تل أبيض وظهر البعير!

تل أبيض وظهر البعير!
القصص | 26 يونيو 2015

ما إن انطلقت صفارة الإنذار أو ساعة الصفر من قبل بركان الفرات (وهي مجموعة من الفصائل التابعة للجيش الحر) لتحرير تل أبيض، أو (كري سبي) كما يحلو للكُرد تسميتها، حتى قامت الدنيا ولم تقعد من قبل ناشطين محسوبين على الناشطين العرب في الثورة السوريّة، كما لو أنهم أرادوا أن تبقى تل أبيض محتلة من قبل داعش، بحجة أن الكُرد يرسمون خارطة دولتهم المستقلة، ويستغلون الجيش الحر لتحقيق حلم طالما ساور الكُرد حتى دون التفكير مليّاً بالتحولات الجيوبوليتكيّة أو مسارات التوزيع السكاني أو الجغرافي.

في البداية أبدى (أي الناشطين) تخوفهم من مخطط يرسمه الكُرد، واتهموا بذلك "ثوار الرقة" بالعمالة لقوات الحماية الشعبيّة (الكُرديّة)، وسرعان ما اتهموا الكُرد بالإبادة العرقيّة من خلال التهجير القسريّ للعرب التابعين لريف الرقة في بلدتي "سلوك" و"تل أبيض"، وبلمح البصر استنفرت أعداد كبيرة من الناشطين وغالبيتهم يميلون إلى الكتائب الإسلاميّة المقاتلة في أرض الثورة (شمال سوريا) وصاروا يوزعون البيانات والإدانات مستخدمين مفردات لا تليق بالشراكة لا في الثورة ولا في الوطنيّة الحقيقية والذي من المفترض أن يسعى الجميع كُرداً وعرباً وسرياناً وآشوراً وتركماناً وباقي المكونات لتحقيقها في سوريا الحرّة.

بيد أن وصل الأمر إلى أن صار موضوع تحرير تل أبيض القشة التي قصمت ظهر البعير، ومادةً أساسية لغالبية الكتاب العرب من سوريا وخارجها، ولم يبقى الموضوع في متناول الناشطين المهاجمين للكُرد وثوار الرقة بل أخذ منحى ما فوق المحلي بل الإقليميّ إلى درجة صدر المجلس الإسلاميّ السوري، ودون إعارة الانتباه بأنه يتدخل في حيّز الكُرد ويحدد خيارات ناسه، فتوى مفادها "يحرم الانضمام أو التعامل مع (ب ك ك) و(ب ي د)"، كل ذلك أتى من بعد تحرير تل أبيض وأزيلت العقبات التي كانت تعيق التواصل بين "كُوباني" والجزيرة.

وهنا لا بد من ذكر عاملين، الأول أن التحرير ذاك لم يحدث تغييراً يستدعي كل هذا الاستنفار والتجييش والمساهمة في إثارة حالة من التحريض والتخوين، وسبباً لإصدار الفتاوي من مؤسسة دينية قريبة أو غطاء للكتائب المسلحة ذات التوجهات الإسلامية الراديكاليّة، وهذا يعني أن عواقب تلك الفتاوى والتحريض ضد الكُرد والرد من قبل الفيسبوكيين الكُرد وخيمة ويساهم في زيادة الشرخ في النسيج المجتمعي وتالياً السياسي السوري ما سيصعب صياغة حالة من التعايش المشترك مستقبلاً!

والثاني أنّ تحرير تل أبيض هو تحصيل حاصل فإن لم تتحرر اليوم فغداً ومن المؤكد أنها لا تبقى جزء من "الخلافة" وتمكث فيها داعش إلى يوم الدين، بمعنى آخر أن تحرير تل أبيض لم يؤسس للإقليم الكُردي، إنّما أعاد الوضع إلى ما كان عليه قبل سقوطها بيد الراديكاليين الإسلاميين، أي مرحلة ما قبل سقوط الرقة بيد داعش ومن قبل أحرار الشام وجبهة النصرة، خاصة بعد أن استلمها أهلها من كل المكونات أي أن كل ما في الأمر تم فتح الطريق بين منطقتين سوريتين.

بقي القول، أن ما يجري اليوم هو أمر خطير وقد يتجاوز كل التدمير الذي يحصل في أرض سوريا، فبدلاً من صب جل الاهتمام الثوريّ في حالة سوريا والثورة يشغل ناشطيننا بالهم وبال غيرهم في أمور لا تتعدى تنظيف الذات من رجس برابرة العصر، أما مسألة الكُرد فهي مسألة ثوريّة مثلما كانت مسألة الديمقراطية في مراحل قبل الثورة وبعدها، ولا نعتقد أن الكُرد ان كانوا سبباً في دحر داعش أو بمنأى عن وجود داعش، فمن استحقاق الثورة هو حلّ كل المسائل في سوريا بما فيها المسألة الكُرديّة ما يشيّ بأن التحريض اليوم هو جزء من آليات تدمير الثورة وليس من دواعي تصحيح مسارها، مع أن الأخير هو استحقاق المرحلة السورية؛ وليس مهاجمة الكُرد لأنّهم فكوا الحصار عن أنفسهم بمعية أخوتهم من "ثوار الرقة" والذين هم عرب أيضاً، فشتان ما بين عربيّ يريد أن يحرر بلده، وعربيّ يعمل لصالح جارِ يريد أن يثير الفتنة بين شركاء التراب والتاريخ!

*مقالات الرأي المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرور عن رأي وتوجه "روزنة".


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق