الحل الوطني والحل الخارجي

الحل الوطني والحل الخارجي
القصص | 30 أكتوبر 2015

مقالات الرأي | شكل لقاء فيينا غياباً سورياً كاملاً، فلا النظام السوري حضر هناك ولا المعارضة. هذا اللقاء يأتي بعد إعلان موسكو حربها المقدسة على سوريا وشنها عدواناً يتطابق مع مواصفات الاحتلال لدولة آخرى، ولكنه فشل في إنهاء الثورة السورية وبالتالي أُجبِرَ الروس على الإذعان لواقع الأمر. فبعد أن اعتبروا كل أعداء النظام إرهابيين ودواعش، وأنكروا وجود الجيش الحر، عادوا ليعلنوا مجدداً وجوده والاستعداد  لتغطيته جوياً في مواجهة داعش. يضاف لذلك الالتباسات حول زيارة الرئيس السوري، والتي غابت عنها الأعراف الدبلوماسية!.

إذاَ بدأ الروس يعترفون بالوقائع وبفشلهم، وإذا كانت سياسات الدول تتضمن محاولات دائمة للتراجع والتقدم والمساومة للوصول إلى المصالح، فإن لقاء فيينا، تَضمن بداية تقاسماً لشكل الحكم مستقبلاً وتحكماً إقليمياً ودولياً على سوريا. وإذا كان النظام تعنيه ديمومة سلطته ولو تحوّل إلى أداةٍ بيد الخارج، فإن بقية الشعب السوري، يقع عليهم العودة إلى تمثيل أنفسهم وطنياً وبعيداً عن كل تبعية للخارج. فالخارج لا يستهدف أبداً تحقيق مصلحة السوريين وإلا لوجد لديه ذلك الهدف، لحققت سياسياته انتقالاً للسلطة ومنذ السنة الأولى للثورة.

 بدورها المعارضة أخطأت في تهميش النزوع الوطني للثورة، وطالبت بالتدخل الخارجي، فكانت النتيجة انتفاءً للوطنية وتحكماً للأسلمة ولاحقاً للجهادية في مفاصل الثورة وتشويهها لصالح النظام، وظهر أن لا بديل عن الوطنية كإطارٍ جامع للشعب. إن ضعف النظام واختياره الحل الأمني والعسكري والتطييف، هو ما منعه من الاستفادة الحقيقية من أخطاء المعارضة. ونضيف أن اعتماده على المافيا الروسية ودولة ولاية الفقيه وحزب الله والمليشيات الشيعية الطائفية، ساهم في تشكيل واقع سوري جديد أسه التحكم الخارجي والتفكك الوطني الداخلي، وكانت النتيجة دمار وقتل وتهجير واسع، وغياب كبير للمشتركات السورية وللوطنية السورية.

اجتماع فيينا هذا يوضح أن الحالة السورية أصبحت في طور الحل الفعلي، وغياب الدور السوري الكامل، يقول أن اللعب بسوريا على أكمل وجه، وبالتالي هناك ضرورة لدورٍ سوري وطني، يتجاوز أطراف الحرب الحالية ويلجم التدخل الخارجي، ويستند إلى كافة القوى والبشر الساعين إلى إعادة توحيد السوريين وفقاً لمشتركات سورية خالصة.

ما يمكن الاستناد إليه ويشكل أساسي هو بيان جنيف الأول حيث جاء معبراً موضوعياً عن قوة النظام والمعارضة وحدد المرحلة الانتقالية بشكل منصف للجميع، ولكن الروس والنظام وإيران أفشلوه، عدا عن غياب "إرادة دولية" للمساعدة في فرض تنفيذه. وتشكل وثائق القاهرة 2012 أيضاً مرجعية يمكن الانطلاق منها لحلٍّ وطني جامع، وقد فشل بسبب التدخلات الإقليمية الرافضة لأية مشتركات للمعارضة السورية. 

المعارضات المُشكلة لاحقاً أظهرت عجزاً كاملاً عن الوصول إلى ما يشبه تلك الوثائق وتراجعاً عن بيان جنيف؛ لقاء فيينا أيضاً ووفق ما تسرب عنه يتضمن أيضاً التفافاً على تلك الوثائق، والبدء بتشكيل مرحلة انتقالية تراعي المصالح الروسية وتؤمن سيطرتها على سوريا وإعادة إنتاج جزء كبير من النظام، وسيتضمن بالضرورة إزاحة عدد كبير من الفاعلين الرئيسيين في السلطة الحالية.

أدت سياسات الأسلمة والتطييف والفوضى العسكرية والتدخل الإقليمي والدولي إلى تشوشٍ كبيرٍ في العقل السوري والسياسات الوطنية، وتراجع كبيراً عنها. ولكن وبعكس ذلك فقد برز في 2015  وبما يشبه روحية 2011 و2012 لدى أغلبية الشعب السوري، ولا سيما مع الضعف البارز للنظام وتحكم الجهاديات في جبهات القتال والتدخل الإقليمي الكبير في كل صغيرة وكبيرة في الشأن السوري، تفكيراً جديداً في مشروع وطني سوري، يساهم في تفكيك سيطرة المعارضة والنظام على الوضع السوري، وبعيداً عن عقلية الأداة السياسية لصالح الخارج في سوريا.

دعم هذا الميل بروز دور للجيش الوطني في حماه، حيث أوضحت الحرب ضد الاحتلال الروسي أن الوطنيين السوريين موجودين وبقوة، كما أن هناك تململاً سورياً من التحكم الروسي الجديد في مناطق المولاة، فإن أبرزوا ارتياحاً في إزاحة الدور الإيراني فإنهم باتوا يشعرون بالخطر الروسي، واعتبارهم بنظر أنفسهم وأغلبية السوريين عملاء للدول الأجنبية. هذا الوضع بدأ يثير الرغبة في إعادة الاعتبار للوطنية السورية.

يضاف إلى ذلك التململ الواسع بسبب ضعف النظام والاحتجاجات المتتالية من "الشيعة" و"العلويين" ضد النظام، بسبب تركه أقربائهم في الجيش أو في قرى "شيعية وعلوية" أمام نيران الفصائل المقاتلة، ويتعرضون للموت المجاني، وهذا يتضمن بحثاً عن إنهاء الحرب العبثية. عدا أن هذه الفئات وفئات واسعة تحاول اللجوء وترك البلاد نهائياً، ويعتبر هذا السلوك محاولة للخلاص من نظام وجهاديات أكلت الأخضر واليابس، ومسعىً لحياة جديدة. ويمكن قراءة هذه الوقائع في بعض أوجهها بحثاً عن وطنية جديدة، ولكنها ما زالت بطور الالتباس.

هذه المعطيات، ولقاء فيينا الذي طُردَ السوريين من جنة "اللقاءات الامبريالية والإقليمية" تشكل دافعاً نحو الخيار الوطني، ودفعاً للبحث عن مشتركات سورية-سورية، وبما يمنع التدخل الإقليمية والدولي ورفضاً للجهادية ولكل شكل للتدخل الخارجي، وبالتأكيد رفضاً لاستمرار النظام والمعارضة بحالتيهما الراهنة، وبالتالي ما يساهم في إنقاذ السوريين، ونقلهم إلى الصراع السياسي، هو تطبيق بيان جنيف ووثائق القاهرة ورغبة السوريين في تشكيل وطنية جديدة.

*مقالات الرأي تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "روزنة".


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق