النصرة والمعارضة وقوائم الإرهاب

النصرة والمعارضة وقوائم الإرهاب
القصص | 08 ديسمبر 2015

واجهت النصرة كافة الدعوات الحاثة لها للخروج من عباءة تنظيم القاعدة بالصمت أو بالرفض، ولم تتوقف محاولات المعارضة عن ذلك؛ فعلها ميشيل كيلو وجورج صبرا ومعاذ الخطيب وقبل أقل من نصف شهر خالد الخوجة وغيرهم كثر، وقد أساؤوا بموقفهم هذا للثورة الشعبية وحرموا الثورة من التعاطف الدولي معها. وهناك الكثير من الاجتهاد بخصوص إقامة الفوارق بينها وبين داعش، وأغلب هذا الاجتهاد ينطلق من أن النصرة تنظيم سوري وقابلة للتحوّل من الجهادية إلى الوطنية السورية. باءت كافة هذه المحاولات بالفشل. هذا ما كان على المعارضة أن تفهمه من قراءة التنظيمات الجهادية قبل ذلك. تنظيم القاعدة صناعة استخباراتية، ووظيفته ملء فراغ غياب البدائل التاريخية للتقدم وكذلك منع ظهورها أو تشكيل مشروع وطني للدول التي تدخل في أزمة كما كان الوضع في أفغانستان، ثم في العراق، وفي اليمن والآن في سوريا، وفي سواها كذلك. طبعاً هذه التنظيمات تظهر كتعبير عن أزمة مستحكمة في بلد ما، أي هي وجه الخراب والدمار والتوقف عن التطور.

جبهة النصرة وبملمح قريب من داعش، رفضت الانخراط في أي تشكيلات ما لم تكن لها القيادة، هذا حالها في درعا وفي الغوطة وفي القلمون وفي كافة المناطق "المحررة" وقد دخلت في جيش الفتح لأنها قيادية فيه. هذه الجبهة ليست اختلافاتها مع داعش بكبيرة، لا في الرؤى ولا في الممارسات ولا في الأصول الفكرية. وجود اختلافات في هذه القضايا وفي البنية التنظيمية ليس بعاملِ تمييزٍ أو تفريق يسمح بالقول إنها قابلة لتصبح تنظيماً وطنياً، ويعترف بالآخرين.

حركة النصرة فرضت سلطة شمولية في المكان الذي استطاعت فيه أن تكون لها الغلبة، وخاضت حروباً من أجل ذلك، وهادنت في الأماكن التي لم تحكام سيطرتها، ومارست النفاق مع الفصائل القوية كي تتمدد، وقد استغلت بذلك بساطة الوعي الديني لعموم السوريين، بينما هي تنظيمٌ جهاديٌ، ومنظم على درجة كبيرة من الحنكة والتخطيط والانضباط، وممول من تنظيم القاعدة الأساسي ومن جهاديين آخرين، وهناك علاقة مميزة مع دولة قطر، والتي لا تبخل بمال الغاز والنفط، وهي بذلك تفرض نفوذاً لها في مناطق كثيرة في العالم. اعتمدت قطر على الإخوان المسلمين وعلى النصرة في سوريا بشكل رئيسي، وعلى سواهم. 

الآن وقد تشوهت الثورة بكثير من الطائفية والجهادية، وتدمرت سوريا بسبب الخيار الأمني والعسكري للنظام وبفعل التدخلات الخارجية، وأصبح الجهاديون يضربون في بلاد متعددة، وقد يفجرون دولاً في المحيط، فإن ساعة النهاية لها لا بد أنها اقتربت. صار لا بد من فرض ما يشبه الوصاية الدولية والإقليمية "علينا"، أي على الثورة وتحويلها إلى درس لشعوب العالم، وأن كل ثورة ستتحوّل إلى الطائفية والحرب الطائفية والأصولية والتعصب والقتل ودمار البلد. في هذه الأجواء، يقوم الأردن وبالتشاور مع دول كثيرة بتصنيف المنظمات الإرهابية في سوريا، وأكثر فصيل إشكالي هو النصرة بالتحديد، ولأن كثيرا من المعارضين السوريين لم يفهموا أن لا علاقة للجهادية بالوطنية، فإنهم يكررون محاولاتهم المذكورة أعلاه تجاه النصرة. 

الأردن كما كثير من الدول تفهم جيداً أن النصرة تنظيم جهادي وستقترب بممارساتها في المستقبل أكثر فأكثر من داعش، وبكل الأحوال ممارسات النصرة إلغائية وتكفيرية لبقية السوريين من سنة وسواهم، وفرض سلطة شمولية وقضاء خاص بها، وهي تسعى لتشكل خلافتها بدورها. النصرة ستكون بالضرورة ضمن التنظيمات الإرهابية لا محالة، وكذلك كل تنظيم صغير وكبير لا ينطلق من الوطنية في فهم السياسة والعلاقة مع الدول ومع  المختلفين بالسياسة وفي الحياة.

تعمل حالياً السعودية على لمّ شمل المعارضة السورية وإعداد وثيقة سياسية مشتركة حول مستقبل سوريا، وإذ يتذكر كافة المهتمين دورها في اتفاق الطائف اللبناني، فإن الخشية أن تعمل حثيثاً من أجل طائف سوري. خشيتنا هذه متأتية من تصور طائفي عالمي لسوريا، فروسيا وأمريكا وإيران وتركيا والسعودية وقطر، جميع هذه الدول لا ترى قضية السوريين إلا قضية طائفية. هذه مشكلة حقيقية.

ملاحظتنا السابقة، لنقول أن المعارضة السورية معنية برفض كل مشروع سياسي ينطلق من الطائفية، والانطلاق من الوطنية فيه. وجود جيش الإسلام وحركة أحرار الشام والإخوان المسلمين سيشكل عامل ضغط نحو الرؤية الطائفية، فكافة هذه القوى ترى السوريين طوائف وليسوا بشعب، وله حقوق متساوية، ويجب أن ينطلق الدستور المستقبلي وفق مبدأ المواطنة وحقوق الإنسان. يساند هذه القوى قوى ليبرالية أيضاً منظورها للسوريين طائفي. ما سيظهر من مؤتمر الرياض للمعارضة السورية، ويخص تشكيل وفد للتفاوض مع النظام يجب أن يترافق معه تشكيل مجلس وطني يتابع بشكل دقيق كافة المنزلقات التي ستدفع بسوريا نحو الطائفية من خلال التفاوض مع النظام وبين الدول الداعمة للعملية الانتقالية. 

النصرة ستكون في قائمة بنوك العمليات العسكرية القادمة، وكذلك داعش، وربما تنظيمات صغيرة هنا وهناك، ولا يجب تقديم تنازلات للقوى الطائفية، التي ستساعد في تأمين ظهور تنظيمات جهادية بديلة. 

أخيراً ليست البيئة السورية حاضنة للمجموعات الجهادية، وقد زُرعت زراعة في الأرض السورية. الآن هناك عملية سياسية وتشكل لحظة حرجة في تطور سوريا، ومشكلتنا أن التدخل الدولي والإقليمي واسع المجال ومنطلقه طائفي. أقصد أن السوريين معنيون بتلمّس خطورة المآل السياسي الحالي، وفي حال استمر اللعب السياسي بموضوع الطائفية فإن التخلص منه في المستقبل ليس بأمرٍ بسيط، وقد تكون البداية لتخريب النسيجي المجتمعي، وتطييف الدين.

*مقالات الرأي المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر "روزنة".


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق