السؤال الذي لا يمكن للجولاني أن يرد عليه

السؤال الذي لا يمكن للجولاني أن يرد عليه
القصص | 15 ديسمبر 2015

في تجميع لأربعة صحافيين من ثلاثة وسائل إعلام أعلنت جبهة النصرة عن مؤتمر صحفي لقائدها المسمى أبا محمد الفاتح الجولاني. 

وصل المدعوون الأربعة إلى بيت ما، في مكان ما، وجلسوا مع الشيخ أحد أبرز أمراء الحرب في سوريا، أولمت لهم النصرة قبل اللقاء، ودخلوا إلى غرفة ليبدأ ما سمي تجاوزاً مؤتمراً صحفياً، والحقيقة أن ما رأيناه لا يخص لا المؤتمر ولا الصحافة بشيء. 

فحين تكون في وكر جماعة لا تعرف بأي لحظة متى يهب في وجهك شرعي فريد من نوعه مشهراً نصاً، يمكن تأويله بألف وجه، أو تجد نفسك بلحظة في ساحة عامة مصلوباً ومجلوداً بتهمة سب دين المياه أو شتم سماء الكهرباء. 

على كل هُدر حبر كثير على الجولاني ولقائه كواحد من أهداف هذا المؤتمر. وبعيداً عن الموقف المسبق من النصرة وأهدافها وطريقة عملها، يستدعي المنطق محاولة استخلاص بعض ممّا لم يقله هذا اللقاء: 

أولاً: طمست المنارة البيضاء وجه الجولاني بالطريقة التقليدية التي كانت تقوم بها الجزيرة لطمس وجه القتيل الطالباني حكيم الله محسود، بهالة ضوئية بيضاء تجعله مشابهاً لقديسي عصر النهضة. 

تطور نوعي على صعيد الشكل يكشف فيه الفاتح الجولاني وجهه للإعلاميين الأربعة، مع تحسن نوعي بنوعية الثياب التي يرتديها قياساً لمقابلته مع أحمد منصور، حيث كان يرتدي قميصاً قليل الذوق وظهر بمظهر شخصية هاربة من مسلسل تاريخي سيء الانتاج. أما ملابسه في هذا اللقاء فكانت تمثل سروال الدوتي وقميص الكورتا الخاص بملالي باكستان ويستطيع إخفاء كرشه تحته بعد أن كدس بضعة سنتمرات من اللحم، نتيجة قلة الحركة وكثرة ازدراد لطبيخ ولحوم خيرات أرض الشام.  

نوعيه الطاولة المجلوس عليها، تختلف عن الكرسي المسروق من محافظة إدلب في المقابلة السابقة، فالمطلوب إرسال صورة أقرب للبساطة بعد سيل الانتقادات لما قامت به النصرة من سرقة أثاث مبنى محافظة إدلب.

ثانياً: هدف اللقاء كما أعلنه الجولاني نفسه هو إفشال أي محاولة للحل السياسي مهما كلف الأمر، وأحد وسائل الإفشال هو هذا اللقاء. 

التكنيك الذي استخدمه الجولاني لتوصيف مقتضى حال الساحة يتلخص بكلمة واحدة إنها "مؤامرة على الساحة". 

وحين يبدأ أي قائد ميلشيا بالحديث عن المؤامرة، فاعلم أنك أمام استنساخ جديد لبشار الأسد وحسن نصرالله وبقايا اليسار الثوري الهجين وسلطات الاستبداد المغموسة بالخواء. وبلغة المعنيين بالجهاد، هو فرض القوامة بقوة الشرع وسلطة السيف بعد الزواج بالإكراه مع الثورة السورية. 

كل التحليلات المعقدة منها والبسيطة فيها شيء من الصحة ولكن هناك إهمال ما لفكرة يعرفها الجميع ولكنها لا توضع في محمل الجد. 

أي فرصة لحل سياسي في سوريا، هي بالنتيجة توقف الأرض الخصبة لمشروع الجولاني وصحبه، وهو مشروع غائم عائم يقوم على متعة الحرب نفسها، فبدون مستنقع مثل الأرض السورية والصومالية والعراقية وغيرها، لن يلتكش الجولاني سوى أمثاله من صناع الموت والخارجين على القانون. فحياتهم وأفكارهم في تضاد شديد مع روح الإسلام الحقيقي أولاً، ومع مقتضيات تطور الحياة نفسها. لذلك يتكاثرون في المناطق الموبوءة بحقد الدكتاتورية، التي يغيب عنها أي أمل، فيها يصنعون أمجادا لهم ولأمثالهم، ويحكمون وفق شهواتهم التي يدعون إنها شهوات الله نفسه. 

ثالثاً: آخر اثنين يودّان أن يكون هناك حل سياسي في سوريا ويسعيان بكل ما لديهما من قوة لإجهاضه هما بشار الأسد وأبا محمد الفاتح. لأنه ببساطة بمجرد أن تركب عجلة الحل السياسي، سيبدأ العد العكسي لذوبانهما كما قنديل البحر المسموم اللاسع حين تخرجه من الماء. 

المراقب لنوعية الخطابين بين رئيس ميلشيا النظام ورئيس ميلشيا القاعدة في سوريا، سيجد أنهما منسجمان تماماً، فكلاهما يعتبر الحرية تافهة، كلاهما يحتقر الجيش الحر، كلاهما يعتبر الأمريكان انهزموا في العراق وأفغانستان، وأن الدمار في هاتين الدولتين لا يعني شيئاً. كلاهما يملك وضاعة المتكبر باحتقار الآخرين، كلاهما يملك عنجهية وفوقية ويكذب ويدّعي أنه يمثل قضية عادلة، كلاهما جزء من الكارثة ولا يمكن أن يكونا جزءاً من الحل. كلاهما يمتلك السلطة بالمكان المحشور فيه ليُحيي ويُميت ويطبّق بصرامة عقوبات مرعبة على الناس في مناطق سيطرته، كلاهما لا يفهم إلا بلغة القوة، كلاهما يقتات على الدمار ويكبر فيه ويصنع أمجاداً ولديه شبّيحة لتبرير كل كارثة يقوم بها. كلاهما كقادة سليم ومعافى يحارب بالآخرين. كلاهما حين يسأل عن وضع بيئته الحاضنة يقول إنه يقدم روحه ودمه، وإنهم مجرد أضرار جانبية في معركته. كلاهما لا يبادل أسرى إلا إذا كان الأسير سيؤدي إلى تلميع صورته أو يعود عليه بفوائد تخص تنظيمه. كلاهما يدعي أنها مؤامرة، كلاهما لا يرى في الثورة السلمية سوى تفاهات... إلخ. 

ويمكن الاستمرار بتعديد أوجه التشابه بينهما حتى يظن المرء أنه يتكلم عن شخص واحد في العمق يختلف فقط بالشكل. 

رابعاً: تكتيك الجولاني في العمل السياسي، وموقفه من الهدن واستخدامه لسلاح فتاك لا يجرؤ أحد على رده وهو ما يسميه، المسألة الشرعية. يحارب بفتوى شرعية ويهادن بأخرى، وينسحب من منطقة تحت نفس الذريعة. وإن انتقدته تكون أمام انتقاد مباشر للشريعة يعني كأنك تنتقد المقدس نفسه، وهو ما سوف يجر عليك بلاء التكفير ببساطة شم الهواء! 

بتاريخ الطالبان الذي يرتدي الجولاني ملابس أمرائهم، قاموا بالتفاوض مع الأمريكان أنفسهم، وفتحوا سفارة لهم في قطر وحاوروا السعودية وبعثوا مندويبن للعالم لشرح قضيتهم من دون أن يكفرهم أحد. يعني نحن أمام براغمتية مقززة، يكفي أن تأتي الرؤية الشرعية في المنام للشيخ الجولاني فتغير مسار مدينة أو مستقبل بلد. 

خامساً: في تبريره لجوع الغوطة يقول لأهلها إنه ورفاقه يدفعون الدم والأرواح، وكأن مشكلتهم هي الجوع، صحيح أن معدل الأوزان في الغوطة تجعل من كل أربعة رجال محاصرين بوزن الجولاني؛ لكن المسألة الأخطر هو أنه لا يرى شهداء الحصار من الأطفال والنساء والناس، فهؤلاء بالنسبة له أضرار جانبية، وأنهم كشهداء هم برتبة أقل من هؤلاء القادمين لنشر الجهاد وأحياء دولة الخلافة التي لا يعلم إلا الله ماذا تعني. 

وقتلهم اليومي يساعده على الاستمرار بحربه ضد الغرب الكافر والرافضة والنصيرية والمرتدين والخونة حتى آخر طفل فيهم. 

سادساً: يبرر الجولاني ارتهانه للخارج وتبعيته للأمير أيمن الظواهري في جبال تورا بورا بأنه لا يؤمن بالقُطرية وهو ارتباط نفي تقي، لا يمكن مقارنته بارتباط آخر. في الحقيقة الشيخ الجولاني لديه مكان محجوز في أحد كهوف أفغانسان يستطيع بأي لحظة تقديم طلب اللجوء إليه ويحصل مع أهل بيته على الأمان والرعاية الاجتماعية والصحية فيه، فليس معنياً كثيراً بما يفعله في أرض الشام أو الصومال أو خراسان. 

سابعاً: سيطول الحديث ويتطاول ولكن رغم اجتهاد الإعلاميين الأربعة في محاولة تصوير اللقاء على أنه "محاورة"، كان هناك سؤال واحد لم يُسأل ولا يمكن له أن يُسأل للقائد التاريخي حفظه الله: هل يمكن أن يفسر خيرة أهل العلم والشرعيين لديه كيف يبرر التنسيق العالي والحوار والتفاوض مع الكيان الصهيوني؟! وهو تنسيق لم يعد لا خافياً ولامخجلاً لنتنياهو وربعه! 

هل يستطيع أحد سؤاله مباشرة فيما أسماه مؤتمراً صحفياً عن هذا؟ أم إن أمام إسرائيل تتحول الإفتاءات إلى شهوات شرعية تسارع لتحويل السيّاف إلى مختص بعمل المساج لنتنياهو وكيانه. 

في انتظار الإطلالة القادمة لأبي محمد الفاتح، على الأغلب سنرى وجهه أكثر فدرجة كشفه عن وجهها تتناسب طرداً مع كشفه عن حقيقة تنظيمه، وستكون الحقيقة أكثر وضوحاً لهذا التنظيم، وغالباً ستكون ارتداداً إلى بيت الأهل مع أخوة المنهج ومصالحة مع داعش. أو حرباً ضروساً مع فصائل الثورة السورية الأخرى وخاصة الإسلامية وبشكل أدق أحرار الشام، فحتمية التصادم صارت واضحة. والأمل في حل قريب يغرق من جديد في بحر الدم السوري الغامض. ورجل كالجولاني لا يتقي الله في شباب سوريا الذين وثقوا فيه لتخلص من نظام الأجرام فإذ به يزجهم في محرقة تحرير أرض الخلافة من الأندلس إلى ما وراء خرسان.

*مقالات الرأي المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر "روزنة".


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق