العمة ميركل ونهاية حلم السوريين باللجوء

انجيلا ميركل
انجيلا ميركل

سياسي | 09 فبراير 2016 | عمار ديوب

مقالات الرأي | لم تشأ "العمة" ميركل بيع الأوهام للسوريين المهاجرين والمهجرين إليها بلادها، قالت: إن وجودكم في ألمانيا مؤقت، وسينتهي حالما تنتهي الحرب هناك، وعليكم أن تعتبروا من إعادتنا لليوغسلافيين. ميركل لا تنطق عن هوى بل عن سياسات محددة تجاه المهجرين، ورداً على العنصرية المتصاعد في بلادها.
اقرأ أيضاً: ميركل: لا يمكن للاجئين البقاء دون عمل


بعكس الشائع والمكرر بين الأوساط السورية فإن بصمة دبلن لم تتوقف من أجل خاطرهم وعيونهم، بل ما زالت سارية؛ ففي البلد الذي يبصم اللاجئ سيعود إليه. وإذا كانت أوضاع ألمانيا الاقتصادية جيدة وتسمح بأعداد كبيرة من اللاجئين فإنهم لم يتجاوزا الثلاثمائة ألف، وليسوا بمليون، وكذلك ليس هناك فرص عمل لهم، ولا رواتب، ويجري النقاش حول استبدال النقود القليلة المخصصة لهم لتأمين حاجات الطعام! بأشياء عينية، أي أن الأوهام السورية متعلقة بخرافات عن الجنة الموعودة في ألمانيا. نضيف أيضاً، أن ألمانيا أوقفت الشمل العائلي، وألغت المحكمة السريعة للبت بهذا الأمر وأصبح يتطلب عام أو عامين، وضرورة وجود أوراق ثبوتية قاطعة لتبرير سبب اللجوء، وليس من بينها أسباب اقتصادية طبعاً، وكذلك سيعطى المهاجرين بطاقة هوية خاصة بهم، وتميزهم عن الألمان بكل شيء.

إذاً لم تعد تحتمل ألمانيا مهاجرين أكثر، ولن يصبحوا السوريون ألمان قريباً، وسيعادون إلى بلادهم في المستقبل!. ألمانياً أكثر الدول انفتاحاً على عذابات المهاجرين وحقهم في اللجوء، وبقية الدول تتشدّد ضدهم، ومنذ بداية اللجوء الكثيف، وبالتالي لا داعي لتوضيح وجهات نظرها.

خصص الاتحاد الأوروبي ثلاثة مليارات لتركيا، وحدّد مبرراتها بمنع تدفق اللاجئين إلى أوروبا، وعُقد في 4-2-2016 مؤتمر في لندن لدعم السورين، ولمنع وصولهم إلى أوروبا وبريطانيا، وإذا كان هذا الدعم مؤشر لتأخر الوصول لحل سياسي، فإن وظيفته الأساسية هي إنهاء الأحلام السورية بأن يصبحوا مواطنين أوروبيين ويتخلصوا نهائياً من الفقر وغياب الحريات والموت اليومي. 

الخطر الأكبر على السورين هو القصف الروسي المستمر، والذي غيّر من موازين القوى لصالح النظام، ولقد كثّف من تهجير البيئة الحاضنة للثورة وللسوريين بعامة، وبالتالي تأتي الأموال للدول المحيطة بسوريا لتحاصر السوريين من مخيمات تشبه السجون ريثما تحلّ الأمور، أو تتغير السياسات ويفرج عن أقسام منهم ويسافرون إلى أوروبا.
اقرأ أيضاً: انجيلا ميركل تكرم طفل سوري متفوق في الألمانية!

السياسات الأوروبية والأمريكية تجاه المهجرين، تريد القول أن غير المؤهلين بشكل ممتاز، لن يصبحوا أوروبيين، أي نحن بحاجة للاختصاصيين بشكل خاص، وبالتالي لن يبقى من السوريين إلا الجامعيين والمبدعين ومن يصبح بسلوكه العام أوروبي. أوروبا بذلك تظهر وجهها العنصري وليس فقط الرأسمالي، فهي بحاجة لطاقات مبدعة لاقتصادها، وقد وصلها الكثير!.

أصبح وضع السوريين في أوربا سيئاً للغاية وسبب ذلك تصاعد الخلافات بين الأحزاب الحاكمة في أوروبا بخصوص تدفق اللاجئين والأزمة الاقتصادية وتقدم اليمين العنصري المعادي للعرب والمسلمين. إذاً لا بد من التنبه جيداً للواقع الألماني والأوروبي والإقلاع عن الأوهام، والتعامل مع أوروبا انطلاقاً من كونها بلد للإقامة المؤقتة، ويفترض الاستفادة من ذلك بتعلم اللغات والاختصاصات والعلوم الجديدة؛ فسوريا تنتظر كافة تلك القدرات حالما تنتهي فيها الحرب وتنتقل إلى نظام يليق بالسوريين، أي نظام المواطنة والمساواة الكاملة، والحريات العامة وإلغاء كل أشكال التمييز.

المعارضة، وكافة القوى السياسية والثورية، والتي يفترض أن تمتلك بديلاً عن النظام، يقع عليها توضيح الكوارث من جراء الأوهام التي تداعب خيال السوريين بالعيش الرغيد في أوروبا، وفضح كافة أشكال التضييق عليهم، وممارسة كل أشكال الاحتجاج المانعة لوصولهم إلى أوروبا، ومتابعة المساعدة الدولية في الدول المحيطة بسوريا ليستفيد منها السوريين حقاً؛ يستفيدون في تعليم الأطفال وزيادة الوقاية والعلاج الصحي، وضمان حقوق اللاجئين، وكذلك الضغط على النظام ذاته لفصل المسار الإنساني عن السياسي ورفع الحصار عن كافة البلدات المحاصرة، وإيقاف القصف الروسي للبنية التحتية وقتل المدنيين.

فشلت الجولة الجديدة من المفاوضات، وأُجل تاريخ انعقادها الجديد إلى25 شباط الحالي، وستنعقد في شروط تتراجع فيها قوى الثورة لصالح النظام وعبر القصف الروسي والقوات الطائفية الشيعية بشكل خاص، وتتقدم الجهادية السلفية من ناحية ثانية. النظام والجهادية يمارسان تهجيراً ويشكلان دافعاً لترك السوريين بلادهم. المفاوضات هذه ورغم أن الروس هم سبب فشلها، فإن الضغط الروسي له حدود كذلك، وسيتوقف في مرحلة لاحقة، وحينما تصبح خساراته كبيرة، عدا عن أزمات روسيا الداخلية الكبيرة؛ فالوقائع تقول بأن قواته البرية تتعرض لضربات موجعة، وبالمثل القوات الإيرانية. 

نريد القول أن التقدم الذي أحرزته روسيا سيتم التراجع عنه؛ فالنظام غير قادر على الدفاع عنها، وستتعرض القوات الروسية ذاتها للخسارة. ثم أن رفض روسيا لمطالب وفد المعارضة، والذي هو مدعوم إقليمياً سيعيد الحسابات الواقعية إلى موازين الحرب وستدعم الفصائل المناهضة للنظام، وهذا سيسمح بإعادة موازين القوى مجدداً لما كانت عليها قبل التدخل الروسي. هذا سيجري بالتأكيد، ولكنه سيكلف السوريين وعدا عن مأساة القتل المستمرة تهجيراً كارثياً.

لا يمكن لشعب تعرض لكل هذا الموت والدمار، الذي أصاب السوريين، وألا يفكر بترك البلاد. الويلات التي ذاقوها تدفع الجميع لترك البلاد لأمراء الحرب وللروس والإيرانيين ومليشياتهم، ورغم ذلك، فإن على السوريين العودة لإعادة النهوض ببلادهم وتأسيس نظام يليق بكل ما قدموه. 

لسنا مثاليين في ما نذهب إليه، ولكن العقل والعاطفة والإرادة يقولون ذلك، سيما أن الموت يتربص للسوريين في البحار كذلك، والقوانين ضد الهجرة تتضاعف يومياً، والعنصرية تتصاعد كذلك. 

لا مصلحة للسوريين أن يذوقوا طعم الموت مجدداً في البحار أو في أوروبا، ويكفيهم ما عاشوه.

*مقالات الرأي المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر "روزنة".


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق