حكاية الناشطين.. وتجديد الثورة!

حكاية الناشطين.. وتجديد الثورة!
القصص | 19 يناير 2015

لعب الناشطون على اختلاف أيديولوجياتهم دوراً رئيسياً في انطلاق الثورة السورية، وفي كل المدن السورية؛ وكانت الغلبة للاتجاه الحداثي، وتأخر كثيراً الاتجاه الإسلاموي. دفع الاتجاه الحداثي من يساريين وشيوعيين وليبراليين وقوميين ووطنيين وديمقراطيين ثمناً باهظاً بسبب ذلك من اعتقال، وقتل، وسجن طويل، وتشرد، ومراقبة، وحرمان من ممارسة الحرية الشخصية، ولكنهم استطاعوا تثوير مناطق وبلدات بل ومدن كثيرة في سوريا. شكلت بطالة أغلبيتهم وفقدانهم للعمل سبباً رئيسياً في التضييق عليهم ودفعهم للانضواء المباشر أو غير المباشر في تشكيلات المعارضة. هذا الارتباط كان بداية النهاية لدورهم الفاعل، يضاف له رفض أغلبيتهم العمل المنظم لأسباب تتعلق بضيق أفقهم وكارثية ممارسات الأحزاب السياسية وكره أغلبية السوريين وليس الشباب لكل عمل منظم يتطلب درجة عالية من الانضباط وتنفيذ المهام وفق خطة مرسومة من قبل. وهذا كان أكبر الكوارث في نشاطاتهم، حيث بقيت أقرب لردود الفعل ولتأمين الاحتياجات السريعة، واكتفوا بأفكار سياسية أولية، كررتها كل القوى السياسية، وكان من السهل على النظام وعلى المعارضة ولاحقاً الإسلام السياسي ومنه الجهادي هزيمتهم، وهذا ما تمّ.

تشكل المجلس الوطني وقبله إعلان دمشق والإخوان ومجموعات في الخارج، ودخلوا خط الثورة، وهذا عزز الميول السلبية في الثورة، حيث تدفق المال السياسي المشروط وعممت شعارات تدعو للتدخل الخارجي، وللأسلمة والطائفية واعتبار النظام "علوي" وطلب السلاح من الخارج، ورفض أي ميل لطرح قضايا الثورة الرئيسية، والتي بسببها انطلقت؛ فشعار الحرية كان للخلاص من الفقر والبطالة والنهب المنظم وغياب الخدمات والتعليم الرديء، وكذلك من أجل الحريات والديمقراطية، وقد طرح السوريون مطالب محددة كعزل المحافظين ورجال الأمن كما تم في الأشهر الأولى للثورة وكان الميل لبحث التفاوض مع السلطة؛ وبغض النظر إن كان النظام يفكر بحل داخلي أم لا. نقول إن هذا الميل أغلق لصالح تعميمات المجلس الوطني وأحزابه المنضوية فيه، وتحديداً شعار إسقاط النظام بكامل رموزه، وأن هذا يتطلب تدخلاً خارجياً بالضرورة، ومن هنا كانت أسماء الجمع (الحماية الدولية، الحظر الجوي، وسواها) وكان للإخوان المسلمين بالتحديد النصيب الأكبر في تعميم هذه الأسماء والشعارات الطائفية، وتم ذلك عبر الصفحة الثورة السورية ضد بشار الأسد أو قناة الجزيرة بصفة خاصة.

غرق الناشطون بهذا الميل السطحي، ودفعوا ثمنه دماءهم، وهناك من أجبر على ترك البلاد نهائياً، وآخرون اثروا وتحوّلوا للصوص حقيقيين ولكن ومع هذا الميل وانسحاب الأجيال الأولى مما عرف بالتنسيقيات دخل الإسلام السياسي والجهاديون لاحقاً، وهنا أفلس إعلان دمشق كلية وكل القوى الحداثية، وبقي داخل البلاد الفئات الرافضة للانضواء في إعلان دمشق والقوى الممولة، ولكنهم لاحقاً عزلوا أو سجنوا أو تركوا البلاد بسبب الملاحقة الأمنية أو جلسوا في منازلهم مع زيادة تسلط الجهاديين وتحول الثورة لحرب طاحنة كما أرادها النظام والجهاديون وأمريكا وروسيا وكل الدول المتورطة في سوريا والتي تريد تحقيق مصالحها من خلال ذلك.

اندفع المجتمع المحلي للتقدم لقيادة الثورة، وقد تصالح مع الاتجاه الحداثي بقوة، وتشكلت منظمات مشتركة وأعمال مشتركة وفاعلة وشملت كل النشاطات المتعلقة بالثورة. هذا الميل توقف مع  بروز الإسلاموية وسيطرتها، وهو ما أنهى دور المجتمع المحلي والحداثيين معاً في الثورة، وكان من نتائج ذلك خروجاً شبه كلي للفئات الحداثية، نستثني المناطق التي لم يتحكم بها الجهاديون، حيث بقيت العلاقة ممتازة بين المجتمع المحلي والفئات الحداثية. وترافق مع الإسلاميين زيادة مضطردة للمال السياسي، وتمّ التحكم بالثورة من الخارج الإقليمي، أي السعودية وقطر ومجموعات التمويل السورية الخارجية بصفة خاصة. هنا كان النظام قد أخرج الجهاديين من السجون، وشكلوا تنظيماتهم المنضبطة وبرز منهم لاحقاً قيادات جيش الإسلام وجيش النصرة وحركة أحرار الشام، وأفرج بالوقت نفسه المالكي عن قيادات داعش والنصرة كذلك!.

أغلبية النشطاء غادروا سوريا، وانكفأ معظمهم يتابعون شؤونهم الشخصية والجامعية وسواها، وهذا يتناسب مع كونهم فئات ساعية إلى هامش أكبر من الحريات؛ فالثورة في فهمهم الضيق تساوي الحريات، بينما هي ثورة شعبية لتحسين الوضع العام للسوريين، بدءاً بإنهاء حالة البطالة التي تفوق عن الأربعين بالمائة قبل بدء الثورة، وانهيار كامل الخدمات، وطبعاً الرغبة الجارفة بالحريات وبالتحول الديمقراطي.

مع وصول العاصفة الثلجية إلى سوريا والدول المحيطة ومخيمات اللاجئين أظهر الناشطون مقداراً كبيراً من المتابعة، وبدا دورهم أهم من الدول المضيفة والأمم المتحدة، وفعلاً استطاعوا تأمين الكثير من الاحتياجات للاجئين، وهو يعبر عن أنهم لا زالوا يحوزون على ثقة العالم والناس والمنظمات الداعمة. هذه الحادثة، توضح أن انعزالهم كان خاطئاً من قبل، وأن الوضع يتطلب عودتهم السريعة. فالإسلاميون ليسوا مصدر ثقة، لكونهم يحددون نشاطاتهم بالسلاح والمال وبأيديولوجيا طائفية، وأصبحوا عبئاً على الثورة قبل النظام.

إذاً هناك ضرورة كبيرة لتجديد الثورة، ويقع على النشطاء مسؤولية العودة الجدية نحو ذلك، ولكن سينحسر كل نشاطهم وبسرعة ما لم يتخلصوا من المشكلات التي أدت إلى عزلتهم؛ وأول قضايا التجديد العودة لأهداف الثورة كثورة شعبية، وتحديدها بتحسين الوضع العام للسوريين ورفض كل تمييز على أساس الدين والطوائف، والتخلص من شعار أن الثورة ثورة حرية وكرامة، والذي أوصلنا إلى تحكم الإسلام السياسي ولاحقاً الجهادية، والآن التحكم الإقليمي والدولي بمستقبل سوريا.  

سوريا تتطلب برامج دقيقة كمشاريع سياسية وتحدد حاجات السوريين في كل المستويات، فهل يعي النشطاء دورهم التاريخي!.

 


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق