دماء في باريس.. قراءات على مسرح الموت

دماء في باريس.. قراءات على مسرح الموت
القصص | 14 نوفمبر 2015

الموت يطل من جديد في باريس عاصمة العطور والنور في أرقى مسارح الحياة وملاعبها. كم هو مرير ومأساوي أن عدداً غير قليل من السوريين بات يتبادل نخب الشماتة كلما عصف بالناس موت جديد، فيحتكر كل فريق بيده مفاتيح الجنة والنار، فينزل شهداءه في الجنة ويدفع بالآخرين إلى الجحيم.

رهبة الموت وجلاله وهيبته، وسلطانه الغالب بالقهر لم يعد يرسم ملامح الجنائز، ولم يعد الموت يوحدهم لقد صار موسماً آخراً للتقسيم، فالشهيد عند هؤلاء فطيس عند أولئك، والأبرار المكرمون هنا أشرار مرذولون هناك، ومن تنعيه بعض الصفحات السورية بأنه ارتقى إلى دار الخلود تنشر صفحات سورية أخرى صورته نفسها تحت عنوان تم الدعس!! في أبلغ مشهد من الجنون واحتقار الإنسانية.

وحدها الصبوحة طلبت من الكهنة أن يرقصوا الدبكة اللبنانية وهم يحملون نعشها، لقد كانت أعظم الحكماء في هذا الزمن الرديء، ولقنت الموت درساً لن ينساه، وقالت من نعشها الراقص للعالم التائه: إنها ملهاة، تراجيدياً من الملهاة ومسرح العبث ولا شيء آخر.

ومن خلال وصيتها الراقصة عبرت عن حكمة الفيلسوف العظيم أبي العلاء:

خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد

سر إن اسطعت في الهواء رويداً لا اختيالاً على رفات العباد

رُب لحدٍ قد صار لحداً مراراً ضاحكٍ من تزاحم الأضداد

ليس الدهش في الموت فهو قدر الإنسانية جمعاء، ولكن الدهش أن لا يكون الموت عبرة ولا موعظة، وأن يتحول القاتل إلى مجاهد مبرور والقتيل إلى ضال موزور، وأن يكون الحكم على الناس في مصارعها بحسب مواقفها الفكرية أو الثقافات التي ولدت فيها وتأثرت بها.

وكما يتم توزيع الحلوى في الضاحية الجنوبية بطرود كلما أنجز محاربو حزب الله قتلاً جديداً في الثوار السوريين، فبالقدر نفسه تبادل الثوار التهاني بتفجيرات الضاحية في بيروت واعتبار ذلك كله من روح العدل الذي يقد النفس بالنفس والفتك بالفتك والموت بالموت والكل يقول البادئ أظلم.

وفي تفجيرات باريس التي راح ضحيتها أكثر من مائتي روح بريئة في ساعة واحدة سمع العالم بيانات الشجب والاستنكار من المؤسسات والهيئات والدول والأفراد على اختلاف مواقعها ومواقفها، ولكن المشهد ليس كذلك في ملاعب التواصل الاجتماعي حيث تتكشف القلوب والضمائر، وتنفضح ثقافتنا البائسة التي نعلمها لأبنائنا كل يوم عن احتكار الخلاص واحتكار الجنة واحتكار الحقيقة، وسلطان الموت لم يعد له شيء من الهيبة والجلال والوقار، وتم التعبير باللغة اللئيمة إياها عن الضحايا بأنهم كفرة مشركون مارقون، وأنهم حطب جهنم وبئس المصير، وإننا نقدمهم إلى مصائرهم، "وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين".

ليس في هذا النقل أي مبالغات، فالتعليم لا يزال حتى في المدارس الحكومية العربية يتبنى توزيع الناس في الجنة والحجيم بحسب عقائدهم، ومهما زخرفنا هذا الوهم بأنه شأن آخروي لا يمس الحقوق الوطنية وأنه شأن عقدي محض، ولكن من أين لي أن آتي بطفل ألقنه أن الآخر المختلف دينياً ومذهبياً يستحق الخلود في النار وعذاب الحجيم وكلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب، وأن هذا هو عدل الله ورحمته ثم أطالبه برحمة من لا يرحمه الله، وأنتظر منه أن يقول إن الروح البريئة من المؤمن والكافر سواء.

إننا نخوض في أعمق قضايا التوحيد والعقيدة ولكنها ملفات لا يجوز أن تبقى مقفلة مغلقة، وحين نكرس الإنسان مجرماً لمجرد أنه مختلف في الاعتقاد، فإننا في الوقت نفسه نكرس جيلاً من الحاقدين، ما أسهل أن تجدهم في تنظيمات التكفير الرهيبة جاهزين لتنفيذ إرادة الله بهؤلاء المجرمين والتعجيل بهم إلى مصائرهم في الجحيم وهي حقيقة لا تحتاج للتأكد منها إلا متابعة ما يكتبه ألوف المراهقين على صفحات الشماتة، حصاد ثقافة الكراهية التي لا نزال نعلمها ونتعلمها ونعتبرها مسلمات لا تناقش في الدين.

إن مواجهتنا مع عقيدة احتكارالخلاص ليس في الواقع صراع العقل مع النقل، بل هو صراع النقل ذاته، وحجج القائلين باحتكار الخلاص من النص ليست أكثر من حجج القائلين بالمساواة الإنسانية في العمل والجزاء في النص ذاته، وحين نطالب المسلم باحترام الروح الإنسانية وتقديس الإنسان من أي دين أو ملة وقبول عمله الصالح ورد عمله الطالح، فنحن لا نبتعد من هدي القرآن وإنما نعيش أيضاً في فلك كثير من نصوصه التي ظلت تنص على كرامة الإنسان قبل الأديان والمذاهب والاعتقادات.

إن سجود الملائكة للإنسان وما نزل في كرامته ومنزلته: "ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا". كان ذلك قبل أن يأتي الأنبياء والمرسلون وقبل أن تقسم الدنيا إلى أديان وطوائف، وقبل أن يتقاسم الكهنة مفاتيح الجنة والنار.

وفي القرآن الكريم عشرات النصوص الواضحة بأنكم تجزون ما كنتم تعملون لا ما كنتم تعتقدون، وبأن كل نفس بما كسبت رهينة وليس بما اعتقدت، وأن الناس (ولم يقل المؤمنون منهم) الناس كل الناس يصدرون يوم القيامة ليروا أعمالهم، وبدون أي اعتبار انتمائي يأتي أروع نص في القرآن الكريم: "فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره".

إنها أيضا نصوص مقدسة تلك التي تتحدث عن الإخاء الإنساني وتسقط الفوارق المذهبية واللونية والدينية، تماماً كما هي تلك التي تأمر بالفرز الديني والمذهبي، وقناعتي أن كل ما ورد من وصف الآخر بالكفر والسوء فهو منصرف إلى الآخر العدو المحارب الذي يمارس الشر من أجل مصالحه العابثة.

إنها دعوة مباشرة لمنصات التعليم في بلادنا العربية الراتعة حتى الثمالة في ثقافة الكراهية تصنف الناس: "فريق في الجنة وفريق في السعير". نحتاج أن نواجهها بجرأة وشجاعة لنتحدث عن الإنسان أخاً للإنسان، كلاهما صنع بيمين الرحمن ونفخ الله فيه من روحه وذاته، وأن الذين يخرجون من هذا الرضوان هم فقط أولئك الذين يمارسون الشر ضد الناس من أي دين وملة كانوا، ولا تزر وازرة وزر أخرى.

وما لم نملك الجرأة للحديث عن ضحايا باريس بأنهم شهداء أبرار، مكانهم في رغد الجنة مكان كل روح بريئة قتلت بغير ذنب، وطالما مضينا في الحديث أنهم مشركون كفار حطب جهنم لمجرد أنهم ولدوا في المكان الخطأ فنحن نمهد لهجمات جديدة وجولات جديدة من العنف والموت والإبادة اللئيمة.

*مقالات الرأي تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "روزنة".


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق