الجولاني بين مقابلتين: عودٌ على بدء

الجولاني بين مقابلتين: عودٌ على بدء
سياسي | 29 مايو 2015 | طارق عزيزة

بعد مضي نحو عام ونصف العام على بثّها لقاءً خاصّاً معه، تنفرد قناة "الجزيرة" القطرية، للمرة الثانية، بإجراء مقابلة متلفزة مع "الشيخ الفاتح أبي محمد الجولاني"، مؤسس وزعيم "جبهة النصرة لأهل الشام" الفرع الرسمي لتنظيم "القاعدة" في سوريا. وعلى رغم إصرار "الأمير" على عدم إظهار وجهه في المقابلتين، فقد خرجتا في شكل أقرب إلى برنامج دعائي ترويجي للجبهة، منه إلى حوار صحفي.

خلافاً لتوقعات بعض الواهمين، لم يقدّم الجولاني جديداً ذا أهمية في اللقاء الأخير، ولا هو فجّر "مفاجآت" قيل عشيّة اللقاء أنّه قد يعلنها. ولم يكن كلامه سوى تنويعاً على حديثه الأول للجزيرة، وتأكيداً لما ورد في خطابات وتسجيلات صوتية سابقة. لعلّ الجديد اقتصر على محاولات فاشلة لاختيار ألفاظ قد تبدو "دبلوماسية"، بغرض التخفيف من وقع خطابه التكفيري، إلى جانب بعض المماحكات الكلامية بغية توجيه "رسائل تطمين" للأقلية، لا يبدو أنّها أصابت غايتها. 

أوضح "الشيخ الفاتح" أنّ "التكفير" لا يكون إلا استناداً إلى "فتوى أهل العلم"، وهل يغدو "التكفير" مقبولاً إذا استند إلى "الفتوى"؟!. اللافت أنّ حديثه هذه المرة كان فيه شيء من التحوير والاجتزاء لفحوى ما ردّ به على سؤال في المقابلة الأولى عن النقطة نفسها، حيث اكتفى هذه المرة التأكيد على اعتماد منهاج شرعي و"ضوابط للتكفير" وفق الكتاب والسنة"، دون أن يضيف ما قاله من قبل، حول أن "الله خلق البشر كافر ومؤمن.. يوجد كفار ويوجد مؤمنين.. ولا نتوانى عن كل من يكفُر أو يأتي عملاً يخرج عن الدين نسمي الأشياء بأسماءها".

وجاء حديثه هذه المرة أكثر تفصيلاً (وصراحةً) في موضوع الأقليات، من مسيحيين وعلويين ودروز. إذ برزت ألفاظ من قبيل "الجزية يدفعها القادر من المسيحيين". وأكثرَ من الحديث عن "تصحيح الأخطاء العقدية" و"الهداية من الضلال" للعلويين والدروز، إذ لا يكفي إعلانهم التبرّؤ من النظام وإنما لا بد من "العودة إلى حضن الإسلام"، كشرط لازم لحمايتهم. بينما كان جوابه عامّاً في المقابلة الأولى، محيلاً الأمر إلى "مجلس أهل الحل والعقد" (الذي سيحكم البلاد!)، حيث "تعرض كل طائفة على حدا" وينظر "المجلس" في أمرها، ويتم التعامل معها بناءً على "أين محلها من الكتاب والسنة".

هكذا، خابت آمال المراهنين على تحوّلات جذرية ستطرأ على خطّ "جبهة النصرة" وتوجهاتها، في ضوء كثير من الأحاديث التي راجت عن "مراجعات" تدور داخل صفوف الجبهة. إلى ذلك، كانت كبرى الخيبات في موضوع العلاقة مع "القاعدة"، فقد عاود الجولاني التأكيد على التزامه الكامل بنهج تنظيم "القاعدة"، وخضوعه لأوامر قيادتها، ممثلة بـ"الدكتور أيمن الظواهري حفظه الله"، على عكس ما توقّعه بعضهم من أنّه قد يعلن في اللقاء ابتعاده عنها.

ومعلومٌ أنّ دعوات متكرّرة سبق أن وجهها بعض أقطاب المعارضة السورية إلى الجبهة تحثّها على خطوة الانفكاك عن "القاعدة". لعلّ أبرزها جاء على لسان خالد الخوجة رئيس الائتلاف السوري المعارض، وذلك في أول تصريحاته الإعلامية، بعيد ساعات من انتخابه رئيساً للائتلاف. كما صدرت دعوات مماثلة من جهة الشيخ معاذ الخطيب، الرئيس الأسبق للائتلاف المعارض، وكذلك من محمد حكمت وليد، المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا. 

جاءت دعوة الشيخ الخطيب انطلاقاً من أنّ فكر "القاعدة" "متعارض مع الدين الإسلامي"، لذلك يجب العمل على جذب "جبهة النصرة" إلى منهجية مختلفة. وكمن يحاول البحث عن تبرير، يعتبر الخطيب أنّ "الظروف التي تمر بها سوريا أجبرت المعارضة الحصول على دعم النصرة". في حين أنّ دعوة الزعيم الإخواني كانت مغلّفةً ببراغماتية الإخوان المعهودة، إذ أكّد أنّ إعلان النصرة صراحة انفكاكها عن القاعدة "سيعطي النصرة مؤشرًا إيجابيًا؛ الأمر الذي يصبّ في مصلحة الثورة".

أخيراً، لم تكن المصادفة وحدها، فيما يبدو، التي حدّدت هوية من اختير ليحاور "الأمير"، الذي يتزعّم إحدى أشهر الجماعات الموسومة بالإرهاب. فاللقاء الأول أجراه تيسير علّوني، الذي سبق له أن تعرّض للملاحقة القضائية والسجن على خلفية اتّهامات تتعلق بصِلاته مع تنظيم "القاعدة" الإرهابي. وجاءت المقابلة الثانية ضمن برنامج "بلا حدود" الذي يعدّه ويقدّمه الإعلامي المصري أحمد منصور، ذو الخلفية الإخوانية الواضحة (وقد أُدرجت جماعة الإخوان المسلمين على لوائح الإرهاب في العديد من الدول). ولا عجب في أن يتولّى إعلاميّ إخواني تلميع صورة "جبهة النصرة" في برنامجه، فهذا يتناغم مع خطة عمل دأب عليها الإخوان في الآونة الأخيرة، عبر جناحهم السوري، تأتي كتطوّر منطقي للتحالف على الأرض، الذي جمع مجموعات إسلامية مقاتلة مرتبطة بهم مع "جبهة النصرة".

*مقالات الرأي تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر "روزنة".

 


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق