كيف حدث هذا؟

كيف حدث هذا؟
القصص | 30 مايو 2015

تحول طبيب الأسنان إلى طبيب عام، وتحول عامل التمريض إلى طبيب وجراح. ومع فقدان الأطباء والممرضين والممرضات، تحول الكثير من السوريين المتعلمين والأميين إلى التمريض ليقوموا بمهمة رعاية جرحى سوريا من الحرب السورية.

لا أستطيع أن أرى أن الكثير مما يحدث في سوريا اليوم له علاقة بثورة الحرية والكرامة التي خرجنا من أجلها. ولا أعتقد أن الكثير مما يحدث الآن سيؤدي حتماً إلى سقوط النظام. إن الكثير مما يحدث بأحسن أحواله أو أرذله حرب أشرار.

من كان يعتقد أننا نختزن كل هذا الحقد والإجرام والعنف!

من كان يتصور أن العالم الواضح لسوريي الأمس صار عالماً غامضاً ملوثاً بهذا القدر من الكراهية!

من فترة طويلة كنا نشعر بالمظلومية، بالقهر، بالتعب، بالخوف، كنا نستهلك أعمارنا ونحن نخشى أن نقع في أيدي الأمن السوري أو في أيدي المخابرات السورية أو المخبرين السوريين. كنا نترقب ساعة يقرع أحد العناصر المكلفين بإخافة السوريين باب منزلنا ليأخذنا لنحتسي فنجان قهوة في أحد الفروع الأمنية، فتستغرق رحلة القهوة  سنوات طويلة بين الفروع والسجون وسراديب التحقيق والتعذيب، وتلويث بشرتنا الآدمية بطاعون الثأر والانتقام.

عنصر أمن وفنجان قهوة والنتيجة سجون وفروع وجولات موت تحت شعارات احترام الإنسانية والإنسان.

كسرنا حاجز الخوف ونزلنا إلى الشارع نصرخ أننا طلاب حرية، كنا نطالب نحن الخائفين بأن يسعى السوريون لكسر جدار الخوف، وفعلناها. وحين تعامل معنا الأمن السوري بالقمع والاعتقال، عادت مشاعر المظلومية من جديد.

أعيش الآن في بحيرة من المظلوميات، لا أعرف أي نوع منها  يقودني ويخوفني ويتسبب في استهلاك ما بقي من عمري.

مظلومية الحرب على الإسلام! مظلومية الحرب على السنة! مظلومية الحرب على الشيعة! مظلومية الحرب على المجوس والنصيرية!

كيف وصلت الأمور إلى هنا؟ من يتحمل مسؤولية انتقال ثورة من مساريب الحرية، إلى فوضى الحرب على الناس!

لم يكن النظام السوري في وقت من الأوقات علمانياً، ولكنه استعمل العلمانية والعلمانيين. لم يكن طائفياً لكنه استخدم الطائفة والطوائف والطائفيين. لم يكن وطنيّاً، لكن استعمل الوطنيين. تحول الوطن إلى مزرعة، وتحول المواطنون إلى كائنات مستعملة.

لكن من استعمل السوريين منذ كسروا الخوف؟ من استعملهم عندما نزلوا إلى الساحات لينهوا عهد الاستعمال؟

تحول الجيش إلى قوة دموية، وتحولت العقائد إلى نصوص يقودها الحمقى، ومع انطلاق صفارة مباراة الحرية، انطلقت صفارات الإنذار والرصاص. وانقلب سباق الحياة إلى مونديال للموت.

*مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعبر عن وجهة نظر "روزنة".

*نشر هذا المقال بموجب اتفاقية الشراكة بين "روزنة" و"هنا صوتك".


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق