هدنة الوعر.. حين تنطق دواخلنا الإنسانية

هدنة الوعر.. حين تنطق دواخلنا الإنسانية
القصص | 22 ديسمبر 2015

لم تكن سوى قطعة معدنية بحجم حجيرة أو حفنة رمل، إلاّ أنها كانت كفيلة بأن تغير حياة أبو أحمد إلى الأبد. شظية هاوون ليس إلا لم تجد مستقراً لها سوى القناة الشوكية لشابٍ عشريني صرخ بالحرية ذات يومٍ فأقعدته الصرخة أسير الفراش والكرسي المدولب طوال حياته. وعلى مدار عامين قضاهما في حيّ الوعر الحمصي، عانى أبو أحمد خلالهما بالإضافة لأثر الشظية الخرقاء، من جوع وحصار وبردٍ وضياع لا يطاق. 

قصة أبو أحمد ليست فريدة من نوعها، إنّها تنسحب لتكون القاعدة والطبيعة التي يعيشها ليس أهالي حمص وحي الوعر خصوصاً، بل الكثير والكثير من السوريين الذين امتدت مأساتهم في شتى بقاع الأرض وبلدانها. والآن مع بدء مسارات الهدنة التي تمت بين لجنة حيّ الوعر ومفاوضي النظام وخروج أبو أحمد وغيره المئات من الذين عانوا الحصار والجوع في حمص، تعود من جديد قصص هؤلاء إلى سطح التداول والمتاجرة والمزاودة بـ"الثورية" و"الكفاحية" وحكايا النضال والجهاد والتشبث بالأرض. ويكثر الحديث عن تأويلات ليس لها أيّ منطلقٍ منطقي أو حججٍ واقعية عن تغيير ديموغرافيا المكان والسكان، ليس لشيء إلاّ لمجرد أخذ السبق الصحفي والبهرجة الإعلامية. وهكذا وسمت هدنة الوعر بوهمين يتم تداولهما في الأوساط الزرقاء والصفراء: أولاً خيانة للثورة والثوار، وثانياً تهجير طائفي ممنهج. 

ما هو منشأ هذه الأوهام وهل هناك من واقعية مفترضة لحقيقتيهما؟ يبدو أنّ الأرقام وبعض الغوص في تفاصيل معينة يقول عكس ذلك. 

فبالنسبة للوهم الأول، فإن هدنة الوعر تأتي بمرحلة تمر فيها الثورة السورية في حالة كمون حقيقي هو أشبه بحالة من التبوغ من أن تكون انبعاث. فالثورة الآن في صيروة الحرب والاقتتال التي نعيشها بين الأمراء والقواد والشبيحة تذهب بعيداً بكل ما يمكن التنطح به عن ثوابت الثورة وضرورة الصمود والتصدي. هذا الخطاب بعد ما يقارب الخمس سنوات من اللاجدوى الثورية لكثير ممن يدعونها وخاصة أولئك الذين لم يعرفوا شيئاً عن معنى أن تنام وأطفالك بجانبك يبكون على أمعائهم الفارغة، إلاّ من الحشائش والشعير، هذا الخطاب يقترب من النفاق والكذب والمراءة. من ناحية أخرى فإن الهدنة التي جرت ليست كما يصفها الكثيرون وكأنها بيع للثورة ودماء الثوار، فهي تختلف بالمبنى والمعنى عن الهدنة التي جرت عند تسليم حمص القديمة للنظام. هدنة الوعر هي أقرب إلى الهدن التي سبقتها في الزبداني وقدسيا وما يجري في الهامة حالياً. إنها محاولة لكسب أكبر الأرباح الإنسانية والسياسية وحتى الثورية – إن أردتم – في مقابل ما يعتبره الخصم – نظام الأسد و زبانيته – كسباً ونصراً على أخر معاقل الثورة في مدينة حمص. فالهدنة في الوعر لا تفرض تسليم الحي إلى قوى الشبيحة والأمن ولا تقوم على تفريغ كامل مقاتلي الجيش الحر منه أو الأهالي الداعمين للثورة هناك. إنها عملية إخراج لعدد محدود من الحالات الإنسانية البحتة وبعض العناصر المقاتلة التي لم تنسجم مع مطالب الأغلبية الساحقة في الحيّ التي تسعى إلى وقف لإطلاق النار مع النظام في مقابل الحصول على شيءٍ من الخبز والحليب للرضع والأطفال. 

هذا الإخراج المحدود الذي لا يتجاوز المئات من قاطني الحيّ يقودنا إلى التهافت الذي يقوم عليه الوهم الثاني. إن المقولات والصيحات والتكبيرات التي ملأت الصفحات والمواقع والشبكات عن ممارسة النظام للتهجير الطائفي في حمص ليست إلاّ عبثاً وتغاضياً عن حقائق الواقع. وبالرغم من عدم استبعاد نية النظام وميليشياته بممارسة التهجير الطائفي ورغبته البغيضة في تطييف سوريا وممارسته لهذا التطييف، إلا أن الواقع مختلف تماماً. فإلى الآن ما يزال يشكل "السنة المسلمون" الأغلبية السكانية في مدينة حمص. فحي الوعر يقطنه ما يقارب المئة ألف مواطن كلّهم من "السنة" ولم يتم إخراج سوى بضعة مئات منهم نحو مدينة إدلب. من جهة أخرى، فإن أحياء حمص الأخرى ما تزال تضم الكثير الكثير من "السنة" في حي الشماس، كرم الشامي، كرم شمشم، حي الخضر، الميدان، المحطة والإنشاءات. وهؤلاء كانوا في حمص منذ بدء الثورة وبقوا في بيوتهم خلال السنوات الخمس الماضية وغالبيتهم تربطهم علاقات اجتماعية واقتصادية مع باقي السكان من الطوائف الأخرى ومن ضمنها "العلويين". لسنا هنا للقول بأن "العلويون" و"السنة" في حمص يعيشون الوئام والانسجام والتأخي كما لو أن شيئاً لم يكن. لكن هناك في الحدّ الأدنى رغبة من الجميع بمواصلة العيش رغم الجراح والقروح التي تندّ قيحاً وألماً لدى الجميع، وإن كان بدرجات متفاوتة وفوارق مسهبة بين البراميل التي أمطرت الوعر لأيام وبين بضعة قذائف سقطت على حي الزهراء. ففي النهاية يبقى الموت واحداً، والدم البريء الذي يسفك مسؤوليتنا جميعاً. 

هدنة الوعر بواقعيتها وتجريدها، هي تمثيل حقيقي للرغبة التي بدأت تتنامى يوماً بعد يوم، لدى قطاعات واسعة من السوريين في كل المدن والبلدات، ومن كل الطوائف والإثنيات؛ بضرورة التوقف بأسرع ما يمكن عن هذا الغلواء الأعمى الذي ما يزال يدفع بنا نحو مجهول وهاوية لا قرار لها، ويهدر دماءنا ودماء أبنائنا دون أيّ جدوى. هدنة الوعر صرخة في وجه الحرب التي لا ترحم لتغليب ما هو إنساني فينا فوق كلّ اعتبار.

*مقالات الرأي المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر "روزنة".


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق