محطات على منحدر سوريا

محطات على منحدر سوريا
القصص | 28 يونيو 2015

منذ بدايتها، وحتى الآن، عبرت الثورة محطات ثلاث رئيسية وأخرى فرعية، لا أهمية لتعدادها. 

المحطة الأولى، تمثلت بلحظة انفجار أول احتجاج شعبي، في شوارع دمشق، حيث تابع التواقون للحرية مشهداً أشبه بالمعجزة (التشبيه الذي أطلقه بعضهم عليها)، تعبيراً عن اغتباط خانق، بالنشوة والفرح.

ولقد استمرت هذه المحطة، فترة انتهت بانشقاقات جنود وضباط، من جيش النظام. وكان الموقف الأساسي للمؤيدين، خلالها، يتحدد بتكرار التحذيرات للثوار من ظهور العساكر المنشقين، بين المتظاهرين المدنيين، لكي لا يستخدهم النظام ذريعة للبطش بالمتظاهرين العزل. 

المحطة الثانية، أعقبت تسلح الثورة، الذي مثّل نقطة خلاف حادة، لأول مرة، بين المؤيدين. خرج قسم منهم تماماً عن/على خيار الثورة هذا. متحملين وصفهم بالخيانة، من قبل المؤيدين الذين أيدوا تسلح الثورة، بناء على يقينهم بأن النظام لايمكن أن يسلم إلا بالقوة. 

أما المحطة الثالثة، في عمر الثورة، فأعقبت ظهور الرايات السوداء، لجهاديين كشفوا عن أنفسهم، عبر تبني عمليات تفجير لمقار أمنية تابعة للنظام، في العاصمة، دلّوا -من خلالها- على شبهات خطيرة، أثارت الارتياب فيهم. بل وكشف بعضها عن تنسيق/عمالة مع  المخابرات. وكان سبق ذلك، ورافقه، لغط شديد حول تسريح النظام لموقوفين اسلاميين، ليسوا أقل إثارة للريبة. 

في تلك الآونة، كتب ناشط رأياً، عبر فيه عن أن "من يقاتل النظام، تحت راية الثورة، مخلصاً لوجه الحرية، فهو يمثلني. وأما من يقاتل تحت أية راية اخرى، ولخدمة أجندات خارجية؛ فهو يمثل علي، ويقوم بدور النظام في قتلي والتمثيل بجثتي". 

والملاحظ أن تلك اللحظة كانت فارقة في عمر الثورة. حيث لم يتغير شيء، بعدها، إلا إلى الأسوأ. الأمر الذي استخدمه مثقفون نقديون، برهاناً على عمالة قادة الكتائب الجهادية للنظام، إما مباشرة، أو مداورة- عبر الأنظمة الممولة، الشريكة في قمع الحريات، بغاية وضع خاتمة للربيع العربي، تشبه فاتحته -على يد البوعزيزي- بحرقه. 

بالرغم من تفريط قيادات المعارضة والثورة، بأعظم رأسمال كان يمثل الأمل بالخلاص -وهو التأييد العالمي-؛ إلا أن مؤيدي الثورة المنقسمين، لم يعترفوا بفشل الثورة، في هذا الشوط، ويراجعوا الأخطاء، للبناء من جديد، على أسس مختلفة، أو على الأساس الذي انطلق منه الثوار، في التظاهرات السلمية، مستدركين النقص الذي عرّض الثورة للسقوط في عفوية العنف (إن لم نقل العنف المبرمج)، والذي نجم عن تركها من دون برنامج واضح، يصوغ نموذجاً لسوريا الغد، ببعده الحقوقي والاستراتيجي، ويحمل تقاطعاً للمصالح الوطنية مع الإقليمية والعالمية، بتوليفة مبدعة، تنال قبول أطياف السوريين كافة، وتمثل حداً أدنى مقبولاً لتبني المنظومة الدولية للقضية السورية، التي تم تدويلها، بل لم يكن ممكناً تجنيبها التدويل، بشعارات ساذجة من مثل "لا للتدخل الدولي". وهو شعار أخواني، حاكى شعار الممانعة، التي يختص بها النظام. وأسوأ مافي الأمر أن النخبة السورية، بكافة اختصاصاتها -وفي مقدمتها الكتاب والمثقفون الشعبويون- أسفرت عن فضيحة تصحّر الفكر، وتحجّر العقل، بين مؤيدي الثورة -الذين يفترض أنهم قادة التغيير- أكثر مما هو الحال، بين مؤيدي النظام، الذين تقتضي مصالحهم تثبيت واقع الحال و دوام النظام!.  

هنا بدا جلياً أن الثورة بلغت محطة النهاية. أو بلغت الحضيض. وهناك -في ذاك القعر المعتم- التقى المختلفون. بل قل اختلطوا وصار من الصعب تمييزهم بالخطاب. وبات من المحال التعويل عليهم لإخراج سوريا من الحفرة، وهم بحاجة لمن يخرجهم. بل هم لا ينفكّون يوغلون في السقوط. ليس لأنهم عجزوا عن رسم نموذج جذّاب لسوريا الوعد، ولنظام الحكم المأمول؛ بل لأن عنادهم، ورفضهم لمراجعة أخطائهم على مستوى الخطاب، وجرائم المقاتلين -على الأرض- التي أطلقوا عليها وصف تحرير؛ جعلهم يألفون العنف، ويدمنون سفك الدم (بالصورة إن لم يكن بالحقيقة). فكان أصدق تعبير عن ذلك الموقف، تعبير أحدهم: سنواجهه (النظام)، حتى آخر سوري!. 

لقد بدا جلياً، لكل ذي لب، أن أكبر الأخطار التي يستمر السوريون في ارتكابها، تتمثل بتعليق الآمال على قتال عبثي، والإيمان بمقاتلين عدميين، يتبعون أنظمة حكم، ترتبط بالنظام وشركاه الحكام، عبر رابط العداء المشترك للحريات.  

في عصر سيادة النظام الدولي، يستحيل فعل شيء خارج -بله في الضد- من إرادة المجتمع الدولي. ولأن السوريين يريدون التحرر من نظام طغياني، مدعوم من كتلة داخل المجتمع الدولي، ولأن إحدى دول هذه الكتلة تمتلك سلطة الفيتو؛ يكون لزاما  عليهم أن يعلنوا عن دولتهم المنشودة، بوصفها جزءا لا يتجزأ من منظومة دول الحريات (الغرب).

وهو ما فعلوا نقيضه، بدءاً من نشيد الثورة، الذي رددته مئات آلاف، بل ملايين الحناجر -داخل وخارج سوريا- والذي يعلن عداء ذلك الشعب للحاكم، ﻷنه "عميل الأمريكان"!، مروراً بتكرار تهمة النظام بحراسة حدود اسرائيل، ما يعني -بالمجمل- أننا أمام ثورة مسلحة، تقود جماهير تضع هدف إسقاط النظام، كمرحلة أولى، تتلوها مراحل تحرير فلسطين، والانطلاق نحو أملاك المسلمين المسلوبة في الأندلس، فهل ثمة محال أكبر، لانتصار ثورة كهذه!؟. 

بدلاً من تبصّر العاقلين بهذا الجنون، تابع النخبويون علك الشعارات الممجوجة، واستدرار العواطف الإنسانية، وابتزاز مشاعر الناس، عبر صور الدمار وأشلاء الضحايا..الخ. فيما كان يجب عليهم مخاطبة العالم بلغة يفهمها، ويقتنع بها- وهي لغة المصالح والعقل والسلمية، سواء في الحوار أو الصراع. 

إن كانت ثورة الحرية تعني المساواة، فهل يمكن لنظام حكم بديل، أن ينال الثقة، مالم يضمن الحريات كاملة غير منقوصة، لكافة أطياف السوريين. 

وبما أن هذا محال، في أنظمة الحكم ذات المرجعية الدينية؛ يكون من المحتوم على "ثورة الحرية"، أن تبدأ الطريق بالإعلان عن طبيعة نموذج سوريا الغد، بوصفه نموذجاً حديثاً، علمانياً، يتأسس على فصل الدين عن السياسة والدولة وشؤون الحكم والتشريعات، معياره في ذلك، القوانين الدولية المعمول بها في أرقى الدول. وبخاصة في دول الجوار الأوروبي الديمقراطي، من مساواة البشر- نساء ورجالاً، ومن كل الأعراق والانتماءات- وتبادل السلطة سلمياً، وفصل السلطات، والحياد تجاه الاديان..الخ. 

المجتمع هو المرجعية الدستورية للحكم. ولكن في سوريا (ويوجد سوابق سيئة، في بقاع عربية أخرى)؛ يمكن استعمال الديمقراطية لمرة واحدة، تنتهي بتثبيت سلطة الغالب؛ لذا لابد من البناء على مواد فوق دستورية، يمنع تعديلها من قبل أية حكومة، مهما نالت من أصوات. ويكون مرجعها التحكيمي، هو المجتمع الدولي على مدى زمني، يكفي لتعافي البلد. 

كل ما سبق مرهون بقناعة العالم بالنموذج البديل، وبأن جذر الثورة هو السلمية. عندها سينظر إلى تمكين السوريين من التغيير، بوصفه أمراً عملانياً، يعود عليه بالنفع المشترك. ولدينا مثال صالح للمقارنة، ممثلاً بالثورات البرتقالية في شرق أوروبا.

*مقالات الرأي المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر "روزنة".

 


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق