عن حلمهم المسروق!

عن حلمهم المسروق!
القصص | 26 فبراير 2015

أثار الفيلم الوثائقي "حلمهم المسروق" الذي عرضته قناة الميادين، لغطاً واسعاً بين السوريين على الصفحات الزرقاء لموقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك", ويعتبر هذا أمراً طبيعياً بين سوريي العالم الإفتراضتي. فبعد أربع سنوات من التجاذبات الكلامية وغيرها من حملات افتراضية، يبدو أن الواقع كحوار ونقاط تلاق مكانك راوح بين المؤيدين والمعارضين، ما زال كل طرف يحمل الآخر مسؤولية ما آلت إليه الحال في سوريا من خراب للبنية التحتيه وسرقة الآثار واستنزاف الموارد البشرية وموت الآلاف.

ما غاب عن الناشطين والمثقفين الكبار، أن حلمهم هو جزء من مجموعة أحلام رافقتهم منذ اليوم الأول، فمن خرج من البدايات ليس جميعم قارئ لمبادئ حقوق الإنسان أو روايات تشيخوف، ولم يسمع بحيرة البجع, فكانوا وجوه سورية يومية تصادفها في وسائل النقل في الحارات الشعبية ومناطق المخالفات, جمهور متعب ويائس، لذا كان قابلاً للإشتعال في ظل بيئة عربية مشجعة بعد تونس ومصر، ساعد في ذلك وجود قناة إخبارية ضخمة كالجزيرة وغيرها من القنوات الإخبارية والدينية كصفا الممولات خليجياً، أن تصنع قاعدة شعبية واسعة متوافقة مع مطالب الثورة السورية وتقدم  لها كافة وسائل الدعم.

لذا كان من السهل صنع نجوم فضائيات إخبارية وناشطين محليين وصناع أفلام تمت مساعدتهم  بكل ما يساهم بتوصيل الصورة والخبر, فلم يكن أي ممن ظهر في الفيلم الوثائقي "حلمهم المسروق" أو من مثقفي اليسار السوري من هؤلاء الذين عركتهم الأربع سنوات وصنعت منهم رجالاً جدد، بتوجهات جديدة وبأحلام تفترق مئة وثمانين درجة عن توجهات النشطاء المدنيين خريجي الجامعات حليقي الذقن نظيفي الثياب متقني اللغات الأجنبية، الذين حاربتهم أيضاً الحكومة وأجهزة الأمن بمتابعتهم وملاحقتهم، فمن استطاع الخروج من سوريا لم يعد ولم يفكر بالعودة واستقر غالبيتهم بين لبنان وتركيا والأردن أو في دول اللجوء.

ولم تكن بين كل هؤلاء المعارضيين التقليديين أو الجدد شخصية جامعة يلتف حولها الجميع، فاخترع من بقي في البلاد قادتهم، فكان على سبيل المثال الشيخ  العرعور يستطيع أن يحرك شارعاً عريضاً وواسعاً، في الوقت عينه لم يكن بإستطاعة برهان غليون أو ميشيل كيلو أو غيرهم من أن يٌخرجا بعد مقابلة تلفزيونية لهما زقاقاً خلفياً في قرية نائية.

ناهيك عن الضخ المالي الذي جاء من دول الخليج ذات التوجه الفكري المعروف، وجميع الأموال استقرت في بيئة هي بالأساس تعاني واقعاً معيشياً مزرياً، إضافة إلى أنها بيئة قابلة لإملاءات الممول الفكرية لأسباب كثيرة.

فالثورة لم تكن ملكاً لمن استوطن الفيسبوك وترك البلاد، بل ملكاً لمن ظل هناك وله أحلام لا تشابه أحلامهم في الدولة المدنية والمساواة والعدالة, فتلك الفئات تعرف شرع الله وسنة رسوله وصحابته, لذا لم يعد وجود النشطاء المدنيين مرغوباً بهم حتى ولو كانوا زواراً كما في الشمال السوري، فالكتائب الإسلامية مجهزة إلى الآن بأسماء غالبية الناشطين على الحواجز لمنعهم من دخول البلاد  قادمين من تركيا.

ولا يمكن نسيان اختطاف الناشطة الحقوقية رزان زيتونة ورفاقها من قبل مجموعات إسلامية. لقد ظلت رزان زيتونة تكتب وتدافع عن الإسلاميين وعن حقهم في محاكمات عادلة لسنوات قبل عام 2011.

فقانون السوق المعروف اقتصادياً ينطبق على مآلات الحال في الواقع السوري، فأرض الواقع احتلته فئات ومجموعات لا تمت لمن اختار الواقع الافتراضي من ناشطين ومثقفين بصلة. كل اختار عالماً وبرع فيه، وتبقى الكلمة الفصل لمن بقي على الأرض, أما الواقع الافتراضي فمازال مستوطنيه إلى الآن يرددون ذات الشعارات كما اليوم الأول في 15 / 3 / 2011, ويبرعون في اصطياد السخرية والنكات من خصهم حتى يكاد المرء يصدق غلبتهم على أرض الواقع.

فعن أي حلم تتحدثون؟

فمن تقولون أنهم سرقوا أحلامكم هم من كنتم تستندون عليهم لتعزيز فكرة وجود حراك شعبي واسع في سوريا، جمهور وجد نفسه في المواجهة لوحده، جمهور صنع عالمه وقادته لوحده, جمهور فرض عليه البغدادي والجولاني والشيشاني وكل مرتزقة الأرض وبات يصفق لهم كمخلص.

فالخلاص الجمعي في تلك المناطق فرض عليهم سيناريوهات جحيمية وكارثية عليهم وعلى سوريا والسوريين أجمع، أما الخلاص الفردي لمن نجا من الموت في المعتقلات والملاحقة فكان في دول أكثر أماناً وأقل خطراً.

فمن سرق حلم الآخر؟

لقد استطاع الفيلم على جميع علاته للأسف أن يطلق رصاصة الرحمة الأخيرة على الناشطين المدنيين وأن يضعهم أمام مسؤولية واقعية, أين هم وأين أصبحوا؟. 

يقول الكاتب المصري بهاء طاهر: "قبل أن تُشجع على البدايات كان يجب أن تفهم أنك لا تستطيع أن ترسم النهايات".

إن قراءة الواقع السوري بنظرة نقدية وبعيدة عن الأحلام الوردية وعلى العلن دون الخوف من مساءلات وهمية خلقتها الشبكة العنكوبتية والشحن العشوائي المستند إلى عقلية جمعية, تستدعي من كل سوري أن يبدأ من جديد، فلا توجد أحلام مسروقة، هناك أحلام لم تستطع أن تخطط لها وتقرأ واقعها بحيادية وبدون عواطف وشعارت قابلة للذهاب مع الريح.

وختاماً ما نفع الأحلام المسروقة عندما تكون سوريا فعلياً وواقعياً قد سرقت.. من سيشفع للسوريين غفلتهم بعد حين؟

*مقالات الرأي المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي روزنة.


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق