الحريق العربي من البوعزيزي إلى الكساسبة

الحريق العربي من البوعزيزي إلى الكساسبة
القصص | 01 فبراير 2015

درج الإعلام وبعض الأدبيات التي تناولت جملة الأحداث التي جرت وتجري خلال السنوات الأربع المنصرمة في عدد من البلدان العربيّة، على تسميتها بـ"الربيع العربي". بدا أن التسمية جاءت تيمّناً وتشبّهاً، بموجة الاحتجاجات الشعبية العارمة التي شهدتا بلدان أوروبا الشرقية مطلع التسعينات من القرن الماضي إثر سقوط جدار برلين في تشرين الثاني (نوفمبر) 1989. وربّما أملاً بأن تنتهي انتفاضات الشعوب العربية إلى تحقيق ما أنجزته الاحتجاجات الشعبية في أوروبة الشرقية آنذاك، والتي انتهت إلى موجة من التغيير الديمقراطي، تهاوت من خلالها أنظمة ديكتاتورية كانت تدور في فلك الاتحاد السوفييتي، الذي تفكك بدوره في تلك الفترة.

وقد بدأ التأريخ لهذا "الربيع العربي" مع نهاية العقد الأول من القرن الحالي، حين تعرّض الشاب التونسي محمد البوعزيزي، للصفع والإهانة على يد شرطيّة أرادت منعه من بيع الخضار على عربة، في قرية سيدي بوزيد التونسيّة، بذريعة عدم حصوله على ترخيص. حاول الشاب الاعتراض والشكوى لدى المسؤولين في المنطقة دون جدوى. فقام، احتجاجاً على ذلك، بإضرام النار في جسده في 17 كانون الأول (ديسمبر) 2010، ممّا أدى إلى وفاته.

لم تمرّ حادثة البوعزيزي كأي موقف احتجاج فرديّ وكفى، إذ كانت الشرارة التي أشعلت موجة احتجاجات شعبيّة عارمة في تونس، كانت نتيجتها إنهاء حكم الرئيس زين العابدين بن علي، الذي غادر البلاد هارباً في 14 كانون الثاني (يناير) 2011، بعد نحو ربع قرن من استفراده بالسلطة.

لم تقتصر نار البوعزيزي على تونس فقط، إذ امتد لهيبها في الهشيم العربي. غير أنّ الحريق طال أنظمة آثرت ألاّ تمضي دون أن تحرق كل شيء وراءها. فهي التي هيّأت عبر استبدادها المديد سبُل الحرائق في يباس مجتمعاتها المنهكة.

لقد أودت بمستقبل أجيال من الشباب وألقت بهم في مهاوي اليأس والحرمان، إلى درجة دفعت بأحدهم لأن يُضرم النار في جسده حيّاً، نتيجة استبدادها وسياسات النهب والإقصاء التي تنتهجها. إضافة إلى ذلك فإن استبدادها ذاك لعب الدور الأكبر في تهيئة البيئة الملائمة ليزهر ربيع التطرّف وتتفتّح براعمه.

هكذا يبدو من المنطقي القول إنّ الاستبداد الذي أوجدت منجزاته ظروفاً وأوضاعاً من الانسداد المزمن واليأس المركّب، والتي وصلت إلى ذروتها لدى البوعزيزي ليفعل ما فعل، هو ذاته الاستبداد المولّد للتطرف والعدمية، التي نجدها بأجلى صورها من خلال "دولة" البغدادي وخلافته الإسلامية المزعزمة. لقد فاقت ممارساتها الإجرامية حتى خيال مخرجي أفلام الرعب أو "الأكشن" الهوليودية. وما قيامهم بإحراق الطيار الأردني الأسير وهو حيّ سوى تجسيداً مأساوياً لذروة العدمية والتوحش. وهي في الوقت عينه تعبير عن الحريق المستمر الذي تجرّأت الشعوب العربية على ظنّه ربيعاً يضع حدّاً لمآسيها المستمرة ما استمرّ الاستبداد.

يجدر التذكير بأنّ الأنظمة الديكتاتورية ليست المسؤولة وحدها عن ارتكاباتها، إذ تشاطرها المسؤولية حكومات الغرب المتبجحة بديمقراطيتها واحترامها "حقوق الإنسان" في بلدانها، في وقت ترعى وكلاء مصالحها من أنظمة العسف والنهب تلك.

إلى ذلك، لا بدّ من الوقوف عند مسؤولية "النصوص المقدّسة" وما نتج عنه من "ثقافة وتراث" يثقلان كاهل الشعوب العربية والإسلامية، بما يحملانه من مخزون هائل ينهل منه مجانين الجهاد، على اختلاف مسمّياتهم، وتنوّع مموليهم والأجندات التي يخدمونها، أو حتّى صدق مسعى بعضهم لاستعادة فردوس الخلافة المفقود. وإن ما يمارس من ذبح وحرق وإرهاب يتّكئ في مجمله على ما حفظته بطون الكتب من سلوك "السلف الصالح".

ولأنّ الاستبداد واحد مهما تعدّدت أيديولوجياته، يبقى التساؤل: هل من فارق جوهري بين إحراق معاذ الكساسبة أمام الكاميرات على يد "مجاهدي الدولة الإسلامية" بزعامة البغدادي، وبين تذويب فرج الله الحلو في الأسيد على يد مخابرات "الجمهورية العربية المتحدة" بزعامة جمال عبد الناصر؟.

*مقالات الرأي تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي روزنة.


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق