هل ستكون جمهورية كردية شمال سوريا؟

هل ستكون جمهورية كردية شمال سوريا؟
القصص | 14 أبريل 2015

شكّل الانسحاب الطوعي للنظام السوري في صيف 2012 من " روﮋأﭬا" (والتي تعني بالكردية الغرب،  والمقصود هنا المناطق الكردية السورية الواقعة غرب كردستان العظمى) واقعاً جديداً لتلك المنطقة التي لطالما كانت تثير قلاقل النظام السوري، فجأًة انسحب منها دون سابق إنذار، ليسلمها بالتراضي إلى حليف الأمس حزب الاتحاد الديمقراطي PYD (الجناح السوري من حزب العمال الكردستاني PKK)، حيث شكل هذا الحزب أي PYD إدارة ذاتية من طرف واحد، واليوم هو الحاكم المطلق في المنطقة.

اتفاق ضمني بين النظام وPYD

بعد بدء حركة الاحتجاجات السلمية ضد النظام السوري، والتي انطلقت شرارتها من درعا جنوب سوريا، ووصلت إلى عامودا الكردية في أقصى الشمال الشرقي من البلاد. ازدادت مخاوف النظام السوري من الكرد باعتبارهم أكبر مجموعة بشرية سورية ذاقت الأمرين من عقود حكم البعث وسلطة آل الأسد، وخشية الانضمام الكردي للحراك الثوري حاول النظام استمالة الكرد وتحييدهم عن هذه الثورة، إلا أن كل محاولات النظام باءت بالفشل، وخرج الشعب الكردي مطالباً بالحرية إلى جانب عموم الشعب السوري.

نجح النظام في الاتفاق مع حليفه PYD في تسليمه المناطق الكردية، بعد أن ترك انسحابه منها فراغاً إدارياً وسياسياً وعسكرياً وأمنياً. ليؤسس هذا الحزب ميلشيات عسكرية عرفت فيما بعد باسم وحدات حماية الشعب YPG وقوات الشرطة (الآسايش) وكذلك وحدات حماية المرأة YPJ.

 لعبت هذه القوات العسكرية، الدور الأبرز في بسط نفوذ هذا الحزب كقوة متسلطة على المنطقة، دعمته فيما بعد لتشكيل إدارة ذاتية يقودها، بالمشاركة مع بعض الفصائل العربية والأشورية والسريانية في "روﮋأﭬا". 

واقع جديد.. حرب جديدة

لكن تطور الاحتجاجات السلمية فيما بعد إلى اضطرابات دموية ومن ثم ثورة لتتحول أخيراً إلى حرب أهلية بين قوات النظام والميليشيات المعارضة له، وتصطبغ هذه الحرب بالصبغة الطائفية كحرب بين السنة والعلويين في سوريا،  مدعومين من حزب الله الشيعي اللبناني وميلشيا شيعية عراقية وإيرانية، مع ظهور الجماعات الإسلامية المتشددة كجبهة النصرة (ذراع القاعدة في سوريا) وتنظيم "الدولة الإسلامية ".

 أعطت كل تلك التطورات مفهوماً أخراً لسلطة حزب الاتحاد الديمقراطي على المناطق الكردية من سوريا. فأصبح الحزب يرى في نفسه خطاً ثالثاً، إذ صرح مسؤولو الحزب أكثر من مرة، بأنهم لا يريدون أن يكونوا طرفاً في حربٍ بين السنة والشيعة والعلويين، كما أن مهمتهم هي حماية مناطقهم من خطر داعش، والجماعات الإسلامية الراديكالية.

تخطيط مسبق

في 26 تشرين الأول 2011 تشكل المجلس الوطني الكردي وهو التحالف الذي يضم مجموعة من الأحزاب الكردية السورية، لكنه لم يستطع مواجهة حزب الاتحاد الديمقراطي الذي مهّد لهذه "الجمهورية" منذ نهاية 2011، فشكّل مجلساً للشعب غرب كردستان-البرلمان الذي يتكون من طرف واحد في كانون الأول 2011- وعلى الرغم من توقيع اتفاقية هولير/أربيل (عاصمة إقليم كردستان العراق) بتاريخ 12 تموز 2012 لتشكيل الهيئة الكردية العليا برعاية رئيس الإقليم مسعود برزاني ومن بعدها اتفاقية دهوك في 22 تشرين الأول 2014، لكن سرعان ما فشلت تلك الاتفاقيات بسبب تفرّد الاتحاد الديمقراطي بالقرار والسلطة في "روﮋأﭬا".

قوة السلاح.. سلطة الأمر الواقع

فرض حزب الاتحاد الديمقراطي نفسه كسلطة أمر واقع بقوة السلاح، فالميليشيات التي أسسها تشكل قوة عسكرية كافية للسيطرة على الشارع الكردي لعدم وجود أية قوة عسكرية موازية له، حيث لا يمتلك المجلس الوطني الكردي أية قوة عسكرية، الأمر الذي يفرض على المنطقة واقعاً عسكرياً ذو لون واحد، فالحزب الذي كافة كوادره أعضاء سابقون في حزب العمال الكردستاني شكّل جيشه أيضاً من رفاق السلاح من نفس الحزب. لذا لم تختلف الأعلام والشعارات عن شعارات وأعلام حزب العمال الكردستاني، ناهيك عن رفع صورة عبد الله أوجلان -زعيم حزب العمال الكردستاني والمعتقل في سجن الجزيرة التركية إيمرالي- من قبل أغلب المقاتلين. 

"كوباني".. وازدياد النفوذ

بعد دحر وحدات حماية الشعب، ووحدات حماية المرأة لتنظيم الدولة الإسلامية "داعش" في معركة عين العرب "كوباني"، بالتعاون مع بعض فصائل الجيش الحر وبمساندة من مدفعية البيشمركة وطائرات التحالف الدولي. فرض هذا النصر سلطة أقوى لحزب الاتحاد الديمقراطي، كحزب يقود كل تلك المجاميع على اختلاف أسمائها، وبرر لنفسه بأن يكون حاكماً مطلقاً في مناطق نفوذه، دون أي اتفاق مع أية أحزاب كردية أخرى، عدا تلك المنضوية تحت تحالفه الذي يسمى TEV-DEM. فالحزب أصبح أقوى من ذي قبل، خاصةً أن الرأي العام الكردي، حتى ذلك المعارض لسياساته، بات يحترم تضحياته في الدفاع عن حدود "روﮋأﭬا" بالضد من هجمات "داعش".

 جمهورية كردية في الشمال السوري

"روﮋأﭬا" أو "جمهورية غرب كردستان"، باتت أمراً واقعاً في الراهن السوري وخارطته السياسية والعسكرية. فبالإضافة إلى السلطة السياسية للإدارة الذاتية، والعسكرية المتمثلة بوحدات حماية الشعب والمرأة والآسايش، بدأت الميزانية المالية تتشكل من الموارد المادية من بيع النفط في حقول الرميلان وقره جوخ، وتشكلت المؤسسات الخدمية والأمنية لإدارة مناطق "روﮋأﭬا" وحمايتها.

 كل تلك العوامل قد تشكل فيما بعد نواة دولة كردية في شمالي وشمالي شرق سوريا، كإعادة لنموذج إقليم كردستان العراق. ويبدو أنه ليس صعباً بأن تحوز هذه "الجمهورية" على الموافقة التركية والدولية، لا من باب الاعتراف بالحقوق الكردية، بل بسبب قناعة تركيا بأن تكون حدودها مع عدوٍ مثل الاتحاد الديمقراطي جناح العمال الكردستاني، أفضل بكثير من حدود مع تنظيم " داعش"، أو مع مناطق غير مستقرة عسكرياً وأمنياً بيد المعارضة السورية المسلحة.

لكن من يحدد مصير جمهورية " روﮋأﭬا" الكردية السورية هو قولاً واحداً "سقوط الأسد ".

------------------------------------------------------------------

مقالات الرأي لا تعبر بالضرورة عن توجهات روزنة 

 


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق