من يسجن الموسيقا؟

من يسجن الموسيقا؟
القصص | 26 يناير 2016

بصوت حنون ودافىء، غنى مروان نصوح ابن مدينة كفرنبل على مسرح برنامج "ذا فويس" أحلى صوت، البرنامج الذي منح منبره لأطفال صغار صدحوا بأصواتهم وسط دخان الحرب ورائحة البارود التي تعبق في المنطقة.

مروان، الطفل الذي اضطر لترك مدينته كفرنبل منذ سنوات هرباً من قذائف الموت ليعيش في لبنان مع عائلته، فيما استمرت هذه المدينة في الوقوف بلافتاتها التي أضحت صوتاً عالياً للثورة السورية المحاصرة من كل أمراء الحرب وقطاع الطرق وتجار الدم.

فيما كانت جبهة النصرة تحاصر مكتب "راديو فرش" الذي يبث من كفرنبل، وبذريعة بث الراديو للموسيقى والأغاني التي حرّمتها النصر، اقتحم عناصرها المدججون بالسلاح المكتب وصادروا أجهزة الكمبيوتر والكاميرات والمعدات الأخرى واحتفظوا بالناشطين الإعلاميين هادي العبد الله ورائد الفارس ليكتب رائد بعد خروجه من الاعتقال على صفحته على الفيس بوك عبارة تختصر الكثير، قبل أن يعاود نشاطه رغماً عن أنف النظام والنصرة وداعش وكل هذا العفن، "الحرية فكرة".

فيما ذكرت النصرة عبر موقعها الإعلامي المسمى "ثغور" أسباباً مختلفة في بيانها حول اقتحمها لمقر "راديو فرش" حيث قالت إن عملية المداهمة للراديو تمت لأن طاقمها لم ينتصحوا من المكتب الدعوي فيما يخص توقيف "الغناء والموسيقا والمعازف" رغم "النصيحة" المتكررة من قبل "الاخوة" في المكتب الدعوي! أما السبب الآخر للاقتحام فكان كتابة عبارات على الجدران تسيء للإسلام والمسلمين.

ورغم أن وثيقة التفاهم التي وقعتها النصرة مع الناشطين رائد الفارس وهادي العبدالله، قالت بأن سبب الاعتقال كان ارتكاب رائد "خرقاً شرعياً" بسبب منشور له عبر فيس بوك، أقر به هادي العبدالله وأفرج عن رائد بكفالة هادي، فإن الراديو لم يعد للبث منذ عشرين يوماً، ومازالت الموسيقا حبيسة هناك!

لكنها ليست المرة الأولى التي تقتحم فيها راديو فرش، فسبق أن تم وقف بثها الصيف الماضي وتهديد طاقمها بسبب بث "المعازف" والأغاني، ويعلم طاقمها ومستمعوها قبل غيرهم أنها سياسة "كسر عظم" وسياسة استنزاف لها، حتى تصمت تماماً.

لكن الغرافيتي في كفرنبل لم يتوقف، ولافتاتها التي لطالما مثلت ضمير الثورة السورية بقيت مستمرة رغم كل شيء، ورغم صمت إذاعتها فإن ناسها ما زالوا يرددون لحن الثورة وموسيقا الحرية.

ولم تكد تمضي أربع وعشرون ساعة على اقتحام مكاتب راديو فرش حتى كان ملثمون يقتحمون مكتب راديو ألوان في حلب وقاموا بالاعتداء بالضرب على الكادر العامل فيه وقاموا بتحطيم المعدات التقنية مما سبب توقف البث مباشرة.

ويبدو أن استهداف الإعلام الحر بات أكثر فأكثر الهدف المفضل لأمراء الظلام في النظام وداعش والنصرة، الذين يقرون بمهاجمتهم إياه، إن الأنشطة الإعلامية والسلمية باتت تمثل خطراً حقيقياً عليهم وأن هنالك خطة غير معلنة لتصفية أي صوت يغني للحرية وأي صورة توثق انتهاكاتهم، وأنهم باتوا يتقدمون في العنف بين التهديد والاعتقال وصولاً إلى التصفية بكواتم الصوت، هؤلاء الذين يخشون كل الأصوات ولا يطربهم سوى منظر الدم ورائحة البارود!

جميعنا يتذكر أمسيات بابا عمرو الاحتفالية وغناء القاشوش في ساحة العاصي بحماة، وآلاف الأغاني التي غطت البلاد، حتى عندما صارت سوريا محض أرض مخضبة لجنازة كبيرة ارتقت الموسيقار لتحمل النعوش صوب السماء!

وبعيداً آلاف الكيلومترات، يقف طفل من كفرنبل، يافع ووسيم، يغني بأناقة للحب، ويقول بأن كل أطفال هذه البلاد التي أنهكها المسير نحو الحرية قادرون بعد على الغناء، والعصافير تتناسل معلنة قدوم الربيع وموصلة الموسيقا رغم كل الحواجز والقضبان والحدود.

هكذا تتحدى سوريا الموت وتواصل ثورتها وهي تعزف ملحمة الحرية حتى النهاية، وأي مجرم مجنون ذاك الذي يريد أن يسجن الموسيقا؟

*مقالات الرأي المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر "روزنة".


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق