أطفال دوما يلعبون بالصواريخ!

أطفال دوما يلعبون بالصواريخ!
تحقيقات | 28 سبتمبر 2015

لم تكن الصواريخ، التي تزاحم أطفال مدينة دوما على ركوبها في أولى أيام عيد الأضحى مجرد صواريخ مزيفة، أو حتى تذكارية، كتلك التي تعرض في المتاحف الحربية عادة، وإنما هي حقيقية، رمتها طائرات النظام السوري ومدرعاته، على المدينة الأكبر بغوطة دمشق الشرقية. 

من صواريخ إلى ألعاب

وما بين الضاحكة والمستغربة، انقسمت وجوه الأطفال هناك، لدى توجههم إلى مدينة الملاهي السابقة "طيور الجنة"، والتي تعرضت للقصف فدمرت أجزاء كبيرة منها، ما دفع بعض الأهالي لإعادة ترميم وإحياء أجزاءٍ منها، آملين بذلك إدخال البهجة إلى قلوب أطفال دوما.

يقول محمود أحد المتطوعين لترميم مدينة الملاهي: "لا علاقة للأطفال بهذه الحرب القذرة التي سرقت منهم كل شيء، فالطفل هو الخاسر الأكبر في هذه الحرب"، مضيفاً: "لذا من حق الأطفال أن تلهو وتلعب، فهذا حق مشروع بالنسبة لهم وواجب علينا نحن أن نبذل كل ما باستطاعتنا لفعل ذلك".

في حين يوضح أبو عمار ذو الأربعين عاماً، وهو صاحب الفكرة في هذا المشروع، أن مدينة دوما قصفت على مدى أربعة أعوام بمختلف أنواع الأسلحة، من قذائف وصواريخ وبراميل متفجرة، لكن بعضاً من القذائف والصواريخ، أبت أن تتسبب في مقتل المزيد من الأهالي والأطفال، حسب تعبيره، فكانت تتساقط على المدينة محدثة فجوات في الأرض دون أن تنفجر.

 ومن هنا، بدأ الرجل مشروعه، موضحاً: "تلك الصواريخ التي لم تتفجر كنا نجمعها ونفرغ محتواها من المواد المتفجرة، ونحتفظ بتلك الهياكل المتبقية منها لنصنع بها فيما بعد ألعاباً تشبه ألعاب العيد المألوفة، لا أخفي الخطورة التي كانت تواجهنا لدى تفريغها من هذه المواد، لكن والحمد لله لم نتعرض لأي خطر".

وعند سؤال روزنة له، عن خشيته أن يتعرض المكان للقصف مجدداً،  أجاب أبو عمار مشيراً إلى تلك الألعاب: "إنها ليست بشراً، إنها مجرد قطع من الحديد فقط، وسنقوم ببنائها مجددا".

فرح وخوف من الصواريخ

استفاق أطفال دوما في أول أيام عيد الأضحى، على وقع مفاجأة أفرحت قلوبهم، وأعادت البسمة لوجوه الكثيرين منهم، بعد أن سلبتهم الحرب أبسط حقوقهم، فكانت تلك الصواريخ ذاتها، التي قتلت وشردت الكثير من أبناء جيلهم، ويتمت بعضهم الآخر، سبباً في عودة تلك الضحكة إلى وجوههم الصامتة.

وتجمع الأطفال حول تلك الألعاب المصنوعة من هياكل الصواريخ في حديقة "طيور الجنة"، ليركب بها بعضهم، بينما ينظر الآخرون إليهم بلهفة ريثما يأتي عليهم الدور بالركوب واللعب.

يقول ثابت ذو الثماني سنوات بلكنة دومانية: "أنا فرحان كتير بهي الألعاب، بعد ما تدمرت مدينة الملاهي تبعنا، كمان كتير مبسوط لأني رح أركب الدويخة والمرجوحة".

لكن فتاة وحيدة، بثوب زهري اللون، كانت تتبسم بين الحين والآخر، تقف جانباً بصمت لتراقب بقية الأطفال وهم يتدافعون ويلعبون، عند اقترابنا منها وسؤالنا لها عن عدم مشاركتها بقية الأطفال اللعب بهذه الألعاب قالت بصوت منخفض هادئ: "أنا أخاف اللعب بهذه الصواريخ لأن واحداً منها قصف منزلي  في شارع الكورنيش وتسبب بمقتل أخي وأمي". 

دوما والعيد كلمتان متناقضتان، لكن قدسية الحياة أسمى من الرضوخ للموت، كما يؤكد أبو عمار، لذلك أراد أهالي مدينة دوما إحالة تلك الصواريخ، والتي تمثل الموت، رمزاً للحياة.

وينهي الرجل حديثه: "هؤلاء الأطفال يستحقون الحياة لا الموت، لذلك أردنا وبإجماع بعض الأهالي تحويل وسائل الموت تلك إلى رمز للحياة وعمل أي شيء قد يسعد أطفالنا وينسيهم طعم الموت والحرب".


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق