ضجيج الواقع السوري الافتراضي!

ضجيج الواقع السوري الافتراضي!
القصص | 28 يوليو 2015

نشر أحد السوريين على الفيسبوك صورة لبطاقة شخصية لسيدة سورية وجدها في غابات إحدى دول أوربا الشرقية، أثناء رحلة عبوره إلى بلاد اللجوء، سائلاً من يعرفها أن يطمئنه إن كانت على قيد الحياة أم لا، وفي صفحة أخرى نشر أحد الفنانين السوريين رابطاً لصفحة زوجته الفنانة كي يلتحق بها معجبيها بعدما فقدت صفحتها.

الحادثة الأولى وعلى بساطتها أمام الموت الكارثي اليومي، إلا أنها مؤشر "حياتي" واقعي لخط سير السوري اليومي في طريق العبور إلى الأمان، بعيداً عن سطوة الموت وديكتاتورية العبث، وتؤشر إلى مدى استخدام السوريين وخاصة في الخارج للعالم الافتراضي كوسيلة تواصل وتعريف أساسية بالمستجدات اليومية وخاصة في رحلات العبور، فقبل عام لم يكن السوري يجرؤ على نشر صورة له وهو يعبر تهريباً، مخافة التوقيف، أما لاحقاً فبات يرافق رحلات العبور صحافيين أجانب لتوثيقها. 

أما الحادثة الثانية فهي مؤشر "درامي" لمدى فاعلية العالم الافتراضي في إغناء نرجيسية نجوم أبعدتهم الحرب عن جمهورهم على أرض الواقع نتيجة موقف ورأي.

خمس سنوات إلا قليلاً، والسوري يسكن عالماً افتراضياً جديداً بكل شيء، حيث أنه لم تستقر ثورة في عالم افتراضي كما استقرت الثورة السورية، فقد أصبح لها عالمها وروادها ورؤسائها وهيئاتها السياسية، وجلادييها ونجومها.

استخدم الفيسبوك في البداية ليسد فراغ نقص التعبيرات السياسية والقوى السياسية والتنظيمات السياسية في المجتمع، واستخدم كأداة للتحريض والتنظيم والدعاية في حين أن وظيفته الأساسية هي أداة تواصل اجتماعي.

فيما بعد، بدأت تدخل القوى السياسية على خط هذه الأداة لأنها تؤمن لها الدعاية والتمويل، كصفحة الثورة السورية التي استولى عليها الإخوان المسلمون.

ومن ثم عاد الفيسبوك كأداة للتواصل الاجتماعي لأشخاص استقر بهم المطاف في بقاع الأرض مشرذمين، شوهتهم الحرب سياسياً واجتماعياً، لدرجة أن لغة الشتائم هي السائدة بين الغالبية. فقد تحول لأداة للصراع بمفاهيم القاع الاجتماعي، وحتى للصداقة بمفاهيم القاع الاجتماعي.

أي رأي متوازن لابد أن يهاجم صاحبه مع سيل من التخوين، فتنصب المقاصل لمحاكمته وجز رقبته، بحيث فقد الفيسبوك وظيفته" سورياً"، ولم يعد إلا في حالات نادرة مسباراً جدياً لواقع يتعرض يومياً لانتهاكات في سبل بقاء مواطنيه على قيد الحياة.

وبالإمكان القول أنه انعكاس لمجتمع تفكك بكثير من جوانيه، لم تعد فيه معايير قيم، قلة من يناقشون برأي فكل النساء "عاهرات" وكل الرجال "عملاء للأمن"، فالتخوين جزء من الأزمة السورية، إضافة لتوزيع الشهادات الوطنية والتعرض لكرامات مستخدميه دون وجه حق بطريقة غير لائقة في كثير من الأحيان، مع انتشار صفحات للتقييم بطريقة أقرب للتعرض الشخصي، سواء بطريقة كتابة التعليق من قبل إدارة الصفحات أم من خلال متابعيهم، بتعليقات تنال من الشخص لا من رأيه.

والشيئ الحقيقي والمحزن في الفيسبوك السوري، هو نعوات الموت اليومي سواء في رحلة العبور إلى دول اللجوء أم في مدنه المهددة يومياً بالموت أو في قصص التعرض لكرامات أطفاله ونسائه في دول الجوار، ناهيك عن الأخبار التي تشيد بمقدرة السوري على التأقلم والنجاح في الدول التي استقر بها، أو عكس ذلك من حوادث خارجة عن المنطق قام بها سوريين في دول اللجوء.

قد يبدو الحل عقيماً، والهوة كبيرة بين السوريين إذا ما ظل تقييم الوضع من خلال واقعه الافتراضي، فالواقع على الأرض لا يحمل تلك الخلافات البينية الجذرية، وقد يكون أقرب للمنطق مما يجري على الصفحات الزرقاء، حيث أن غالبية السوريين لا يملكون الوقت الكافي للجلوس على صفحات التواصل الإجتماعي لغياب الكهرباء والانترنت في غالب الأحيان.

هذا لا يعني أن الواقع وردي، ولكنه أقل سوءاً منه افتراضياً فالمجتمعات التي تئن تحت نزيف الموت ستصدر منها رائحة الجثث المتعفنة، والأمراض الناتجة عن ذلك  مدمرة وانعكاساتها ونتائجها ليست آنية، كل ذلك رهن بإنتهاء الحرب سريعاً.

وإلى ذلك الوقت سيظل السوري في رحلة عبور شاقة وطويلة، عبر سفن الموت وتحت أزيز الطائرات وقذائف الموت، وضجيج واقعه الإفتراضي الذي يبدد روتينه طلبات الصداقة من أسماء وهمية برسائل مترجمة إلى اللغة العربية بطريقة كاريكاتورية من ملكات جمال أفريقيا!.

*مقالات الرأي المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "روزنة".


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق