من التعليم الديني إلى التعليم الجهادي

من التعليم الديني إلى التعليم الجهادي
القصص | 16 يناير 2016

مقالات الرأي | كان الوعي قبل 2011 في سوريا بشكله الأساسي وعياً دينياً، فَفَهْمُ العالم كان ينطلق من هذه الزاوية، حيث يمكن للمرء أن يكون طبيباً ومهندساً ومعلماً وسياسياً ولكن بوعيٍّ ديني، وفي هذا يقول الفيلسوف السوري الطيب تيزيني ليس كل متعلم مثقف. أبّد هذا الوعيَ عدمُ تشكّل بنية اقتصادية حديثة وبقاء البنية الاجتماعية القديمة ذاتها. النظام السياسي قام بتنمية كل أشكال الوعي الديني لمحاصرة الوعي الحداثي الرافض للوقع القديم والمتفهم لخطورة الديني المسيطر، والذي من خلاله تصبح علاقة الإنسان بالحياة تمر عبر العلاقة مع الله والدين، وليس عبر العلاقة مع الدولة والنظام الحاكم، وبالتالي إن فُقرَ ولم ينل حقوقه فالسبب يعود إلى مشيئة إلهية وإلى ضعف في نفسه هو، وإن اغتنى أيضاً للسبب ذاته. طبعاً هذا الشكل من الوعي يستند إلى سلطة شمولية، تدفع الناس إلى رفض كل خيارات المواجهة، وتفضيل الذهاب إلى الله وجنته أو ناره مباشرةً.

التعدد الديني والمذهبي في سوريا يعني وجود أشكال متعددة من الوعي الديني والمذهبي، وكلٌ يُقيّمُ الآخر من زاويته، وبالتالي يشيطنه؛ فالديانات أتت متصارعة مع غيرها، والمذاهب  تعبير عن صراعات سياسية واجتماعية، تتلبس الرداء الديني، وما تبقى في الوعي المتوارث هو ذاته القديم. الجديد في الأمر أن الوعي لم يعد سياسياً ويوظَّف في قتل الآخر، بل أصبح شكلاً للوعي ويتساكن مع الأخر المختلف، وبالتالي تراجع عن دوره السياسي القديم لصالح تمييز الشخص لنفسه بالمعنى الديني، ولهذا أسباب كثيرة والمقال لا يسمح بالتوسع فيها. 

وجود التعدد الديني، لم يقدْ سوريا إلى الحالة التي تظهر عليها في سنوات 2013 ولاحقاً، ولا سيما مع توسع الدخول الإيراني مشمولاً فيه حزب الله. قلنا كان الشكل الرئيسي للوعي دينيٌ ولكنه لم يكن سياسياً، أي طائفياً، ولكن قابليته للتطيف قائمة، وهذا بالضبط ما استثمر فيه النظام والجماعات الأصولية والجهادية، وشجعته أطراف في المعارضة متأملين أن أحد طرق إسقاط النظام  الطريق الطائفي، وبالتالي تطيّف الكثير من الوعي بعد أن كان دينياً أو غير ديني.

في النظام التعليمي للنظام السوري، هناك مادة تربية دينية، واحدة خاصة بالمسلمين والثانية بالمسيحيين، وليس من اعتراف بالتعددية المذهبية، بل يتلقى الجميع التعليم البعثي هذا، وفي حصة الديانة يتم إخراج المسيحيين ويبقى المسلمون في القاعة، وهذا كان تقسيماً اجتماعياً، ولكنه لم يكن ليثير الضغينة أو الكراهية. مدرسو هذه المادة لم يكونوا على وعي بخطورتها، فكان تعليمهم أصولي أكثر مما هوي طائفي، وأيضاً ليس بديني كما شكل الدين الشعبي العام.

الأخطر هنا، أن كافة المواد التعليمية كالفيزياء والكيمياء وعلوم الأحياء والفلسفة وسواها، لم تكن تتطرق لبنية الوعي الديني القديمة، وأزعم أن أكثرية مدرسي هذه المواد لم يفهموا هذه الفكرة، وبالتالي لم يتمكن أكثرية الطلبة السوريون وعلى مدى عقود متتالية من تفسير الظواهر الطبيعية المحيطة بهم بالمواد العلمية التي يتلقونها في المدارس! وبالتالي يتراصف في الوعي أشكالٌ من الأفكار لا رابط بينها، ولا شيء يبدل، ومع الزمن، فما يفيد في العمل يرسَّخ، وما لا يفيد يتم شطبه آلياً. ما لا يتغيّر هو الوعي الديني، وكلما ضاقت الأحوال يقدم الحلول الوهمية والتسكينية للناس، وقد حافظ النظام على التعليم الديني الشرعي كذلك وهذا أصولي بكامله، ومن هنا قيل إنه أفيون الشعوب، أي لا يقدم حلاً لمشكلات قائمة، بل يتضمن تحميل الذات مسؤولية الفشل والتعاسة، بينما للدين في الزمن الحديث شأنٌ يخص العلاقة الإيمانية بالإله، وليس رؤية وسياسات لتفسير مشكلات الحياة؛ فما يفسر الأخيرة هو علم السياسة والاقتصاد والاجتماع والفلسفة وسواها من الاختصاصات الحديثة.

النزوح الكبير إلى تركيا، وعلاقة الأخيرة بالإخوان المسلمين، أوكل لهؤلاء مهمة التعليم، فثبّتوا الوعي الديني بكل أشكاله وكأنهم يشكلون مع النظام "هاروموني متكامل"، بل مورست سلوكيات تعادي الحداثة بكل أشكاله، كأن يفرض الحجاب في المدارس وألا يكونوا المدرسين إلا إسلاميين، وطبعاً حذفت مادة التربية الوطنية، وكُرست المواد الدينية، وتم اعتماد المنهاج الليبي في كثير من المدارس، والذي لا علاقة له بالسوريين وثقافتهم وخصوصية مجتمعهم، وهو متخلفٌ عما ينتهجه النظام في مناطق سيطرته، ليصبح السوريون أدياناً ومذاهب، وليسوا شعباً لغته الأساسية العربية وينتمي للفضاء العربي وللكرد ولبقية الأقوام القومية من ناحية أخرى، وفُرضت ممارسات  تعليمية لخدمة الإخوان كما فعل النظام لعهود طويلة. أي تمّ تكريس بنية الوعي الدينية القديمة ذاتها.

كانت التجربة الأخطر في سوريا هي تجربة المجموعات الجهادية ولا سيما داعش، والذي يُقدم نفسه كدولة ويسعى لتشكيلها، فالتعليم لديه ديوانٌ خاص به، ويقتصر على تدريس كتب عن التوحيد والقرآن الكريم واللغة العربية والرياضيات بشكل أساسي، وحذفت مواد التربية الفنية والرياضية والفنون والتربية الاجتماعية والفلسفية ومادة التربية الدينية المسيحية. ويُفترض بكل العاملين بالتعليم لديه، وأغلبيتهم لا يحق له التعليم، أن يوقع على ورقة استتابة، يرفض بموجبها التعليم القديم "الوضعي"، وفي حال مخالفة هذه القضايا فالإعدام هو الحل الوحيد. جبهة النصرة أيضاً فرضت تعليماً خاصاً بها، ويشبه كثيراً التعليم الداعشي.

كما أنّ النظام أقام فصلاً بين الذكور والإناث في المدن السورية، وأما الريف فبحكم قلة العدد كان التعليم مختلطاً، كذلك داعش والنصرة أقاما تعليماً منفصلاً، ولكنهما أضافا أبعاداً أخطر، فهنا الذكور يدرسون الذكور والمعلمات الإناث يدرس الفتيات وهو ما يذكرنا بالتعليم في السعودية، ويفترض بأي مثال لتوضيح الأفكار ولو كان في الرياضيات أن يؤكد على الدين والجهاد والسلاح.

النظام يجري دورات التثقيف الحزبي كذلك داعش والنصرة، وبما يتوافق مع العقلية التي يشاؤون ترسيخها في المناطق التي يفرضون فيها سلطتهم على الشعب بقوة السلاح أولاً وثانياً وعاشراً.

يتخوف كثيرون من أن أجيالاً ستخرِّجها هذه المدارس، وأن ما يعطى لها لن يزول بسهولة من العقول، وبالتالي هنالك تأسيسٌ لوعيٍّ طائفيٍّ ضد الآخر، ويأتي ضمن الآخر السنة ذاتها وعائلة الجهادي ذاتها!. هذا التعليم يدفع محللين كثر لتبني رؤية سوداوية تحيط بنتائج كل ذلك. لا شك أن الأطفال يتأذون بذلك التعليم، ولكن كل ذلك بسبب الحرب، وليس لأن ذلك التعليم مقبول اجتماعياً. فالتعليم لدى النظام السوري هو لخدمة سيطرته، ولكنه لم يمنع الناس من رفضه كلية، وكذلك التعليم الداعشي لم يمنع الناس من رفضه، والأمر ذاته يخص الدور الأصولي للإخوان. 

لا يمكننا تهميش خطورة ما يترسخ بوعي الأجيال، ولكن سيتم وضع نهاية له في حال انتهت الحرب وجلست كافة الأطراف على طاولة المفاوضات ووضعت الحلول لبداية مرحلة جديدة لسوريا. الخطر ليس في التعليم تحت سطوة السلاح، بل في نظام تعليمي قادم لا يشكل قطيعة مع الوعي السابق والذي كرّس الوعي الديني وكرس العادات والتقاليد الاجتماعية القديمة، ولم يغيّر من بنية الوعي القديم، بل وظَّفها من أجل حلول وهمية للمشكلات الواقعية وإبعاد الشعب عن لعب أي دور سياسي فاعل لتحقيق مصالحه. بخصوص الدين يجب تحييده عن التعليم نهائياً ليكون الدين شأناً خاصاً، وأن تساهم المناهج التعليمية في تقديم تفسيرٍ شاملٍ لكافة مظاهر الطبيعة والحياة. 

السوريون معنيون بهذا القضية، وإنهاء شكل التعليم القديم في كل المدن السورية.

*مقالات الرأي المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر "روزنة".


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق