آفاق التدخل الروسي ما بعد فيينا

آفاق التدخل الروسي ما بعد فيينا
القصص | 07 نوفمبر 2015

تدخلت روسيا بقوةٍ نيرانية أكبر منذ 30 أيلول، وصار من المُقر به أن السبب هو الضعف الشديد للنظام واحتمال سقوطه. استطاعت روسيا إيقاف تقدم جيش الفتح وبقية الكتائب في إدلب وحماه، ومن المحتمل حلب أيضاً؛ وكان لهذا تأثيرٌ كبير على التقدم الواسع في الغوطتين المحيطتين بدمشق قبل التاريخ المذكور. إذاً أنقذت روسيا النظام؛ المعارك ما بعد التدخل أصبحت كرّاً وفراً، وليس من توسع روسي كبير.

لكن الأوهام كبيرةٌ إزاء هذا التدخل، فالروس اعتبروا كافة القوات المعارضة للنظام دواعش، وبالتالي المعركة في سوريا ضد الإرهاب؛ ولكن روسيا تعلم أن هذه البروباغندا كاذبة، وفي السياسة الكذب أساسي للوصول إلى الهدف. الهام أن روسيا وبعد أقل من شهر عَرفت أن تدخلها لن يَحسمَ المعارك ولا بد من العودة للسياسة، فكان لقاء فيينا. هذا اللقاء أتى بسياق تفعيل مسارات ديمستورا، ولتفعيل بنود جنيف الأساسي، ولكن غياب الإستراتيجية الأمريكية والأوربية في المواجهة في سوريا هو ما يدفع روسيا للعب السياسي، أي للمماطلة سيما وأنها وضعت لنفسها مدة أربعة أشهر، وهناك من يقول بعامٍ كامل، للتجريب في سوريا، فربما وعسى أن يتكلل تدخلها بنجاح ما. النجاحات الصغيرة هنا وهناك ليست في الحرب السورية بذات قيمة على الإطلاق؛ فروسيا تحمي مناطق نفوذ النظام ولكنها تريد السيطرة على كامل سوريا.

انتقلت روسيا من الكلام عن دواعش سوريا إلى الكلام عن الجيش الحر، وأنها ستحميه إن وافق على الحرب ضد داعش، وهناك مشاورات معه، ولكن روسيا ربطت ذلك بإعادة تشكيل الجيش السوري في إطار النظام الحالي، وهذا ما يضع حدّاً للمشاورات عند حدود الكلام. لقاء فيينا الأول والثاني وهناك لقاء ثالث في نهاية الشهر والتغيرات في عدد الدول الحاضرة وغياب النظام والمعارضة عنه، يوضح أن روسيا وصلت لقناعة بفشل سيطرتها المنفردة على سوريا بأكملها، ولا بد لها من الاعتراف بالمصالح الإقليمية والأمريكية في سوريا، وبالتالي فيينا محاولة جديّة نحو الحل السياسي.

يدعم فكرتنا هذه وصول صواريخ التاو، واحتمال وصول صواريخ مضادة للطائرات، وضغط خليجي كبير من أجل ذلك وغضب من التجاهل الروسي لمصالح هذه الدول سيما أنها فتحت كافة الخيارات أمام الروس للتعاون معها بخصوص سوريا وبخصوص الاتفاقيات العسكرية والاقتصادية بل وضمان ما يقابل الهيمنة الروسية على سوريا. روسيا تريد أكثر، فهي تريد تقاسماً عالمياً مع أمريكا على العالم، وتريد حل النزاعات الدولية معها، فروسيا كدولة إمبريالية تبني سياساتها وفقاً لذلك وليس انطلاقاً من سوريا أو أوكرانيا. ربما هذا يتيح لاحتمال تأخر المشاورات بخصوص سوريا بالتقدم على سواها من الاحتمالات، بسبب التعقيدات الخاصة بأوكرانيا والقرم.  ولكن لا، فروسيا تعلم أن سوريا ليست الشيشان وليست أوكرانيا، وسوريا فيها تدخل إقليمي كبير، وهي بعيدة جداً عن حدودها ومجالها الحيوي، وبالتالي هناك مصالح إقليمية ودولية لا بد أن يُعترف فيها في سوريا، يضاف لكل ذلك فشل التقدم الكبير في هذا التدخل وهناك الذاكرة الأفغانية التي تذكر بوتين بفشل دولته العظمى.

الروس يراقبون المشهد على الأرض، فتدخلهم قارب بين الفصائل المحلية والإسلامية وهناك ما هو أخطر كأن يحدث تقارباً بين النصرة وداعش ولا سيما بعد وصول سيف العدل إلى سوريا، وهو قيادي في القاعدة! وتشكلت غرفة عسكرية مشتركة في حلب، وهناك يأس سوري واسع بسبب ذلك، وبالتالي الخيار المفتوح وفي حال استمرت روسيا بالتعنت هو أفغنة أكبر ومعارك أصلب وخسارات روسية غير متوقعة، فالإعلام بدأ يسرّب عن استعداد مئات الجهاديين للقيام بعمليات واسعة داخل سوريا وخارجها. الروس تقدموا بطرح جديد، التعاون مع حزب البي يا دي والجيش الحر، ولكنها خطوة فاشلة بدورها، وفيها تذاكي ويعرف كافة المتابعين للشأن السوري، أنها أفكار للابتزاز، وتقول إما أن توافقوا معنا أو سنسمح لداعش بالتقدم في حلب، وهذا حقيقي ولكنه لن ينجح، ولسان الروس يكمل: سنستمر في الدمار والقتل المطلق. وبكل الأحوال هذا ما فعلوه منذ تدخلهم الكثيف، وربما هذا ما يجيدونه جيداً؟!.

ما يهم هنا، أن الروس وضعوا احتمال فشلهم حينما تقدموا بالسياسة نحو فيينا، وعلى الأرض حينما يعلنون مشاريع للتعاون مع الجيش الحر. يضاف لذلك فشل الروس في اختراع جيش سوري خاص بهم من موالي النظام، فقد تضاءل الاهتمام بمحاولتهم إعادة تشكيل الدفاع الوطني ليصبح روسياً بعد أن هيمنت عليه إيران. وفي مجال العلاقات مع إيران، هناك عدم ثقة بينهما على الأرض، فروسيا متخوفة من التعاون الأمريكي الإيراني، ومن السياسة الإيرانية الطائفية المكتفية بمناطق النفوذ للنظام وبترك بقية سوريا للآخرين سيما أن كل محاولاتها فشلت في استعادتها. 

يدعم ذلك التنسيق الروسي الإسرائيلي، الذي يؤكد  ضرورة خروج إيران من سوريا، ولنقل تهميش دورها بشكل كبير، فإسرائيل تقرأ السياسات الإيرانية جيداً، فبقاء النظام الإيراني بحالته الراهنة يتطلب تدخلاً إقليمياً واسعاً، يبرر التدخل القوي للحرس الثوري في الشؤون السياسية الإيرانية، وفي حال توقف كل ذلك سيتهمش دوره وأهميته داخلياً.

ربما لن يحدث تقدم كبير ومباشر في مؤتمر فيينا رغم أنه يبشر بحلٍّ سياسي ليس ببعيد، وهذا يعني أن الروس اختاروا التجريب بالسلاح لفترة معينة، ولكن الفشل سيلحق بهم سريعاً وسيكونون مجبرين مجدداً على العودة إلى فيينا وجنيف لحفظ ماء الوجه قبل خسارة سوريا. 

هذه الإرباكات أمام الروس والتقييد الأمريكي للسياسة الخليجية وضعف الأخيرة في مواجهة أمريكا، وعدم تعاون روسيا معهم جيداً، تتيح المجال واسعاً للسوريين بالتقدم نحو حلّهم الخاص، الوطني بامتياز، ولكن هذا يتطلب جهداً سياسياً كبيراً. ولهذا الاحتمال أرضٌ حقيقية كما لبقية الاحتمالات.

*مقالات الرأي تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "روزنة".


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق