العمل المدني في سوريا.. بين التأهيل والتأطير

العمل المدني في سوريا.. بين التأهيل والتأطير
القصص | 21 ديسمبر 2015

العمل المدني أو المديني المنظَّم من قبل مجموعات تعمل خارج نطاق العلاقات والروابط الأولية للمجتمع وبشكلٍ طوعي، وتسعى إلى تأسيس أو تفعيل دور المجتمع المدني فضاء الحرية ومسرح التاريخ والتفاعلات، "القادر على تقديم الحلول المبتكرة لتلك التفاعلات والتعارضات وتحويلها إلى قوانين حسب مدى حضوره في الدولة السياسية وقدرته على توجيه دفتها".

وبالتالي لا دور للمجتمع المدني دون بناء الدولة السياسية الوطنية، دولة الحق والقانون، أي استعادة الدولة إلى المجتمع حتى تصير دولته وإعادة إنتاج السياسة فيه بما هي محصلة جميع فاعلياته وقواه. فلا انفصال بين المجتمع المدني ودولته، "بل إنها دولة المجتمع المدني".

في سوريا سيطرت السلطة على مركز المجتمع وهوامشه بحزبها ومنظماتها، وأقامت علاقات مع تجمعات ذات وعي جمعي عمودي لا دور فاعل للفرد فيها، فكان من مصلحة السلطة -الحساسة تجاه أي استقلال عنها- انكفاء الفرد ذاك، وتعزيز دور تلك الروابط خاصةً في فترة الأزمات. وإن سمحت ببعض الجمعيات فكان فقط لذات البعد الديني منها والخيرية المسكِّنة للفقر وقسوته.

مع بداية الحراك الشعبي ازداد حضور مفهوم المجتمع المدني بعد تخلخل أركان السلطة وركائزها، مما دفع بالسوريين إلى إعادة النظر بالعقد الاجتماعي.

فحمل الحراك الشعبي برنامجه السياسي الواضح المطالب بإعادة تشكيل السلطة السياسية بما تتناسب مع موقع الشعب ووعيه باعتبارها تعبيراً عنه. فبدأ بتكسير العلاقات العمودية لحساب تشكل الجديدة الأفقية بين فئات تجمعها المصلحة في التغيير السياسي لإعادة فتح الأفق أمام الفرد والتجمعات المدنية. بالتالي ترافق العمل الثوري مع المدني الذي كان رديفاً للثورة حاملته التي يسعى لتثبيت شرعيتها.

ازداد العنف وتعسكرت الثورة وتقطعت البلاد وانحصر العمل الثوري في المناطق المسيطر عليها من قبل المعارضة بالعسكري، فاقتصر مجمل العمل المدني فيها على الإغاثي والإسعافي والدعم النفسي وتعليم الأطفال المدمَّرة مدارسهم، أي باختصار ترميم آثار الحرب.

وافتقد العمل المدني في مناطق سيطرة النظام لحَمَلَتِه الذين غيَّبهم النظام بين قتل واعتقال وتهجير وتكبيل حركة من بقي منهم، فاقتصر على العمل الإغاثي والدعم النفسي أو إقامة النشاطات الترفيهية والتثقيفية التي لا تخدش النظام. فكان نصب عينها الابتعاد عن إثارة حساسيته، ليتأطر الشباب فيها بعيداً عن الشأن السياسي العام، مما أراح النظام ورأى فيها متنفساً لهم، فسمح لها بالعمل سواء بترخيص مباشر أو غير مباشر. وانحصر العمل السياسي ضمن فئات ضيقة لم تعد تقوى على الانسجام مع المجتمع الأهلي نتيجة انكفاء أفراده إليه مجدداً لاحساسهم بالخطر الوجودي. الأمر الذي يشكل عائقاً أمام العمل المدني والسياسي القائم على العلاقات الأفقية.

في الخارج وحيث تسمح ظروف التحرك بالعمل والتنظيم، نشأت عدة مجموعات ذات توجهات سياسية وحقوقية وإعلامية، لكن ابتعادها عن تفاعلات الواقع الداخلي أضعف من تأثيرها. ناهيك عن فساد غالبيتها وشخصنتها وهشاشة هيكليتها بل وهميتها أحياناً، وعدم وضوح برامجها وآلية عملها المتوزعة على عدة نشاطات في آن، من الإغاثة إلى السياسة، والتبعية لمنهج خارجي جاهز وتجارب سابقة لشعوب أخرى، فاستبدلت الحرية بالتقليد. كما وضعت تغيير قوانين الدولة نصب أعينها أكثر من التوجه للمجتمع الشريك -صاحب المصلحة في التغيير- ومحاكاة مخاوفه وما يربطه من وضع اقتصادي ورجال دين وتقاليد يجب البحث فيها والتأثير عليها بدل اعتبارها عدواً وحسب، "فثقافة المجتمع ليست ثقافة نصوص وقوانين جاهزة، ولا تشكل في نظره معيار الصواب والخطأ"، وإنما بحاجة لخطاب حقوق تنموي، يحاول معرفة مفاتيحه ويستمزج الأفكار المختلفة ويحللها ليفهم مضمونها، ويتفاعل معها بشكل مستمر ليصل إلى خطاب شامل يحظى بتأييد الغالبية.

كما ابتعدت منابرها الإعلامية عن النشاط الثقافي والنقدي العميق فخرجت من المساهمة في الارتقاء بوعي المجتمع.

ترافق ظهور مفهوم المجتمع المدني في أوروبا في القرنين السابع عشر والثامن عشر مع واقع ثورة فكرية ثقافية حقيقية تنظر إلى الإنسان كذات وكينونة مجردة. واليوم فإن المجتمع المدني في أوروبا قائم في دول ليبرالية ديموقراطية، حيث القوانين أو الحقوق السياسية توحد المجتمع فتغدو وظيفة القوانين أو الحقوق المدنية هي الحفاظ على وحدة المجتمع تلك. وبالتالي اسقاطه جاهزاً على الواقع السوري لا يتماشى مع واقع المقاومة لسياسة سلطة جائرة ومحاولة استعادة الذات وخلق تعددية فكرية وثقافية وسياسية بالمشاركة مع العمل السياسي في النضال من أجل تحقيق الانتقال الديموقراطي إلى الدولة السياسية شكل وجوده السياسي وتحديده الذاتي، "فالديموقراطية هنا هي إعادة الدولة السياسية إلى مضمونها الفعلي، أي الكلية الاجتماعية". فلا يستقيم ويترسخ المجتمع المدني من دون الدولة الوطنية القويَّة، "البيئة السياسية الحاضنة للتطور الديموقراطي والمدني". ليأخذ حينها المجتمع المدني دوره في التعبير عن جملة المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية التي تعمل في ميادينها المختلفة من أجل تلبية الاحتياجات الملحة للمجتمع وفي استقلال نسبي عن سلطة الدولة وعن تأثير رأسمالية شركات القطاع الخاص، وتنمو بشكل مستقل نسبياً وفق قوانينها الداخلية الخاصة. وبالتالي الانتقال من الأدوار العلاجية وتقديم الخدمات -بما ينطوي ذلك على أخطار تهدد المجتمع المدني بتغييب دوره عن مجالات صنع السياسات العامة- والابتعاد عن منطق التحدي التحفيزي ورمي حجر في المياه الراكدة في طرح القضايا الاشكالية، إلى العمل باستراتيجية ورؤية وطنية جامعة "تستخدم أدوات مدنية كالمقاطعة والتطبيع والضغط والتفاوض، وتستخدم السياسة -بدل الاستعاذة بها- فناً لتحقيق المكاسب" بما يتناسب مع تطور المجتمع، ومشاركته في صنع قراراته.

ختاماً، تسبق كلمة المجتمع على المدني والمدني هنا صفة لا تختزل الموصوف فيها، بالتالي علينا البحث في المجتمع وبيِّناته وتفاعلاته ومسار تطوره بما بيتناسب مع الانتقال من الإنسان ابن الطبيعة إلى الإنسان ابن التاريخ وصانعه وراسم القانون بما هو تعبير عن الإرادة العامة، ومحقق ذاته الإنسانية قبل كل شيء.

*مقالات الرأي المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر "روزنة".


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق