خيار السويداء.. الخيار الوطني

خيار السويداء.. الخيار الوطني
القصص | 19 يونيو 2015

مقالات الرأي | اختارت السويداء دينامية خاصة في الثورة السورية، فأيدها جزء من المنشغلين بالسياسة والثقافة. الأغلبية بقيت صامتة وتيار انحاز للنظام بالكامل وعرفوا بالدفاع الوطني أو الشبيحة. مع تتالي سنوات الثورة وعسكرتها وارتفاع "عداد" الشهداء امتنع أكثرية المطلوبين للخدمة العسكرية عنها، وفي 2014 و2015 توقف الأمر كلية، حتى إن ممثلي النظام طالبوا مشايخ العقل فيها ب 27 ألف مجند للالتحاق، والقلة التي وافقت على الخدمة اشترط أعيان السويداء ألا يخرجوا منها. 

ما لا يمكن إخفاؤُه أن ثقة السويداء بدت معدومة بالنظام، وطالبت بتسليح المدينة والانسحاب منها نهائياً، وقبالة ذلك لن تخرج عليه كما بقية المدن. النظام له حساباته، فإن انسحب منها فسيكون سهلاً على أهل درعا طرده منها وبالتالي يخسر كل المنطقة الجنوبية وهذا سيحتم تنسيقاً كاملاً بين المدينتين. يساعد في ذلك رفض أهالي درعا للنصرة كما لداعش وتبنيهم خياراً وطنياً للثورة وخطاباً وطنياً للعلاقة بين المدينتين، ويضاف لذلك وجود علاقة متينة بين سياسيي السويداء وثوار درعا، واحتضان شعبي واسع من السويداء للمهجريين، ويضاف إلى ذلك مدّ درعا بكل أشكال الإغاثة.

رغم كل ما ذكرناه، لم يترك النظام المدينة، بقي يخيف أهلها بخطاب طائفي أنه حاميهم وأنّ سقوطه سيتبعه مجازر ومعاناة تخص الأقليات ومنها الدروز، ويساعد النظام خطاب الجهاديات الرافضات للمذهب الدرزي ويعتبرنه خروجاً عن الإسلام ومن الضروري العودة عنه، ويشكل إلغاء مظاهر المذهب في القرى الدرزية في إدلب، مثالاً واضحاً عن صورة المستقبل المتوهمة.

السويداء أمام هذه المخاطر بدأت تعيد حساباتها، وفي الشهر الأخير رفضت النظام؛ فجماعة الشيخ وحيد البلعوس أصبحت قوة عسكرية معتبرة، وصادرت قسماً من السلاح الثقيل كان النظام يتجه به نحو العاصمة، وقام النظام قبل ذلك بتفريغ مخازن الحبوب والمصرف المركزي والمتحف مما فيه، وهذه كانت مؤشرات تقول: إن أهل السويداء لديهم خيار وحيد هو الموالاة الكاملة وإلا ستأتيكم الجهاديات؛ سياسة النظام تقوم على إما موالاة كاملة أو انتظروا الأسوأ!

ضعف النظام سمح بالتدخل الإقليمي الواسع، فإيران التي تسعى لدفع الدروز إلى المجزرة تحركت قبل أشهر، وذُكر أن قاسم سليماني نفسه زارها والتقى بمشايخها، وكان الهدف حماية الدروز، ولكن قبالة تدريب شباب منهم والقتال ضد بقية المدن السورية. وطبعاً هناك قلّة تريد الاستفادة وتفكر بإنشاء حسينيات شيعية في المدينة! ولكن تجربة إيران فشلت تماماً. وتدخلت مؤخراً إسرائيل على لسان رئيسها الذي طلب مساعدة دروز السويداء من أمريكا، وأن هذا الطلب بسبب طلبات من ضباط دروز في الجيش الإسرائيلي خائفون على أبناء مذهبهم في سوريا؛ التدخل الإسرائيلي هذا يريد الإمعان في تفتيت سوريا وتصوير إسرائيل وكأنها حامية للأقليات في المنطقة كذلك، وأنها لن تسمح بوجود بإباداتهم. عكس ذلك رفض أهالي السويداء أي تدخل سواء من إيران أو إسرائيل. والآن تتصاعد الاحتجاجات ضد النظام ذاته؛ يقود الاحتجاجات المعارضة السياسية في المدينة أولاً، وهي الأقدم وثانياً جماعة دينية هي جماعة البلعوس وهناك جماعات أخرى تبرز تباعاً، وهناك الأغلبية التي تميل إلى الاستقرار ورفض معاداة درعا وتنتقد النظام دون توقف وإن لم تصل إلى تشكيل رأي عام واسع ضده.

التخوف الحقيقي عند أهالي السويداء مكمنه من جهتين؛ فالنظام قد يدمر المدينة إذا أعلنت رفضها الكامل له، وداعش والنصرة وبقية الجهادية يقدمون أسوأ الأمثلة عما سيحدث في المستقبل؛ يضاف إلى ذلك رفض المعارضة فيها الإصغاء إلى هذه النقاط، وعزلتها عن الشعب، وتقريباً تكفيره لترك بقية المدن السورية تواجه النظام دون سند وعون ومؤازرة.

الأحداث تتطور تباعاً، ودرعا ستخرج عن النظام، وحينها لا بد من إعادة تحرير مطار الثعلة؛ في هذه الأوضاع ستُترك السويداء لمصيرها. المدينة لديها تخوفاتها، ولن تقدم نفسها كمدينة محررة أبداً. فهي تخاف النظام والجهاديين، ولكنها ترفض كل دعوات إسرائيل بأنها قادرة على حمايتها. 

السيد وليد جنبلاط ومن موقعه كزعيم للطائفية الدرزية بالمعنى السياسي ولتقوية هذا الموقع بالتحديد، يساهم بدوره في تعميق الصلات بين درعا والسويداء، كما عرض مراراً القيام بذلك على أعيان المدينة، فسياسيوها المعارضون بالأصل صلاتهم متينة مع ثوار درعا، وقام بما يرفع الظلم عن دروز إدلب بعد مجزرة قرية قلب لوزة. دروز إدلب جزء من أهالي إدلب ورافضون للنظام كما بقية السكان، الإشكال هناك ليس في أقليتهم بل في جهادية النصرة، التي تميّز بين السكان أصولياً، وبالتالي لا مشكلة بين دروز إدلب وبقية السكان. 

وفي موضوع المجزرة الأخيرة أيضاً تدخل جنبلاط لإيجاد حل لهذا الإشكال المتكرر، إذا جنبلاط ينطلق من أن ما يحصل في سوريا يؤثر على الدروز، وهم جزء من ثورة الشعب وسيبقون في سوريا، وبالتالي لا حل لأية مشكلات تواجه الأقلية إلا بتشكيل صلات متينة مع بقية الشعب وضد النظام؛ وهذا الأمر تتفق فيه المعارضة معه ولكن السويداء كمدينة لديها تخوفاتها، ودون خيار وطني محدد وواضح المعالم لن تذهب بهذه الوجهة بالكامل. 

لا تُزال مخاوف الأقليات، وإن كان النظام يتهاوى، فهي ترى ما يحدث لقريناتها في العراق، وتزول كل المخاوف حينما ترى أن الخيار الوطني أصبح الخيار السائد.

*مقالات الرأي المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "روزنة".

 


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق