نظرة على الاستبداد وإعادة إنتاجه

نظرة على الاستبداد وإعادة إنتاجه
القصص | 11 فبراير 2015

تُعدّ "السلطة" أحد الأركان الأساسية لقيام "الدولة"، إذ تجسّد "السيادة" على أراضيها، وترعى مصالح "الشعب" من خلال القوانين المنبثقة عن الدستور. فتدير البلاد وتصدر الأوامر وتحدّد النواهي للمواطنين وفقاً لقانون توافَقوا عليه. لا شكّ أنّ تطبيق القانون وحماية المواطنين يستدعيان استخدام "القوة" أحياناً، وهو ما يُعبّر عنه بـ"احتكار العنف" وتقنينه. في المقابل يقوم الاستبداد على منطق الغلَبة لا التوافق، و"القوة" لا القانون، وبواسطة القوة يُخضِع المجتمع دون وجه حق. بعبارة أخرى يُفترض في السلطة أن تستند إلى القانون، وإلا انقلبت قوةً عارية. وقد خلص الفقيه الدستوري الفرنسي دي فرجيه إلى القول "الدكتاتورية ليست إلا مرضاً من أمراض السلطة، وليست ظاهرة طبيعية".

غير أنّ وجود نظم استبداد قوية لا يعني أن "الدولة" قوية أو متماسكة. فهي على ضعفها أمام اعتداء خارجي، وفشلها في معالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، تمعن في إساءة معاملة مواطنيها، إذلالاً وتنكيلاً واعتقالاً، وصولاً إلى قتلهم. حيث يشكّل الإرهاب والعنف المعمم في مواجهة المجتمع ركيزة أساسية من ركائز الاستبداد، إلى جانب الأيديولوجية القائمة على إخفاء الحقائق وتزييفها.

ولأنه ليس باستطاعة الأجهزة الأمنية، مهما بلغت، أن تصل إلى معرفة كل من يعارضها أو اعتقاله، خاصة عند اندلاع ثورة أو وقوع تمرّد ضدّ النظام، فتعمد إلى معاملة أشدّ وأقسى عند اعتقال أحدهم، لإلقاء الروع وتعميم الخوف في صفوف العامة. وحتى عندما يكون السقوط وشيكاً، لا تكفّ الأجهزة عن المبالغة في تسلطها وفرض سطوتها على مناطق معينة، كالعاصمة مثلاً، إذ كثيراً ما يكون ذلك للتعويض عن خسارتها لمناطق أخرى خرجت عن سيطرتها. وعلى رأي حنّة أرنت: "في النظم الديكتاتورية الأمن مستتب حتى الربع ساعة الأخيرة".

بالنظر إلى سيرة بلدان ما اصطلح على تسميته "الربيع العربي" وأوضاعها الحالية، يمكن القول إنّ كل ما يطفو من معطيات "جديدة" لا يعدو أن يكون انكشافاً لمزيد من تنويعات آفة الاستبداد وأعراضها. ففي ظل أشكال متعددة من الاستبداد المزمن، كان من المنطقي ألاّ يُكتب لتلك البلدان تحقيق مفاهيم المواطنة وقيم المساواة وتكافؤ الفرص والحقوق المتساوية والواجبات العادلة. ورغم تضمين الدساتير الوطنية كافة تلك القيم، ومصادقة الحكومات على المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، لم تكفّ نُظم الإستبداد يوماً عن تحويل المواطنين إلى أتباع خاضعين. حتى الجيوش الوطنية تحولت إلى أدوات للأنظمة تدين بدينها وتدافع عن مصالحها.

لقد حلّ منطق الإكراه والقوة محل منطق الشرعية. تغولت "ثقافة الاستبداد"، وأُفرغت "المؤسسات" من مضمونها. جرى الإجهاز على فاعلية المجتمع والحيلولة دون استقلاليته ومنعه من المبادرة، ما جعل الحديث عن دور للشعوب العربية يؤثّر في حاضرها أو يرسم مستقبلها، أقرب إلى الوهم أو أحلام اليقظة.

ما جرى في سنوات "الربيع العربي" العجاف هو كشف حساب لإنجازات الاستبداد، وتعرية لبنى التأخّر وعلاقات التخلف العفنة السائدة. وإن فشل مشروع التغيير تعبير عن تكريس هزيمة المجتمعات، سواء تعلّق الأمر ببقاء هذا النظام أو إعادة إنتاج ذاك. أو عبر ظهور شكل آخر للاستبداد، يتجلى في صعود الحركات الجهادية، التي تعتبر نفسها الأمينة على تطبيق إرادة السماء، فتعيد أدلجة الاستبداد موشّحاً بقداسة دينية مصطنعة.

هكذا، ورغم كل المآسي والتضحيات المتواصلة، لايزال غول الاستبداد هائماً على وجهه، يعيث فساداً هنا وهناك. فبعد موجة الاحتجاجات ثم الانتفاضات فالثورات العربية، وباستثناء التغيير النسبي في تونس وإن كان ظاهرياً، فإن النتائج - إلى الآن، وإلى أجل بعيد كما يبدو - تتراوح بين إعادة إنتاج النظام كما في الحالة المصرية، أو الفوضى والحروب الأهلية على ما يشهده اليمن وليبيا. يضاف إليها ما تمخّض عنه "الربيع السوري" ذي النتيجة العجائبية؛ بمزيجها المركّب من ملامح حرب أهلية تظلّل بقايا "ثورة" تتاجر بها "معارضة" فاسدة مستبدة ومشرذمة مع تكاثر بؤر إرهاب أصولي يزداد تفشّياً ناشراً استبداده المقدّس، يرافق ذلك استمرار نظام كارثي يعتاش على كل ما سبق في سعيه للبقاء وإعادة إنتاج ذاته.


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق