فصل جديد من المقتلة السورية

فصل جديد من المقتلة السورية
القصص | 07 فبراير 2016

نشرت شبكة (CNN) معلومات مثيرة للجدل تفتح باب التكهنات بشأن المرحلة المقبلة من الصراع على سوريا، سرعان ما تناقلتها مختلف وسائل الإعلام. فقد نقلت الشبكة الأمريكية عمّن قالت أنهما "مصدران سعوديان مطلعان على خطط المملكة للتدريبات العسكرية"، قولهما إنّ السعودية تعدّ لتدريب ما "قد يصل إلى 150 ألف جندي"، ضمن إطار استعداداتها لعملية عسكرية برّية في سوريا، تهدف إلى قتال تنظيم (الدولة الإسلامية) المعروف بـ(داعش).

وبحسب المصدرين المطّلعين، فإنّ دولاً عربية وإسلاميّة عدّة ستشارك في العملية، على أنّ الجنود السعوديين سيشكّلون القسم الأكبر من القوات المشاركة فيها، والتي يُفترض أن تدخل سوريا انطلاقاً من تركيا. وقد أرسلت عدّة دول قواتها للمشاركة في التدريبات التي ستجري على الأراضي السعودية، منها المغرب وتركيا والكويت والبحرين والإمارات العربية المتحدة وقطر.

على الرغم من تشكيك الكثيرين، نظراً إلى انهماك السعودية في اليمن وتركيز جهودها على خاصرتها الرخوة تلك، فإنّ جملة من المعطيات تدفع للاعتقاد بجدّية قرار السعودية التدخلّ العسكري برّياً في سوريا، وهي التي تشارك قواتها الجوية، منذ أيلول/ سبتمبر الماضي، في عمليات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضدّ "داعش". 

فيما يبدو، لم تعد المسألة مجرّد احتمال يرتبط تحقيقه بطلب من التحالف الدولي، على نحو ما أعلن قبل أيام مستشار وزير الدفاع السعودي، حين عبّر عن استعداد بلاده لإرسال جنود إلى سوريا إذا قرر التحالف الدولي أن يرسل قوات برية إلى سوريا. فيما لو صحّ ووقع هذا التطوّر، وأقدمت السعودية بالفعل على التدخّل البري في سوريا، فإنّ هذا سيفتح الاحتمالات أمام امتداد لهيب المقتلة السورية إلى دول الجوار، بطريقة لن يكون من السهل التكهّن بتطوّراتها ونتائجها. الغريب أنّ الولايات المتحدة وحلفاؤها، لا سيّما من جيران سوريا، حرصوا على عدم وقوع ذلك طيلة السنوات الماضية من الحرب، فلماذا الآن؟

لا يخلو من دلالة أنّ  تصريحات المسؤول السعودي تلك، قد لاقت ترحيباً أمريكيّاً حارّاً، على لسان وزير الدفاع الأمريكي (أشتون كارتر). ولعلّ من المهمّ ربط تداول هذه المعلومات والتصريحات، بالمناورات العسكرية الضخمة التي ستجري في منطقة (حفر الباطن) شمال السعودية، والتي ستكون أول تعبير عملي على الأرض عن مدى جدّية "التحالف العسكري الإسلامي لمواجهة الإرهاب"، الذي جرى الإعلان عن تشكيله في كانون الأول/ ديسمبر من العام الماضي، بقيادة السعودية، وقيل حينها أنّه يضمّ أكثر من ثلاثين دولة.

الأكثر أهمّية، أنّ ذلك كلّه يأتي بعد أيّام فقط من "انهيار" مفاوضات (جنيف3)، التي انتهت قبل أن تبدأ، وكان من المفترض أن تجري بين ممثلي النظام السوري والمعارضة لإطلاق عملية سياسيّة برعاية أممية تنهي الصراع، عملاً بالقرار (2254) الصادر عن مجلس الأمن. ذلك الانهيار الذي ترافق مع، وجاء نتيجة، العملية العسكرية الواسعة التي يشنّها النظام السوري وحلفاؤه، والتي أدّت إلى تغيير موازين القوى على الأرض واستعادة النظام لعدد من المناطق وإحكامه الطوق على أخرى غيرها، لا سيما في ريف حلب الشمالي، وما يعنيه ذلك من تهديد جدّي للمعارضة. فإذا استمرّت الأمور على حالها لن تقتصر خسارة المعارضة فقط على فقدان السيطرة على مناطق استراتيجية  تسيطر عليها منذ ثلاث سنوات، وإنّما قد تخسر الحرب برمّتها، وفق ما ذهب إليه محلّلون غربيّون.

تدخّل السعودية، كما غيره، لن يكون معنيّاً بقتال "داعش" وحسب، بقدر ما هو سبيل لتوجيه الحرب السورية في وجهة معيّنة، وبالتالي لن يطول الوقت قبل أن تجد نفسها في مواجهة مباشرة مع جيش النظام، وحلفائه من الروس والإيرانيين والميليشيات المرتبطة بهم، وربّما مع الأكراد أيضاً. وقد سارع قادة الحرس الثوري الإيراني إلى إطلاق تصريحات التهديد والوعيد للسعودية في حال تدخّلها، وهو ما كرّره (وليد المعلم) وزير خارجية النظام. كما أنّ انطلاق العمليات من تركيا، أو مشاركة قوّاتها فيها بوصفها عضواً في "التحالف الإسلامي"، سيضعها عاجلاً أم آجلاً، في مواجهة مباشرة مع روسيا، التي لا تكفّ عن التصعيد تجاه تركيا وتوجيه الاتهامات والتهديدات لها، ممّا سيحتّم على الحلف الأطلسي التدخّل لمؤازرة أحد أعضائه الأساسيين في مواجهة روسيا، الخصم التقليدي للحلف.

إنّ تجربة السنوات الخمس العجاف التي عاشتها وتعيشها سوريا، تؤكّد عدم جدّية السيّد الأمريكي حتى اللحظة في إنهاء هذه الكارثة لا سلماً ولا حرباً، بدليل العربدة الروسية وتلاعب واشنطن بحلفائها، ومن خلالهم بالمعارضات السورية البائسة. وإنّ التطورات الأخيرة تعني، فيما تعنيه، إطالة أمد الصراع أكثر مما كان متوقّعاً، ما سيفاقم أكثر فأكثر مأساة الشعب السوري، والسير قُدماً نحو خلق عالمٍ أقلّ أمناً وأكثر إرهاباً.

*مقالات الرأي المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر "روزنة".


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق