القواعد الروسية في سوريا ثمناً لرحيل الأسد

القواعد الروسية في سوريا ثمناً لرحيل الأسد
القصص | 27 أكتوبر 2015

لم يمض وقت طويل على بدء التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا، حتى سارع الروس إلى العمل على الاستثمار السياسي لهذا التدخل. تكشّفت ملامح مناورتهم السياسية الجديدة من خلال "الزيارة" الخاطفة التي قام بها بشار الأسد إلى موسكو ولقائه الرئيس الروسي قبل أيام، إضافة إلى ما يجرى تداوله إعلامياً عن مبادرة للحل في سوريا، سربت بنودها صحيفة "الشرق الأوسط"، وقيل أنّ وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عرضها على نظيره الأميركي جون كيري خلال اجتماعهم الأخير في فيينا، وأنّ الأميركيين وجدوها "صالحة للعمل".

استناداً إلى ما نشرته "الشرق الأوسط"، تنصّ المبادرة على جوانب عسكرية إجرائية وأخرى سياسية شاملة، لا يختلف بعضها عمّا تضمّنته مبادرات سابقة كان مصيرها الفشل. غير أنّ الفارق اليوم لا يكمن في بعض التفاصيل الجديدة المهمّة فقط، وإنما في تطور المشهد بعد التدخل العسكري الروسي المباشر، والأهم مدى "النضج" الذي بلغته الحرب السورية، بما يكفي لإقناع القوى الفاعلة، دولياً وإقليمياً، بالتوصل إلى تسوية تضع حدّاً للحرب.

تشابه المبادرة سابقاتها في الحديث عن حوار يضم النظام ومعارضة الداخل والخارج والجيش الحر، ينتج عنه عفو عام، وإفراج عن جميع المعتقلين، وانتخابات برلمانية ورئاسية، وتأليف حكومة وحدة وطنية تتمثل فيها كل الأطراف. كذلك في مسألة تجميد جبهات القتال، تحديداً بين "الجيش الحر وقوات النظام". كما أشارت المبادرة إلى قيام النظام والمعارضة بفكّ الحصار عن المناطق التي يحاصرها كل منهما، إضافة إلى "وقف المعارضة لأعمالها الهجومية وتجميد الدول تسليح هذه الفصائل"، وأخيراً "إيجاد صيغة لدمج كتائب الجيش الحر مع جيش النظام بعد دمج الميليشيات الموالية للنظام ضمن الجيش".

في مستوى آخر، قد يكون من المفهوم تضمين المبادرة اقتراحاً "بتحديد بنك أهداف مشترك بين الدول التي تقصف في سوريا"، باعتباره، نظريّاً على الأقل، من ضرورات "محاربة الإرهاب"، الهدف المعلن للدول المختلفة التي تجوب طائراتها سماء سوريا، وهي بدأت فعلاً التباحث مع روسيا لتنسيق الطلعات الجوية. غير أنّ اللافت هو التهديد الصريح المتمثّل بتوسيع نطاق "بنك الأهداف" ذاك، ليشمل "الفصائل التي لا تقبل بالحل السياسي". على ذلك، فإنّ كل مجموعة مقاتلة ترفض لسبب أو لآخر "الحل السياسي" المزمع، ستصبح هدفاً محتملاً. بالتالي، لن تكون غاية الطلعات الجوية الروسية والغربية "محاربة الإرهاب" وحسب، وإنما فرض الحل الذي يريده الكبار بالقوة واستهداف من يرفضه، حتى لو لم يكن من ضمن الجماعات المصنّفة إرهابية (كجبهة النصرة لأهل الشام، وتنظيم الدولة الإسلامية، على سبيل المثال لا الحصر).

لعلّ أبرز ما جاءت به المبادرة، فيما إذا تأكّدت صحتها وأنّها تعبّر فعلاً عن موقف روسيا الرسمي، أنّها المرّة الأولى التي تصدر فيها روسيا موقفاً واضحاً بشأن مصير الأسد، فبحسب أحد البنود يتعهد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شخصياً بعدم ترشح بشار الأسد للانتخابات الرئاسية التي ستعقب مؤتمر الحوار، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام إمكانية ترشح مقربين من الأسد أو شخصيات أخرى من النظام. وتكتمل الصفقة الروسية بشأن مصير الأسد ورموز نظامه في بند آخر نصّ على تعهدها بأن يشمل العفو "جميع المعارضين في الداخل والخارج حتى من حمل السلاح" وذلك مقابل تعهد المعارضة "بعدم ملاحقة الأسد وشخصيات النظام قضائياً في المستقبل"، سواء اختار هؤلاء البقاء في سوريا أو مغادرتها.

أمّا الثمن الذي تريده روسيا مقابل قبولها برحيل الأسد، وهنا البند الأهم في المبادرة: "تحتفظ روسيا بقواعدها العسكرية في سوريا بموجب قرار صادر عن مجلس الأمن".

أغلب الظن أنّ تسويةً كهذه ليست من بنات أفكار الروس وحدهم، ومن الوهم الاعتقاد أن تدخّل روسيا العسكري وحده كفيل بإنجاح المبادرة، فهو لم يؤدّ حتى الآن إلى نتائج ملموسة في الوضع الميداني على الأرض. لا تغييرات كبيرة تُذكر على الجبهات وخطوط القتال الرئيسية، وما حقّقته الآلة الحربية الروسية في سوريا لم يتعدّ استعراض القوّة وتوجيه الرسائل السياسية، إضافة إلى ارتكاب العديد من المجازر بحق المدنيين العزّل، الذين خبروا جيداً نيران الطائرات الروسية، لكن هذه المرة على يد الروس أنفسهم.

*مقالات الرأي تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "روزنة".

 


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق