دمشق.. استديوهات التصوير بلا صور

دمشق.. استديوهات التصوير بلا صور
تحقيقات | 27 يوليو 2015

بين هموم الناس وزحمة العاصمة، تنبض مدينة دمشق بحكايا سكانها و خبايا شوارعها.    

في شارع العابد قرب البرلمان السوري، يجلس أبو مصطفى (68 عاماً)، على كرسي من خشب الخيزران، داخل أحد الاستديوهات، الذي علقت على جدرانه صور بالأبيض والأسود، لجمال عبد الناصر وبعض السياسيين والممثلين، بالإضافة لعدد من الكاميرات القديمة، التي اضطر لاستبدالها منذ سنوات عديدة بكاميرات حديثة لمجاراة العصر وإرضاء الزبائن.

يقول أبو مصطفى لروزنة: "بالماضي كانت مهنة التصوير أصعب، كان حجم الكاميرا أكبر وكنا بحاجة لأكثر من يومين لتحضير الصور للزبائن، حالياً بفضل الكمبيوتر صارت الصور تجهز خلال 5 دقائق".

يصمت قليلاً، ثم يتابع حديثه مبتسماً وبلكنة دمشقية: "لو كنت جاي لعندي قبل 20 سنة ما كنت شفتني قاعد عم اشرب قهوة، كنت قلعتك من المحل لأن ما كان عندي وقت أحكي مع حدا، وما كان عندي وقت حك راسي فيه"، وبعد ذلك يضحك، ضحكة تخفي خلف ملامح وجهه المتعب، حزناً وأسى على مهنة خبا بريقها.

ويعود ليقول: "أيام زمان كنا نحس بدفء الصور، بالرغم من بساطتها وعدم وجود الألوان فيها، بس كانت صور صادقة لأنها طبيعية وعفوية، حالياً وبعد إدخال تقنية الكمبيوتر على المهنة صارت كل الصور مفتعلة ومزيفة".

التصوير فن

"التصوير هو فن بحاجة لموهبة متل الرسم والنحت والموسيقى، لا يكفي أنك تمتلك أدوات الفن حتى تكون فناناً"، هذا ما قاله رأفت (51 عاماً)، الذي لم يكن يهوى دراسة الحقوق كوالده المحامي، فشغفه بالتصوير دفعه للعمل بلا مقابل، لدى أحد استوديوهات العاصمة.

وفي العام 1989 وبإمكانيات بسيطة، افتتح استديو التصوير الخاص به، وحول ذلك يوضح: "صارت الكاميرات في هذه الأيام متوفرة بكافة الأحجام والأنواع، و بأيدي الجميع، وأي شخص يقدر على التقاط صورة، لكن ليس كل من ضغط على زر التصوير، نقول عنه مصوراً".

الصورة رفيق دائم

تلعب الصورة دوراً هاماً في حياتنا اليومية، فهي ترافقنا في البطاقة الشخصية وجواز السفر، ورخصة القيادة، إضافة للمناسبات الاجتماعية السعيدة كحفلات الزواج والتخرج.

وسط منطقة الطلياني بين محلات بيع الملابس والبسطات المزدحمة بها الأرصفة، وداخل أحد استوديوهات التصوير، التقينا بـ فاديه (29 عاماً)، تعمل كمضيفة في شركة الخطوط الجوية السورية، أكدت لنا بأنها آتية لطباعة بعض الصور، التي التقطت لحفل خطوبتها على كاميرا هاتفها الخاص.

وتقول: "صار التلفون مخزناً لكل صورنا وذكرياتنا، أخاف أن يتعطل كرت الذاكرة أو ينسرق مني التلفون، وأخسر صور الخطبة لذلك أتيت إلى هنا"، مضيفة: "لا أذكر آخر مرة دخلت فيها على استديو تصوير، أظن منذ أكثر من 7 سنين".

نجيب (35 عاماً) الذي صدفنا وجوده داخل استديو التصوير ذاته، هو أيضاً لم يدخل استديو منذ 3 سنوات، عندما قام باستخراج رخصة قيادة سيارة، يقول: "جاي أتصور لأني ماشي بمعاملة جواز السفر وأنا بحاجة لأربع صور صغيرة".

حال فاديه ونجيب كحال معظم سكان مدينة دمشق، الذين لم يعودوا يقصدون استوديوهات التصوير إلا نادراً، "منذ انتشرت الهواتف الخلوية المزودة بتقنيات التصوير، فالتصوير أصبح  مهنة الي ما عندو مهنة"، قال علاء صاحب استديو تصوير بدمشق.

ويشير علاء  إلى أن تقنيات التصوير الرقمية، تسببت بتراجع أعمالهم بشكل كبير خلال السنوات الماضية، موضحاً: "شغلنا حالياً محصور بالتقاط صور خاصة بالمعاملات الرسمية كالهويات الشخصية ودفاتر العائلة وجوازات السفر"،  الأمر الذي أجبر عدداً من أصحاب المهنة على إغلاق أبواب محلاتهم، والعمل في مهن أخرى نتيجة الخسائر التي تعرضوا لها.

تضرر المهنة بسبب الأوضاع الحالية

ورافق ازدياد شدة المعارك في سوريا، ركود في معظم المهن المرتبطة بالأفراح، ألقى بظلاله على العاملين في هذه المهن، التي تضررت بشكل كبير منها مهنة تصوير الأعراس.

ديمة ( 27 عاماً) فتاة سورية تعمل في أحد محلات التصوير في منطقة الشعلان، تقول: "بكل تأكيد تأثرت مهنة التصوير في سوريا متل غيرها من المهن، بالماضي كنا نصور مناسبة أو مناسبتين باليوم، حالياً خف الشغل كثيراً وصرنا نفتح يوم ونسكر3 أيام، بسبب الأوضاع الأمنية والاقتصادية، وفي حال تم استقبال أي مناسبة الزبائن، يرفضون تصويرها لتخفيف المصاريف".

تأثرت مهنة التصوير بما مر به السوريون من أحداث طيلة السنوات الخمس الماضية، فتحولت من توثيق أفراح السوريين ولحظاتهم المهمة، إلى توثيق معاناتهم وأحداثهم الأليمة.


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق