفاوضٌ، يرأسه أسعد الزعبي الضابط المنشقّ عن النظام، وكبير مفاوضيه ذو خلفية سلفية من خرّيجي الجامعة الاسلامية بالسعودية، بينما بقي "العلمانيون" و"السلميون" في الصفوف الخلفية.

رأى محللون في ذلك خطوة تكتيكية للضغط على النظام و حلفائه. مسألةٌ أخرى يجدر تحليلها، هي فرض الأتراك استبعاد حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، أكبر الاحزاب الكردية السورية، مما دفع الأخير لتجميد عضويته في هيئة التنسيق التي يتحالف معها منذ نشأتها، ولم تنفع زيارة منسّقها العام إلى الحسكة في التقليل من وقع الحدث على صالح مسلم، الذي ذهب الى تشكيل تحالف آخر مع هيثم مناع وتيار قمح كردّ على إقصاءه عن مؤتمر الرياض.

بنظرة سريعة الى السنوات التي مضت من عمر الأزمة السورية، تتوضّح خلفيات هذا المآل. راهَنَ الائتلاف (ومن قبله المجلس الوطني) على الحسم العسكري، ووضع بيضه كلّه في سلّة هذا الخيار وسلّة اللاعبين الدوليين والإقليميين. نتذكّر جمعة "الحماية الدولية"، و"الحظر الجوي" وغيرها مما عمل عليه صقور المجلس الوطني، وعلى رأسهم الإخوان المسلمون، للدفع ببرنامج إسقاط الأسد عسكرياً، بدعم خليجي، غربي. وعندما انتخب جورج صبرا رئيساً للمجلس الوطني صرّح بُعيد انتخابه: "لدينا مطلب واحد إيقاف حمام الدم في سوريا ومساعدة الشعب السوري على طرد هذا النظام المجرم عن طريق تسليح الشعب السوري، ...نريد سلاحاً نريد سلاحاً نريد سلاحاً". 

يعرف الائتلاف والمجلس الوطني، أنّ السياسية تقوم على المصالح وليس على الاعتبارات الأخلاقية وحقوق الإنسان، وحاولت المعارضة الاستفادة من صراع المحاور في الشرق الأوسط، وقد قال برهان غليون لصحيفة وول ستريت، في ديسمبر من العام 2011 وكان رئيس المجلس الوطني آنذاك: "إن سوريا ستقطع فور وصول المجلس إلى الحكم العلاقات مع ايران وحزب اللهً وحماس"، ولم تكن إيران وحزب الله قد انخرطا بعد عسكرياً في الصراع. كما دعَم الائتلاف الحرب السعودية في اليمن، ففي بيان له اعتبر أنّ هدف التحالف السعودي "حماية اليمن وشعبه من الاحتلال الإيراني والميليشيات الحوثية".

إذاً فقد انخرطت المعارضة السورية المُعترف بها من الغرب بسياسة المحاور منذ نشأتها تحت ستار البراغماتية، ما كلّفها لاحقاً استقلالية قرارها وقوة تأثيرها على الساحة السورية، لاسيما أنّها لم تدرك أسس التحالفات في المنطقة، وأنّ التحالف الروسي مع النظام ليس كالتحالف التركي والسعودي مع المعارضة، وأن أهداف أمريكا في المنطقة تمر عبر اسرائيل، وسوريا ليست إلا رقماً بسيطاً لها، قياساً بأهمية سوريا لروسيا استراتيجياً.

في موازاة هذا الدفع نحو التسليح والمراهنة على الأجنبي كانت التيارات التكفيّرية والسلفية تأخذ مكانها على الساحة السورية مستفيدةً من التغطية السياسية التي منحتها ايّاها المعارضة، التي لا ترى في فرع القاعدة (جبهة النصرة) إرهاباً أو خطراً، ورفضت التصّنيف الأمريكي، الذي عدّ النصرة جماعة إرهابية. 

أخذت المجموعات المقاتلة على الأرض تفرض إيقاعها على السياسي وفشلت المعارضة من مقراتها في الخارج في فرض إرادتها على هذه القوى، واستغلّت الدول الإقليمية تلك "الشرعية" التي تؤمنها المعارضة للتدخل بالشأن السوري، لا بما يتوافق ومصلحة السوريين، بل بما يخدم مصالحها، فأصبحت للتشكيلات المقاتلة صلات بأجهزة المخابرات، لكسب الدعم والتسليح دون الرجوع إلى هيئات المعارضة السياسية، أو للدقة، عبر شخصيات من جهات معيّنة. وخير مثال على المآل منع رئيس "الحكومة المؤقتة" أحمد طعمة من دخول سوريا من المعبر الذي تسيطر عليه المعارضة المسلحة.

لكل ذلك، ليس صدفةً أن تدفع المعارضة المجتمعة في الرياض بالعسكري والسلفي إلى واجهة الوفد المفاوض، وأن يكون اليساري والمنادي بدولة ديمقراطية في الصفوف الخلفية. هذا ليس تكتيكاً تفرضه المفاوضات، بل تسليم بالواقع والتصاق به. واقع أسهمت المعارضة الممثلة بالمجلس والائتلاف الوطني بإنتاجه.

لا يمكن للمعارضة الآن فرض إرادتها على اللاعبين الإقليمين والدوليين، فهؤلاء تجاوزوها منذ زمن، وأصبح بإمكان تركيا أن تقرّر عدم حضور الاتحاد الديمقراطي الكردي إلى الرياض مثلاً، ولكيري أن يقّرر، ان كانت المعارضة ستشارك في مفاوضات جنيف أو غيرها.

*مقالات الرأي المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر "روزنة".


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق