سوريا نحو أفغانستان أكثر تعقيداً

سوريا نحو أفغانستان أكثر تعقيداً
القصص | 07 نوفمبر 2015

الأرقام غير مشجعة في سوريا. 5 ملايين طفل ولدوا و تربوا في سوريا لا يعرفون عنها شيئاً سوى الحرب وصوت الرصاص والقذائف. جلّ هؤلاء هم خارج المدارس، والسعيد منهم الذي التحق بعملية التعليم يتم إعداده الآن ليكون شبلاً للأسد أو انغماسياً في داعش. الأرقام قاتمة إلى حدّ مفجع و فظيع. ليست الفظاعة في الصورة التي تظهر كلّ يومٍ من جراء القصف والذبح والتنكيل في المعتقلات، الفظاعة في جيلٍ كاملٍ إن لم يكن أجيالاً سورية قد ضاعت وغرقت في نسيان لمعنى تشكيل الوطن والاجتماع البشري والحالة الإنسانية. 

ومع التدخل الروسي الذي بدأ منذ أكثر من شهر، وليس من المأمول به أن ينتهي بالقريب العاجل الذي تمّ الإعلان عنه سالفاً، فإن الوضع يزداد تعقيداً وتغدو مآلات الصراع مفتوحة على كلّ الاحتمالات والخيارات والتي ليس أسوأها إعادة السيناريو الأفغاني في سوريا. فالتدخل الروسي والذي أُعلن مسبقاً أنه لن يمتد لأكثر من أربعة شهور، ها قد أنهى ربع مدته ولم يصل إلى أي متحولٍ قابل لرسم تغيير جدي في ديناميكية الصراع. و بدل أن يكون من شأنه تشذيب و تهذيب و هندمة شكل الفصائل المعارضة المسلحة التي تواجه نظام الأسد، فإنه بالمقابل يلعب دوراً مولّداً و مطرّفاً لهذه الفصائل. فمع تشكيل جيش الشام والجيش السوري الديموقراطي وهيئة التحرير السورية، قامت بعض الكتائب المسلحة العاملة في حلب بإنشاء ما سمته "دار الحسبة" وبدل أن نحيى في خلافة إسلامية واحدة ذات سكين ذابحة، أصبحنا نعيش في خلافاتٍ و إماراتٍ ما أنزل الله بها من سلطان. 

تبدو إعادة إنتاج السيناريو الأفغاني الذي رسمته هجمات طائرات الاتحاد السوفيتي في ثمانينات القرن الماضي ولعبة الاستخبارات الأمريكية المركزية بما مولّت فيه المجاهدين الأفغان من صواريخ سيتنغر وغيرها، يبدو هذا السيناريو هو الخيار الأقل سوءاً إن كنا متفائلين إلى أكبر حدّ. فالوضع السوري يحمل تعقيدات مفاقمة على خلاف الوضع الأفغاني في القرن الماضي. فبالإضافة إلى وجود الوحش الداعشي في قلب البادية السورية، فإن المسألة الطائفية ووضع الأقليات يزيد من خطورة أي حلّ في القريب العاجل. لقد بات من المسلم به، أن الأقليات السورية وتحديداً الطائفة العلوية لن تسلم من مجازر عرقية ما إن يصل الصراع إلى خاتمة معينة. فالانغماس بالدم الذي غرقت فيه مجموعات الشبيحة وكتائب الدفاع الوطني والذين يشكل العلويون جسدهم الأساسي لن يمرّ هكذا دون حساب منفلت العقال من المجموعات الإسلامية المتطرفة التي نمت وتربت خلال سنوات الثورة والحرب. 

لم يعدّ الخوف من أفغنة الوضع السوري، الخوف الآن من "سورنة – من سوريا" الإقليم بمجمله. إن ارتباط المصالح الإقليمية وتنوع التوزع الطائفي في الهلال الممتد من العراق مروراً بسوريا وصولاً للبنان يجعل من آليات الحل السوري شائكة إلى حدّ لا يطاق. العراق غارق في صراعه وهو امتداد ومفاقمة إضافية للصراع السوري. ولبنان الذي يغرق حالياً بأكوام النفايات التي تملأ شوارع بيروت، يحيى فوق أكوام من رماد الصراع الأهلي الذي إلى الآن لم ينطفأ جمره بعد.

النظر إلى المنطقة الآن وما تفرزه من امتدادات دولية بمئات الآلاف من المهاجرين الذين يعبرون الشرق الأوسط سعياً نحو حياة ما في القارة العجوز بدلاً من الموت تحت البراميل والسكاكين، يقودنا إلى تعقيد آخر غير مأمول منه أن تتمكن الدول الفاعلة في العالم والأقليم على حدّ السواء أن ترسم صيغة أقل قتامة، فطالما كانت هذه الدول سبباً في المشكلة بدلاً من الحلّ.

*مقالات الرأي المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "روزنة".


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق