محمد والمسيح.. تبادل المودة وشرط اللاهوت

محمد والمسيح.. تبادل المودة وشرط اللاهوت
القصص | 23 ديسمبر 2015

في ظاهرة تتكرر كل 33 مرة يتجاور يوما الميلاد، محمد والمسيح، وهو حدث يوقظ في النفس كثيراً من مشاعر الإخاء والمودة التي تعودنا تبادلها في الأيام المقدسة.

ونقرأ في الإسلام الأول فصولاً نادرة في حقل الإخاء الديني، خاصة بين الإسلام والمسيحية، فقد سجل في مطلع الرسالة حضور شخصيات مسيحية بالغة التأثير: الراهب بحيرا، ورقة بن نوفل، المعلم النصراني الحداد وآخرون.

ومن الأيام الأولى للرسالة أرسل النبي الكريم أصحابه المضطهدين إلى الملك المسيحي النجاشي في الحبشة، ثم أعلن بشجاعة فائقة أنه سيتحول من الكعبة التي يقصدها قومه إلى قبلة إخوته من المسيحيين، واختار التوجه صوب بيت المقدس في رسالة جد واضحة لإخوانه في الديانة المسيحية، أن المشروعين متقاربان جداً، وأنهما يعبدان إلها واحداً ويرسخان حقيقة واحدة، وأنهما يتواصلان تماماً في حمل شعلة واحدة يؤمن بها أبناء السماء.

وهي حقيقة قررها القرآن بقوله: وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون.

وفي سلسلة مقاربات مدهشة قدمها الإسلام في مكانة السيد المسيح فإنه يؤمن به كسائرالأنبياء نبياً من الله ورسولاً من الله، ولكنه يزيد هذه المرة أنه كلمة الله وأنه روح الله، وأنه النبي الذي لا زال حياً في السماء وأنه ينزل في آخر الزمن ليكون مع المسلمين أمة واحدة من دون الناس.

وفي ميدان تعاليم المسيح ظلت السيدة مريم العذراء أم الجميع رمز طهر وفضيلة وعفاف، وخصت سورة كاملة في القرآن باسم سورة مريم، تتحدث عن الولادة العجائبية للمسيح.

وفيما خصصت لقريش وهي عائلة النبي الكريم سورة من أربع آيات، فقد خصصت لآل عمران وهي عائلة المسيح سورة من مائتي آية، ولا شك أن ذلك كله كان في إطار نصب الجسور وبناء الإخاء الديني بين الرسالتين.

وفي مؤشر آخر بالغ الأهمية فإن اثنين من أركان الإيمان الستة مرتبط بإيمانك بالأنبياء والكتب المقدسة، الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، وفي هذا السياق فإن أي شك في نبوة واحد من الأنبياء فإن الإيمان سيعتبر منقوصاً غير مكتمل ولا يحظى بقبول الله تعالى.

ولكن هذه المؤشرات العظيمة وإن كانت ظاهر الخطاب الإعلامي ولكنها لم تبلغ مكانها في العملية التربوية والتعليمية، وظلت المبادئ اللاهوتية في الإسلام والمسيحية تكرس موقفاً اعتقادياً رافضاً من الآخر الديني ولم تقم إرادة إصلاح حقيقي بمواجهة أسباب التدابر والتقاطع.

فالإيمان اتخذ شكلا صلباً لدى الفريقين واعتبر المسيحي مشركاً كافراً عند جمهور الفقهاء، فيما اعتبر المسلم ضالاً لا أمل له في الخلاص عند جمهور الكهنة.

وتأسست في الثقافة الإسلامية سلسلة دراسات وفتاوى تتبنى كلها بطلان اعتقاد الآخر وزيف إيمانه، وهو الأمر نفسه اللذي كرسه اللاهوت المسيحي الذي يرفض حتى الآن الإيمان بالرسالة المحمدية ديناً سماوياً.

وعلى الرغم من الخطاب العام في الرحمة والتسامح والغفران، ولكن كل فريق ظل لا يتزحزح قيد أنملة عن قناعته بأنه يمتلك الحقيقة الكاملة، وأن الآخرين راتعون في الضلال، وقد عبرت السعودية بوضوح عن موقف فقهاء الإسلام حين طبعت مصحف الملك فهد بأكثر من مائة مليون نسخة تستهل بحديث منسوب للنبي الكريم: لا يسمع بي أحد من الناس يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا كان من أصحاب النار!، في حين عبرت الكنيسة عن الموقف نفسه على لسان البابا بندكت السادس عشر الذي صرح بوضوح قائلاً: إن "الخلاص في القيامة خاص بالكاثوليك ولايمكن للآخرين أن ينالوا الخلاص وهم على عقائدهم".

إنها قراءتان متدابرتان للحقيقة، تجعلك تردد بالفعل ما قاله ابو العلاء من قبل: 

إن الديانات ألقت بيننا إحناً ... وعلمتنا أفانين العداوات

ولكن لا مبرر للتشاؤم فهذه الصورة السوداء للاهوت في الديانتين الأعظم ليست كذلك في الواقع على مستوى العلاقات العامة، فالديانتان تمارسان أشكالاً كثيرة من التعاون والتواصل والبرامج المشتركة، التي تعود على الجميع بنجاح وخير، ومنذ عقود لم تعد تظهر في برامج المؤسسات الكبرى التابعة للديانتين برامج عدائية على الوجه الذي كان أيام الحروب الصليبية أو أيام الاستعمار على أقل تقدير.

على كل حال فإن جدل اللاهوت لا ينتهي، ومن العسير أن تجد فقيهاً إسلامياً أو كاهناً لاهوتياً يؤمن بالتشارك في النيرفانا، بل إن كل أشكال العلاقات الحسنة المتبادلة لا تعدو تدبير المطالب الدنيوية في العلاقات العامة حتى إذا جاء يوم الحساب فإن الجنة من نصيب إيمان واحد، فيما يذهب الآخرون إلى الجحيم يصلون ناراً كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب.

لست أدري ما الفائدة من إيمان يكرس في صدر أركانه مكانة المسيح ومنزلة أمه وطهر الروح القدس وقدسية الإنجيل النازل عليه ثم يفشل في بناء محبة وثقة بين أتباع الديانتين؟

ولا بد من الإشارة هنا إلى إن التصوف الإسلامي والمسيحي قد خطا خطوات كبيرة في تحقيق الاعتراف بإيمان الآخر، ولدينا تراث صوفي كبير من ثقافة الجامع والدير، والكاهن والشيخ، ولكنها في الواقع لا تزال مرفوضة تماماً في إطار التيارات الفقهية والنصية في الديانتين.

سنتشارك بعد أيام في المولدين العظيمين، وسنتبادل التهاني في غياب مشايخنا وكهنتنا الأصوليين، فقد أفتى مشايخ السعودية مراراً بأنه لا يحل لمسلم أن يهنئ بأعياد النصارى لأنها تهنئة بولادة الله وهو شرك محض، وعلى مستوى الكهنة فإن محطات التبشير المسيحي التي تبث من قبرص تحذر النصارى بنفس الطريقة من التهنئة بولادة من تسميه منكر الآب والابن والروح القدس.

إنها مسؤولية حقيقية أن تواجه بقايا ثقافة التكاذب التي نمارسها حين نسفه عقائد الآخرين ونحسب أننا بذلك نرسخ عقيدة التوحيد في نفوس أبنائنا، وإن علينا البحث في طرق أخرى يترسخ فيها الإيمان دون أن نزدري اعتقادات الآخرين.

وبعيداً عن تحدي اللاهوت، فسأختم للقارئ الكريم بكلمات حليم دموس شاعر المسيحية الرائع في ذكرى المولد:

تغنى عروس الشعر باسم محمد ... لعمرك ما الأديان إلا نوافذ

فألمح في القرآن عيسى بن مريم ... وهزى بنى الدنيا بسيرة أحمد

ترى الله منها مقلة المتعبد ... وأشهد فى الإنجيل روح محمد

*مقالات الرأي المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر "روزنة".


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق