ذوو العيون الدامية.. من ينصفهم؟

ذوو العيون الدامية.. من ينصفهم؟
القصص | 12 يناير 2016

للمرة الرابعة أشاهد الفيلم الوثائقي، تجربة "عيون زرقاء، عيون بنية" الذي شاهدته منذ سنة، وترك أثراً في نفسي، وكنت في كل مرة أشاهده، أفكر بتغيير قواعد هذه التجربة، محاولة لفهم ما جرى في سوريا منذ أكثر من أربعين سنة، ومن ثم فهم ما يمس عمق مأساتنا اليوم. قد يتساءل بعض من يعرف هذه التجربة المصورة في إحدى المدارس الأمريكية "ماعلاقتها بسوريا؟"، ولاسيما أنها تجربة تتحدث عن التمييز العنصري في أمريكا؛ فليس لدي جواب سوى يقيني أن التجارب الإنسانية في أي مكان من العالم يمكن الاستفادة منها لفهم أعمق لتركيبة النفس البشرية؛ كيف تتقبل فكرة التمييز والتقسيم داخل المجتمعات عندما توضع في ظرف معين، هذا الظرف الذي تفرضه سلطة ما، تملك القدرة على فرض ما تريد سواء بالقوة أم بالاقناع. 

بتاريخ 4 نيسان 1968، اغتيل "مارتن لوثر كينغ"، وانتبهت جين إليوت -المدرسة الأمريكية والناشطة المناهضة للعنصرية- لأمر جعلها تشعر بالفزع وهي تشاهد التلفزيون: "كان هناك صحفي أبيض يقول لضيفه الأسود: عندما قتل منذ سنوات قائدنا "جون كينيدي" أرملته جمعتنا، ماذا عنكم؟ من يمتلك زمام المبادرة بالنسبة لشعبكم؟ كانت معظم اللقاءات تتم على النحو التالي رجال بيض يسألون قادة من السود: من يملك زمام الأمور بالنسبة لشعبكم؟.. ماذا ستفعلون للسيطرة عليهم؟". 

إذا؛ هناك شعبنا وشعبكم، وتكريس هذا الأمر في الإعلام  على هذا النحو بدا مرعباً بالنسبة إليها.

منذ بداية الفصل الدراسي والمعلمة إليوت تتحدث لطلاب صفها الثالث الابتدائي عن العنصرية، فالوقت حان للتعامل مع المسألة بشكل ملموس: "هل توافقون أن يحكم على الإنسان من لون عينيه" سألت المعلمة، وبصوت واحد أجاب الأطفال: نعم!".

اقترحت إليوت المشاركة في لعبة أسمتها "عيون زرقاء، عيون بنية"، رحب الأطفال بحرارة، وبدأت بتقسيمهم إلى فريقين: ذوي العيون الزرقاء وذوي العيون البنية، وقالت: "إنني المعلمة، وعيوني زرقاء، فأنا أعتقد أن ذوي العيون الزرقاء هم الأفضل والأذكى".

تجاهلت دهشة الأطفال واستغرابهم، ورفض بعضهم هذا التصنيف، إلا أنها استطاعت إقناعهم بصحة كلامها، فما كان منهم إلا أن استسلموا للأمر الواقع، ولكن ماذا بعد هذا الكلام؟

"يحق لذوي العيون الزرقاء خمس دقائق إضافية لمدة الفرصة، ولا يحق لذوي العيون البنية الشرب من صنبور الماء، عليهم استعمال الأكواب الورقية، يجب أن يرتدوا  الياقات التي تدل على لون عيونهم عن بعد، وممنوع  اللعب معهم لأنهم أقل ذكاء، وهذا يؤثر سلباً على ذوي العيون الزرقاء الأذكياء".

كانت وجوه الأطفال "ذوي العيون البنية" تدل على أنهم في حالة صدمة وخيبة وأسف، بدت نظراتهم حزينة وقلقة، مقابل وجوه فرحة، وعيون زرقاء تظهر تعالياً وابتهاجاً وترحيباً بهذه القرارات التي أصدرتها المعلمة بطريقة جدية، أخرجت الجميع من حال اللعبة، وبدا الأمر بالنسبة إليهم واقعاً حقيقياً.

مطأطأ رأسه، مخفياً عينيه، وبصوت خافت: "لقد حرمت من اللعب مع صديقي المفضل"، قال أحدهم لصديقه، وشكى آخر للمعلمة زميله ذا العينين الزرقاوين الذي عيّره بلون عينيه البنيتين".

بدا اليوم الأول حزيناً وصعباً على الأطفال ذوي العيون البنية، وكانت المفاجأة في اليوم التالي، عندما اعترفت إليوت أنها لم تكن صادقة بما قالته البارحة: "لقد كذبت عليكم، الحقيقة هي أن ذوي العيون البنية هم الأفضل والأذكى".

قلبت الأدوار بين الفريقين، إلا أن ذوي العيون البنية أظهروا تعاطفاً ولطفاً وحساسية في التعبير عن تميزهم، مقارنة بذوي العيون الزرقاء، الذين عبروا عن رفضهم هذه التجربة بغضب وحزن شديدين. 

في اليوم الثالث أعلنت جين إليوت نهاية اللعبة، وعاد الصف كما كان، ولكن بعد أن تعلم الأطفال درساً لا ينسى عن العنصرية التي اختبروها بأنفسهم، وأكدوا فيما بعد أن هذه التجربة كان لها تأثير كبير في حياتهم، وذلك حين دعتهم جين إليوت إلى مشاهدة أنفسهم داخل الفيلم، لتكتمل التجربة.

بعد مشاهدة فيلم "عيون زرقاء، عيون بنية"، تساءلت: "ماذا لو كانت التجربة أطول زمنياً، ماذا لو بقي ذوو العيون الزرقاء محتفظين بامتيازاتهم حتى نهاية الفصل الدراسي؟ ماذا لو لم تمنح ذوي العيون البنية فرصة لتبادل الأدوار؟".

هل ستقدر حينها أن تعيد الصف إلى ما كان عليه؟ هل ستحدث ثورة من قبل الأطفال قبل أن يستعينوا بأهاليهم؟ من ذا الذي يستطيع أن يقنع ذوي العيون الزرقاء أنهم ليسوا الأفضل والأذكى؟"

قد تبدو هذه الأسئلة غير منطقية، وتلوي عنق التجربة، ولكن رغبة عميقة مني لفهم استعداد الإنسان للتمسك بامتيازاته، ولو كانت النتيجة فناء الآخر هي ما جعلتني أحلم بأن يكون هناك فيلم آخر، يشبه ما جرى في سوريا من تقسيم لم يكن معلنا صراحة، كنا نلمسه ونحسه في كل تفصيل، مهما بدا صغيراً في حياتنا اليومية بوصفنا سوريين.

تخيلت الأطفال ذوي العيون البنية، وهم يتظاهرون في باحة المدرسة، يطالبون فيها المعلمة بإنهاء اللعبة، والعودة إلى ما كان عليه الصف، وهم يهتفون: "عيون زرقاء، عيون بنية، كلنا أمريكية". وتخيلت أن ذوي العيون الزرقاء سيرفضون بكل الوسائل المتاحة لهم هذه العودة إلى الوراء، والمساواة مع من اعتقدوا طيلة فصل كامل أنهم أقل شأنا منهم، وأجزم أنهم قد يلجؤون إلى العنف للدفاع عن مكانتهم ومكتسباتهم، حتى لو كانت المكتسبات محض خمس دقائق إضافية في وقت الفرصة.

ومن هنا، يمكنني القول أن تقسيماتنا اليوم نحن السوريين، لم تبدأ مع بداية الثورة، ففي دولة البعث كنا شعبين؛ شعبا من الدرجة الأولى "المستفيدة من النظام"، وشعبا من الدرجة الثانية غالبيته من "المهمشين".  صحيح أن مفهوم الأقلية والأكثرية لم يكن مفهوماً دينياً أو عرقياً أو إثنياً، بالمعنى العميق، ولكنه أصبح كذلك فيما بعد. قبلنا بالتقسيم غير المعلن، الذي تشكل شيئاً فشيئاً في وجداننا، حتى وجدنا أنفسنا نعيشه واقعاً وقدراً لا مهرب منه، ومن رفض قدره منا، يعتقل ويغيب، أو عليه أن يختار منفاه بنفسه، وكان منفانا الأكبر داخلياً، نعيشه داخل دوائر صغيرة صممناها لأنفسنا، متحصنين فيها، نغلقها على أحلامنا ومخاوفنا. كنا منذ البداية "هم ونحن" حتى أصبحنا فريقين، هم ذوو العيون الباردة، ونحن ذوو العيون الدامية.

الحرب الدائرة في البلاد عمرها من عمر حزب البعث فيها، كانت حرباً خفية نعيشها داخل نفوسنا، كنا نتبادل الكره سراً، وتمارس العنصرية علينا في فرصة نكتشف فيها أننا منقسمون، "هم ونحن" في كل فرصة ضائعة وحلم مخنوق، نشعر بالظلم والغبن أمام سوري آخر يسطو على حلم ليس له، ويأخذ فرصة لا يستحقها، لأنه يملك الواسطة أو السلطة التي تسهل أمامه العقبات بجملة واحدة: "أنت من عظام الرقبة". نحن من بلد يصدر نظامه القانون ومعه الاستثناء، ليمنح للمميزين من ذوي العيون الباردة، أبناء النظام وحلفائه، فمن منا لم ير هذا يحدث أمام عينيه، في كل مكان من بلاد كانت مقبرة للأحلام، سواء في المدارس والجامعات، أم الدوائر الرسمية والمستشفيات، في الشوارع والمقاهي والمطاعم، في البر والبحر، وأمام الفرن أيضاً، كان هناك سوري موال، وسوري مقهور، ولكن بصمت.

عندما هتف الشعب "واحد واحد واحد/ الشعب السوري واحد"، كان أكثر الهتافات خطورة، وقد عمل النظام على تدميره من دون أن يذكره في إعلامه مرة واحدة -على ما اعتقد - بمثل  سخريته من الهتافات التي فيها كلمة "حرية"، وتسخيفه إياها. وهنا أتساءل: "عندما هتف السوريون "واحد واحد واحد/ الشعب السوري واحد"، هل كانوا صادقين، ويرون أنفسهم "واحد"، أما كان الهتاف يقصد أن تعالوا لنكون واحدا، بعد أن قسمنا هذا النظام الذي قال في أول تصريح له في بداية الثورة: "إما معنا أو ضدنا"، عيون باردة، عيون دامية.

نحن السوريون، ذوو "العيون السوداء والبنية والزرقاء والخضراء والعسلية: يوم كانت عيوننا سورية".

يوما ما ستجد العيون الدامية من ينصفها، ويعيد الأمل والبريق إليها وستكون هناك في مدارسنا جين إليوت السورية، لتقول لأطفالنا: "انتهت اللعبة، هل استوعبتم الدرس، لا فرق بين لون العيون، والدم السوري واحد".

*مقالات الرأي المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر "روزنة".


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق