الأخطاء الطبية تنهش ما تبقى من أجساد السوريين

الأخطاء الطبية تنهش ما تبقى من أجساد السوريين
تحقيقات | 12 نوفمبر 2015

ما أن تقترب من قرى اللاذقية وطرطوس في الساحل، حتى تستقبلك صور قتلى جيش النظام السوري، التي تنتشر على أطراف الطرقات، وجدران المدارس، وتعلو أبواب البيوت، لكن وراء الأبواب، ما وراءها.

اسماعيل من بيت ياشوط بمحافظة اللاذقية، كان صف ضابط بجيش النظام، يخدم في مطار أبو الظهور بإدلب، بات اليوم مقعداً، بعد أن فقد ساقه في إحدى المعارك، مع فصائل المعارضة.

ورغم أن الاصابة لم تكن تتطلب بتر الساق، إلا أن العلاج بالمشفى الميداني في المطار، غير المجهز والمعقم بشكل طبي سليم، فرض لاحقاً التخلي عن جزء من قدم اسماعيل، بعد أن وصلت الالتهابات إلى درجة، لا يمكن حدها بحسب الأطباء في مشفى طرطوس العسكري.

نوع جديد من الإصابات!

وثقّ أحد الأطباء المقيمين في مشفى اللاذقية، نوعاً من الإصابات، قد يؤدي إلى الشلل التام، توثيق قام به، خلال تخصصه في الجراحة العظمية.

"أحصيت قرابة 250 حالة إصابة في العمود الفقري، خلال 2014، والنصف الأول من 2015، ومعظم المصابين موجودون في اللاذقية" يقول الطبيب لروزنة، مضيفاً: "هم حالياً مصابون بشلل تام، وكان يمكن أن يتخطوا جميعاً حالة الشلل، لو أن العمليات الجراحية كانت تجرى في الوقت المناسب".

أخطاء تقطع الجسد

يبدو أن سوء العلاج في مشفى اللاذقية، ونقص المعدات، والإهمال ربما، عوامل أدت لخسائر كبيرة عند المصابين.

وحول ذلك، تقول والدة أحد المرضى: "سوء العلاج الطبي وعدم المتابعة الطبية لحالة ابني أديا إلى تأزمها، حيث تقوم بعض الكوادر الطبية بالإكتفاء بتسكير جرح المصاب، والقول لذويه إن حالته ميؤوس منها".

"كان سليمان يعيلني مع أخواته وأخيه الصغير، بعد وفاة زوجي أثناء المعارك، اليوم أنا مضطرة للبحث عن أي عمل أو الوقوف على أبواب الناس لطعام أبنائي"، تختتم المسّنة حديثها، ودمعتها تلخص حالها.

نقص الأطباء

بحسب دراسة لـ "المركز السوري لبحوث السياسات" بعنوان "حرب على التنمية"، فإن القطاع الصحي في سوريا، بشكل عام، يشهد انهياراً كبيراً، حيث تراجعت نسبة الأطباء، من طبيب واحد لكل 661 مواطناً، في 2010، إلى طبيب لكل 4041 مواطناً بحلول حزيران الماضي، وتوقفت نحو 90% من الصناعات الدوائية المحلية عن الإنتاج.

النقص بالأطباء ذوي الخبرة، دفع بعض طلاب الطب، لدخول المشافي، وهم غير جاهزين لهذه الخطوة.

سمر طبيبة سنة أولى في اختصاص الجراحة العامة، تقول لروزنة: "غالبية الخريجين الجدد يغادرون البلد، وخصوصاً من الشباب، لأسباب أمنية، مما دفع طلاب السنة الأولى في الاختصاص، للقيام بأعمال طلاب السنة الرابعة، وهم لا يملكون الخبرة الكافية للعلاج".

وتؤكد سمر: "نتج عن ذلك حالات بتر لأطراف كانت نسبة شفائها عالية جداً، فهي جروح وإصابات ناتجة عن شظايا خفيفة".

أرقام مرعبة

رغم غياب الإحصائات الرسمية، فإن الأخطاء الطبية تتنوّع وتزداد من عام إلى آخر، سيما وأن وتيرة الحرب في سوريا ترتفع.

تؤكد منظمة أطباء لحقوق الإنسان، أن عدد الأطباء الذي قتلهم النظام السوري خلال أربع سنوات، وصل لنحو 600، فيما قدرت الأمم المتحدة بدراسة، أن نسبة الأطباء السوريين المهاجرين خارج سوريا، قبل عام 2011، كانت تشكل نسبة 10%.

ومذاك الوقت حتى الآن، تجاوزت نسبة المهاجرين، حاجز الـ30%، من إجمالي الأطباء السوريين، البالغ عددهم، نحو 30 ألفاً، بحسب تقديرات نقيب أطباء سوريا عبد القادر حسن،  الذي صرح بذلك، لصحيفة الوطن المقربة للنظام.

أما منظمة "أطباء بلا حدود"، فأعدت تقريراً مفصلاً تحت عنوان "أربع سنوات مرت-المأزق الإنساني"، عكس الصعوبات التي يمر بها القطاع الصحي السوري.

وجاء بالتقرير، أن آلاف الأطباء قتلوا في سوريا، ولم يبق سوى أقل من 100 طبيب في حلب، بعدما كان عددهم 2500، عام 2011، موضحاً، أن الأوضاع الأمينة، وتوسع تنظيم "داعش"، واحتجاز 5 متطوعين معه عام 2014، أجبرت منظمة أطباء بلا حدود، على إنهاء عملها داخل سوريا.

ماذا عن أعداد المعوقين؟

تلك التقارير والأرقام، لم تشكل حافزاً لدى حكومة النظام أو مؤسسات المعارضة، لحصر أعداد المعوّقين، وفق أشكال الإعاقة وأسبابها، وتوزعهم الجغرافي، تمهيداً لوضع استراتيجية، لمساعدتهم.

وفي عام 2010، قالت دراسة صادرة عن المعهد العالي للدراسات والبحوث السكانية السوري، إن نسبة المعوقين تقدر بـ10% من السكان، لكن سنوات الحرب الدائرة منذ أربع سنوات، أضافت أعداداً جديدة، لا تزال غير معروفة أو موثقة، وهذا باعتراف وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، التابعة لحكومة النظام.

 إلا أن عضو مجلس  منظمة "آفاق الروح للنساء والأطفال المعاقين وأمهات المعاقين"، مي أبو غزالة، أكدت لصحيفة الأخبار اللبنانية مؤخراً، "أن الأرقام التي كانت موجودة قبل 2011، لدى وزارة الشؤون الإجتماعية هي إحصائية غير صحيحة".

 ومن خلال دراسات غير رسمية، حصلت روزنة على نسخة منها، أجراها طلبة في "جامعة دمشق"، بغرض البحث العلمي، تبين أن نسبة المعوقين تجاوزت 21% في المجتمع السوري.

الإسعافات "الشعبية" الخطر الأكبر يواجه الأطباء

يعود الموروث الشعبي، في علاج الحروق والكسور، بكارثة كبيرة على المصاب وعلى الطبيب في آن واحد، فأغلب الأمهات يلجأن إلى وسائل غير صحّية، وليس لها أي تفسير طبي كإسعافات أولية.

 مثال على ذلك، تحدث عنه الطبيب وائل من اللاذقية: "يلجأ بعض الأهالي إلى استخدام معجون الطماطم، أو معجون الأسنان أو الثلج، أو صفار البيض، وأغرب علاج شعبي هو استخدام الصابون ولف الحروق بواسطة ورق الجرائد".

ويضيف الطبيب أن "هذه العادات تعقد عمليات العلاج، حيث يلجأ الطبيب إلى إزالة كل هذه المواد مما يعمق الإصابة ويصعب من علاجها".

ويحذر الأطباء، من استخدام الإسعافات الشعبية، ويفضلون الإكتفاء بوضع المصاب بالحروق، تحت مياه الحنفية التي تحد من الألم، وتوقف عمق الإصابة، وتفادي نزع الملابس الملتصقة بالجسم، إلى غاية نقل المصاب للمستشفى.


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق