علوش الذي كاد أن يصبح سياسياً

علوش الذي كاد أن يصبح سياسياً
القصص | 01 يناير 2016

مقالات الرأي | فرضَ زهران علوش في مطلع العالم الحالي 2015 نفسه حاكماً مطلقاً على الغوطة الشرقية، فقد قاد حملة باسم "تطهير البلاد من رجس الفساد" لإنهاء حالة الاستقلالية لبعض الكتائب عن سلطته، وكان قبل ذلك قد "طهّرَ" الغوطة من تنظيم داعش، وبقيت ربما جبهة النصرة فقط خارج قيادته، ولكنها تنسق معه في شؤون مواجهة النظام، وفي عمليات خاصة بها. الهامّ هنا أن علوش وفي سياق فرض شموليته قتل القائد الشهير أبو علي خبية، وكان مقتله سعادة مطلقة للنظام، وقتل آخرين كثر كذلك.

زهران هذا رجل سلفي، واعتقل في 2009 لهذا الاعتبار، وهناك من يقول أنه كان ينسق مع تنظيم القاعدة في العراق حينها، وبمعرفة النظام السوري، وربما أراد أن يطور أعماله بشكل مستقل فسُجنَ. ويذكر هنا أن أبو القعقاع الشهير بعلاقته مع تنظيم القاعدة في العراق ومع النظام السوري قد قتل حينما انتهى دوره في 2007. التنظيمات السلفية والجهادية كانت حينها تحت سيطرة أجهزة الأمن، و"تلعب" بها في مواجهة التهديدات الأمريكية للنظام بتغييره حالما يتمّ الأمر لهم في العراق!

 رؤية زهران السياسية هي رؤية سلفية، ومن هنا قوله أن الديمقراطية تحت قدميه. ولكن زهران، وبعد أن شكل جيش الإسلام وبشكل متدرج، وصار مدعوماً من السعودية، حيث وفر له ذلك والده الداعية الإسلامية ومؤسس "معهد الأسد لتحفيظ القرآن الكريم" 1985، وبعد أن بدأ يتلمس أن لا إمكانية لدورٍ سلفيٍّ في الغوطة وفي نظام الحكم القادم، راح يتراجع عن رؤاه تلك لصالح الاعتراف بالديمقراطية والسياسة، وهذا كان من أسباب دعوته إلى مؤتمر الرياض، والتمثل فيه. الأمر عينه فعلته أحرار الشام كذلك؛ زهران هنا كان يؤهل نفسه لتغييرٍ ضروريٍّ ليُعترفْ به، وليكون ممثلاً سياسياً عن الغوطة في المرحلة الانتقالية، أو ربما كان سيدفع بأحد رجالاته لهذا المنصب، فيحافظ هو على جيشه، ويفرض دوره السياسي بقوة السلاح، وبذلك تتحقق للدول الداعمة، السعودية وسواها، مصالحها في النظام القادم.

تنافس زهران مع النظام السوري في محاصرة الناشطين المدنيين ومطلقي الثورة في الغوطة بل واعتقالهم، وفي هذا إنكاره المستمر لمصير الناشطين الأربعة أي سميرة الخليل ورفاقها. وبكل الأحوال زهران ذاته أُطلق سراحه مع رفاق سلفيين آخرين في أواخر 2011، وطبعاً النظام أفرج عنهم لتخريب الثورة. وبعيداً عن عقلية المؤامرة، أو أن إطلاقهم تمّ بتنسيقٍ مع أجهزة الأمن أو سوى ذلك، فإن وجود الإسلاميين كان لصالح النظام بالمعنى السياسي وضد الثورة، وساهما معاً في تحويل الثورة لحربٍ كاملةٍ وإنهاء وجود الناشطين كما ذكرنا، والمساهمة في الحصار، وتحويل الحرب مع النظام إلى قضية ثانوية، بينما الرئيسي إشادة سلطة شمولية دينية، ضابطة لحركة الناس، ومقيِّدة لنشاطاتهم المناهضة للنظام. 

زهران ومنذ أن دخل الغوطة قدم نفسه كقائد سرية عسكرية، وبالتدريج ونتيجة صلاته بالسلفية في الخارج وبوالده وبالسلفية السورية كذلك، بدأ بقضم الفصائل والكتائب، وكان له الدور الكبير في إنهاء ظاهرة الجيش الحر كحامٍ للمظاهرات وللمدنين وليس كسلطة عليهم، وانتهى الدعم للحر وتركّز في دعم زاهران والكتائب السلفية والجهادية، وكان هذا لمصلحة دول إقليمية، وبالتالي زهران في هذا كان يعمل لصالح الدول الإقليمية ولكن كذلك لصالح النظام، والذي قدّم نفسه بسبب هذه السلفية والجهادية كعلماني بينما قادة الفصائل جهاديين وسلفيين وتكفريين، بل إن الثورة وسمت بالطائفية وبأنها مهدِّدة للأقليات.

جاع الناس في الغوطة، واعتُقل الكثير من الشباب المناهضين للنظام، فكان أن خرجت في 2015 مظاهرات كثيرة مناهضة لزهران وسموه حافظ أسد. وكثير من المتابعين لكيفية تطور حالة زهران وحالة الحصار يؤكدون دوره في تشديد الحصار وفي إفقار الناس. طبعاً لا يمكن الكلام عن زهران إلا بالترافق مع الكلام عن أنه رجل الانسحابات المستمرة، سواء من جوبر أو عدرا أو المليحة، وهكذا. القصد هنا، أن زهران كان منشغلاً بتشكيل سلطته وتدعيمها بكل السبل، والاحتفاظ بكثير من السلاح وعدم محاربة النظام فيه، وبالتالي كان زهران يؤهل نفسه للحظة السياسة، أي للتفاوض بينما كان الآخرون منخرطون بالمعارك.

 طبعاً لا يمكن القول أنه لم يخض معارك ضد النظام، بل فعل ذلك، أو لم يسقط له شهداء، وهذا تمّ، ولكن الحقيقة تقول كذلك أنه بنى سلطة له ولعائلته وللسلفية فقط.

زهران كان يتلمس الحل السياسي، ويراقب التطورات الخاصة بهذا. هو بكل الأحوال لا يملك الحق برفض ذلك، فالدول الداعمة له دخلت بمعمعة التفاوض، وبالتالي لوحظ انخراطه في مؤتمر الرياض ودون أي تعارض كما فعلت حركة أحرار الشام في سياق تثقيل تمثيل العسكر والإسلاميين في ذلك المؤتمر.

من رفض دخول جيش الإسلام وحركة أحرار الشام وآخرين هي روسيا والنظام وإيران، وهي تصنفهم كقوىً إرهابية. لم ينتبه زهران جيداً أن روسيا تفاجأت أصلاً بوجود جيش الإسلام وحركة أحرار الشام، وبالتالي كان لا بد من التصفية له ولقيادات أخرى، وهو ما أُعلن عنه بخبر مقتل قيادات متعددة مع زهران.

 روسيا تريد إضعاف الجبهات المواجهة للنظام، ولا سيما الجبهات المصنفة غير جهادية، ولهذا تتقصد إنهاء الكتائب غير الجهادية أو إرغامهم على إقامة هدن مع النظام قبل الوصول إلى مرحلة التفاوض، وفي حال استطاعت قتل أكبر عدد من قيادات الحر والجماعات غير الجهادية لن تتوقف عن ذلك أبداً؛ فقرار مجلس الأمن ليس تحت البند السابع ولم يتضمن إجراءات ثقة من جهة النظام، وبالتالي المعركة حامية وستقوى في هذه الأشهر إلى أن نصل إلى إجراءات معينة تفرضها الدول المشاركة في التنسيق من أجل الحل السياسي.

مقتل زهران، كما العمليات العسكرية الإجرامية الروسية ضد المدنيين في كافة المدن السورية، يفترض أن يدفع هيئة التفاوض أو الوفد المفاوض كذلك لتعليق كل مشاورات رسمية بخصوص ذلك مع ديمستورا ومع الدول المعنية بذلك، وفصل كل معارض يقوم بذلك وفرض عقوبات عليه، وذلك لإجبار ديمستور وتلك الدول على إقرار إجراءات ثقة قبل البدء بالتفاوض.

 

*مقالات الرأي المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر "روزنة".


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق