عن "الرجل المريض" الذي صارته سوريا

عن "الرجل المريض" الذي صارته سوريا
القصص | 06 يونيو 2015

تطورات ميدانية متسارعة شهدتها الحرب في سوريا خلال الأسابيع القليلة الماضية. اتساع سيطرة تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) لتشمل مدينة تدمر وسط البلاد، رغم خسارة بعض المواقع في الشمال الشرقي لصالح المقاتلين الأكراد. والتقدّم المتواصل لمسلحي المعارضة في ريف إدلب، وتحديداً "جيش الفتح"، المكون من "جبهة النصرة" الفرع السوري لتنظيم القاعدة، وحلفائها من مجموعات جهادية أخرى، واستيلاؤهم على مواقع النظام هناك.

أدّت الخسائر القاسية التي مني بها النظام إلى تضاؤل المساحة التي يسيطر عليها من البلاد. الأرجح أن ذلك سيرغمه على الانكفاء للدفاع عن المناطق الاستراتيجية التي لا تزال تحت سيطرته خاصّة العاصمة دمشق، إضافة إلى حمص والمنطقة الساحلية.

هذه المعطيات أطلقت العنان لبعض أصحاب الأوهام "الثوراوية"، فزادوا من وتيرة"التبشير" بالديمقراطية والحرية التي سينعم السوريون بها (أتوماتيكياً) حال سقوط النظام، الذي يبدو أنّ نهايته باتت وشيكة. كما كشفت، في المقابل، مزيداً من السعار الطائفي المفعم برغبة "الانتقام" والسعي لتسديد حسابات دموية ستدفعها "جماعات" بأكملها، عن جرائم يجري تحميلها السؤولية عنها،بحيث تغدو المسؤولية "جماعية"، وتكاد تختفي المسؤولية الفردية الجنائية لمرتكبي الجرائم الحقيقيين.

بين هذا وذاك، دفعت التطورات الأخيرة بعضهم إلى العودة مجدّداً وبقوّة، للحديث عن "تقسيم سوريا" على أسس عرقية وطائفية، كسيناريو محتمل تفرضه الوقائع المستجدّة على الأرض في غياب حلّ دولي جدّي ينهي الصراع. فينشأ نوع من "ستاتيكو" إن لم يضع نهاية للحرب، فهو على الأقل، سيجمّدها على نحو ما. وفقاً لذلك، تتكرّس أربع مناطق سيطرة كأمر واقع: مناطق "الإدارة الذاتية" للأكراد في أقصى الشمال والشمال الشرقي. مناطق المعارضة بشقيها الجهادي و"المعتدل" شمال البلاد وجنوبها. مناطق "الدولة الإسلامية" (داعش) في الشرق والوسط. ومناطق النظام في الساحل وحمص ودمشق.

على أنّ سيناريو التقسيم/ التجميد، كما غيره، لن يجد إمكانية فعلية لتحقّقه ما لم تتوافق عليه القوى الإقليمية والدولية المتورطة في الحرب السورية. بل إنّ حال سوريا اليوم (وليس النظام فقط)، أشبه ما يكونبالدولة العثمانية في سنواتها الأخيرة: "الرجل المريض" الذي تتكالب القوى الإقليمية والدولية على تقاسم تركته، دون أن يعني تقاسم "التركة السورية" بالضرورة تقسيم البلاد. إذ كما كانت سلامة وحدة الدولة العثمانية "أشبه بمصرف يمكن للدول الكبرى أن تسحب منه ما تشاء لإحداث توازن في هيبتها"، كذلك الحال في سوريا، حيث باتت مجريات الحرب فيها ومآلاتها عنصراً فعالاً في ميزان القوى بين الأفرقاء الإقليميين والدوليين. وبات معلوماً كيف أنّ "الملف السوري" يؤثّر ويتأثّر بغيره من الملفات العالقة بين هؤلاء، في المنطقة كما في غير بقعة من العالم.

من المؤكّد أنّ أحداً من "المستثمِرين" في الحرب السورية لا يريد الخروج منها خالي الوفاض، وهذا مما يؤخّر إمكانية تفاهمهم على إنهاء هذه الكارثة. ومع التوازنات التي تحكم صراعهم على "الرجل المريض"، وعدم إمكانية إلغاء أحدهم للآخر، فإنّ حفاظ كلّ منهم على "المكاسب" التي حققها عبر أدواته في الداخل السوري يستدعي الاعتراف للآخرين بما حققوه. بالتالي، سيكون لا بدّ من "تسوية" تقوم على معادلة الحماية من عواقب الهزيمة وفي الوقت عينه الحرمان من جني ثمار النصر.

هذا يفسّر عدم اكتراث "العالم" للمأساة السورية، وغياب أي تحرّك جدّي لوضح حدّ لها، رغم المستويات البربرية والانحطاط الهمجي الذي بلغته الفظائع المرتكبة من قبل المتحاربين، سواء من النظام والميليشات التابعة له أو من مجموعات المعارضة المسلحة بمختلف تلاوينها. ولا يغير من هول الجرائم وفظاعتها أن تكون نسبة قيام طرف منها تفوق ما ارتكبه طرف آخر، إذ إنّ "الكم" لا يغيّر من "نوع" الانتهاكات وفظاعتها.

وأمام مأساتهم الإنسانية التي صُنّفت الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية، لم يجد السوريون سوى التصريحات والخطابات حول سوريا، تتحدث عن "قلق" العالم على بلادهم، والحرص على وحدتها واستقلالها وكرامة شعبها.ولعلّ أكثر ما يثير السخرية، كيف يتبارى المتدخّلون في التنديد بالتدخل الخارجي، وتحميل هذا "التدخل الخارجي" المسؤولية عن استمرار الحرب وتفاقم مأساة السوريين!

في النهاية، هؤلاء المتدخلون سيلعبون الدور الأكبر في تحديد مستقبل البلاد ورسم ملامح سوريا ما بعد الحرب، لا "الشعب" ولا "الثوار" ولا "صناديق الاقتراع". وإنّ أي قراءة تقدّم صورة وردية عن المستقبل السوري القريب والمتوسط إنما هي تحايل على الواقع وتلميع له.

*مقالات الرأي تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر "روزنة".

 


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق