روسيا في سوريا.. ما الجديد؟

روسيا في سوريا.. ما الجديد؟
القصص | 22 أكتوبر 2015

تطغى أخبار التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا على ما عداها من المعطيات المتكاثرة التي تفرزها المقتلة السورية كل يوم، وبدا كأنّه الحدث الأبرز خلال الحرب المتواصلة منذ سنوات، وهو الذي لا يختلف في قذارته وانعكاساته السلبية على السوريين ومستقبل بلادهم عن سواه من أدوار الأطراف الأخرى المتورطة في المأساة السورية بصور ومستويات مختلفة.

تدخّل الروس السافر على هذا النحو، رغم أهمّيته وبصرف النظر عن الموقف منه، لا يدعو للدهشة أو للاستغراب، فهو يأتي تتويجاً للسياسة التي انتهجتها موسكو حيال "الملف السوري" منذ اندلاع الثورة ضد نظام الأسد عام 2011. لقد دأبت روسيا على دعم النظام في المحافل الدولية، ولم تتوانَ عن استخدام حق النقض (الفيتو) مراراً في مجلس الأمن الدولي لتحول دون إصدار قرارات ضدّه، ولو لمجرّد إدانة الجرائم التي يرتكبها بحق الشعب، وواظبت على مدّه بالعتاد والسلاح والمستشارين. عندما لم يعد ذلك كلّه كافياً لم تجد بدّاً من تصعيد تدخّلها والزجّ بقواتها المسلّحة مباشرة في الحرب السورية.

إلى ذلك، يبدو هذا التطوّر "منطقياً" من الوجهة التاريخية، إذا ما نُظر إليه من زاوية ثقل الحضور الروسي في المنطقة عموماً، وفي سوريا بوجه خاص، وحيوية المصالح الاستراتيجية الروسية فيها، والتي تعود إلى أيام القياصرة وسعيهم الدؤوب للوصول إلى المياه الدافئة.

تذكر المراجع وكتب التاريخ أنّ روسيا القيصرية أرسلت سفنها الحربية أول مرّة إلى الشواطئ السورية مطلع سبعينات القرن الثامن عشر (1772)، وقامت بإنزال قواتها هناك لحماية مصالحها ودعم حلفائها في مواجهة الدولة العثمانية خصمها التاريخي. ويعود النشاط القنصلي الروسي في سوريا إلى الثلث الأول من القرن التاسع عشر، حين أقيم أول مركز قنصلي روسي في يافا (1820)، ثم وكالات قنصلية نشطة في كل من حلب واللاذقية وبيروت وصيدا. وكانت روسيا، شأنها شأن القوى الأوروبية الكبرى الأخرى، تحصل على الامتيازات وتعزّز مكانتها في أراضي الدولة العثمانية مستخدمة ورقة "حماية الأقليات"، وهو الشعار عينه الذي ما زال رائجاً اليوم.

استمرّ الاهتمام الروسي بسوريا خلال الحقبة السوفيتية. وللتذكير، فإنّ أوّل مرة يُستخدم فيها حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي، كانت من قبل المندوب السوفييتي فيشنسكي، وذلك في 16 شباط/ فبراير 1946، لدى مناقشة المجلس مشروع القرار الخاص بانسحاب القوات الفرنسية من سوريا. حينها اعترض المندوب السوفييتي على المشروع الذي قدّمته الولايات المتّحدة، لتضمنّه عبارة "الانسحاب بأسرع وقت ممكن"، وأصرّ فيشنسكي على عبارة"الانسحاب فوراً" ونجح في ذلك فعلاً، فشرع الفرنسيون بالانسحاب على الفور كما مما يدلل على مركزية موقع سوريا وأهميتها في السياسة الخارجية السوفييتية. كما عملت روسيا السوفييتية، خلال صراعها المديد في مواجهة الغرب، على تعزيز نفوذها في الشرق الأوسط وسوريا تحديداً، حيث كان أحد أبرز ميادين الحرب الباردة بدءاً من خمسينات القرن الماضي. وشكّل الصراع العربي الإسرائيلي أحد المفاتيح الهامة للدور السوفييتي في المنطقة.

كذلك الحال في مرحلة روسيا الإتحادية. فهي وإن تناقَص رصيدها في ميزان القوى العالمي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، إلا أنها احتفظت بالكثير من إرثه، ابتداءً من العضوية الدائمة في مجلس الأمن وليس انتهاءً بمناطق النفوذ والنزوع الإمبريالي المسنود بترسانة هائلة من الأسلحة النووية. وخلال ربع قرن أعقبت السقوط المدويّ للاتحاد السوفييتي، استطاعت الخروج من عزلتها وإعادة ترتيب أوراقها، والعودة بقوة إلى المسرح الدولي، بالتفاهم حيناً وبإثارة المشاكل أحياناً.

في ضوء التطورات الميدانية على الأرض التي سبقت تدخلّهم العسكري المباشر، يدرك الروس جيداً أنّ الانكسارات والهزائم المتلاحقة التي مُني بها النظام، "حليفهم" في سوريا، ستفضي إلى خسارة منطقة نفوذهم الأهم في الشرق الأوسط، والتي تؤمّن إطلالتهم اليتيمة على البحر الأبيض المتوسط. ويبدو أنهم مستعدون للاحتفاظ بها مهما كان الثمن، خصوصاً بعد الضربة القاسية التي أصابت مصالحهم في غرب المتوسط، بفقدانهم طرابلس الغرب نتيجة خديعة الحلف الأطلسي لهم في ليبيا، حين تحول القرار الدولي لحماية المدنيين الليبيين من بطش القذافي إلى ذريعة للتدخل العسكري وفرض الوصاية الغربية عليها.

في كل الأحوال لم تقم روسيا بخطوتها تلك منفردة، والترتيبات اللاحقة بشأن تنسيق العمليات الجوية في السماء السورية فيما بين طيرانها وطيران التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لمحاربة "الدولة الإسلامية"، ليست سوى نقاشات في التفاصيل تأتي بعد أن تمّ الإتفاق على الجوهر. وربما هنا بالتحديد يكمن الجديد الذي ينطوي عليه التدخّل العسكري الروسي، متمثلاً بالانتقال من مرحلة صراع الإستراتيجيّات بين الولايات المتحدة وروسيا، إلى نوع من التنسيق الاستراتيجي إن جاز التعبير، عبر البوابة السورية، وتحت عنوان "الحرب على الإرهاب".

*مقالات الرأي تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "روزنة".


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق